هل حان الوقت لإحالة مصطلح “المستخدم” (User) إلى التقاعد؟

9 دقيقة
مصدر الصورة: توم هامبرستون
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في كل يوم جمعة، يتحدث رئيس تطبيق إنستغرام (Instagram) آدم موسيري مع الجمهور. وقد اعتاد موسيري على عقد جلسات أسبوعية بعنوان “اسألني ما تشاء” على إنستغرام، حيث يرسل إليه المتابعون أسئلة حول التطبيق، والشركة الأم ميتا (Meta)، وعمله الخاص الذي يتضمن درجة عالية من التواصل مع الجمهور. وقد أعجبتني مقاطع الفيديو هذه المسماة “AMA” (اختصار بالإنجليزية لعبارة [Ask Me Anything]) عندما بدأت أشاهدها منذ عدة أعوام. وقد كان يجيب بحماسة حقيقية عن أسئلة تقنية من قبيل “لماذا لا أستطيع وضع روابط تشعبية ضمن المنشورات؟” و”لقد أصيبت صفحة المتصفح لدي بعطل غريب، كيف أصلحها؟”.

لكنني بدأت أشعر، مع التعمق في مشاهدة مقاطع الفيديو هذه، أن أصالة موسيري العفوية تبدو أقرب إلى أسلوب محسوب بدقة، وكأنه ناتج ثانوي لمنصبه الوظيفي. في أحد أيام الجمعة، منذ فترة وجيزة، وجه أحدهم تهنئة إلى موسيري على نجاح تطبيق التواصل الاجتماعي ثريدز (Threads) الذي أطلقته ميتا صيف عام 2023 من أجل منافسة منصة إكس (X)، وكتب قائلاً: “قال مارك إن ثريدز يضم حالياً من الأشخاص النشطين عدداً أكبر مما كان موجوداً لدى إطلاقه، هذا رائع، تهانينا!” ورد موسيري، الذي كان يرتدي سترة وردية اللون ويبث من مكان أشبه بالمرآب قائلاً: “أود توضيح معنى هذا التصريح بالضبط، فنحن نراقب في معظم الأحيان عدد المستخدمين النشطين يومياً وشهرياً، ولديناً حالياً ما يزيد على 130 مليون مستخدم نشط شهرياً”.

اقرأ أيضاً: ميتا تُضيف أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي على منصاتها المختلفة

أشخاص أم مستخدمون؟

لقد استعاض موسيري عن مصطلح “أشخاص” بمصطلح “مستخدمين” بسهولة وسلاسة، إلى درجة تجعل هذا التحول غير ملحوظ تقريباً. أكرر ما قلته: تقريباً. (لم يرد موسيري على طلبنا منه بأن يعلق على هذه المسألة). لقد استُخدِم مصطلح “المستخدمين” (users) للإشارة إلى الأشخاص من البشر منذ فترة طويلة، وهو اختصار عملي فرضه علينا المسؤولون التنفيذيون في الشركات ومؤسسوها والمشغلون والمهندسون فيها ومستثمروها وغير ذلك. غالباً ما تمثل هذه الكلمة المصطلح الصحيح لوصف الأشخاص الذين يستخدمون البرمجيات، فالمستخدم ليس مجرد عميل أو مستهلك. في بعض الأحيان، ليس المستخدم حتى شخصاً، فمن المعروف أن بوتات الشركات تدير حساباتها على إنستغرام وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال.

لكن مصطلح “مستخدمين” عمومي بما يكفي أيضاً للإشارة إلى الجميع تقريباً. فمن الممكن أن يستوعب تقريباً أي فكرة كبيرة أو رؤية بعيدة الأمد. فنحن نستخدم أجهزة الكمبيوتر والمنصات والشركات، مثلما تستخدمنا هي أيضاً. وعلى الرغم من أن مصطلح “مستخدم” يصف على ما يبدو علاقة قائمة في صميمها على التفاعل الشخصي، فإن الكثير من العلاقات التكنولوجية التي يُعد الشخص فيها مستخدماً تتصف في الواقع بأنها شخصية للغاية. إذا أخذنا ما سبق بعين الاعتبار، هل ما زال مصطلح “مستخدم” مناسباً لمتطلبات العصر؟

“كان الناس يشبهون الآلات”

يمكن أن نتتبع أصل مصطلح “مستخدم” وصولاً إلى أيام أجهزة الكمبيوتر المركزية في الخمسينيات. بما أن أجهزة الكمبيوتر التجارية كانت ضخمة ومكلفة للغاية، وكانت تتطلب في أغلب الأحيان تخصيص غرفة لها مع تجهيزات خاصة، فقد كان تشغيلها منوطاً بموظفين مدربين -مستخدمين- يعملون لصالح الشركة التي كانت تمتلك هذه الأجهزة، أو تستأجرها بالأحرى. مع زيادة انتشار أجهزة الكمبيوتر في الجامعات خلال الستينيات، بدأ مصطلح “مستخدمين” يشمل الطلاب، أو فعلياً أي شخص آخر يتفاعل مع نظام الكمبيوتر.

لم يصبح امتلاك الأفراد لأجهزة الكمبيوتر الشخصية شائعاً فعلياً حتى منتصف السبعينيات. لكن عندما وصلت أجهزة الكمبيوتر إلى هذه المرحلة، لم يحقق مصطلح “مالك الكمبيوتر” (computer owner) أي انتشار فعلي. وعلى حين كانت اختراعات القرن العشرين الأخرى، مثل السيارات، أشياء تحولت إلى ملكية شخصية منذ البداية، فقد كان مالك الكمبيوتر ببساطة “مستخدماً” على الرغم من أن هذه الأجهزة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أعمق أركان حياة الناس. ترافق تنامي استخدام أجهزة الكمبيوتر في التسعينيات بزيادة في انتشار مجموعة من المصطلحات المتعلقة بالمستخدمين، مثل “حساب المستخدم” (user account) و”هوية المستخدم” (user ID) و”الملف التعريفي للمستخدم” (user profile) و”متعدد المستخدمين” (multi-user).

وقد كان مختص في العلوم الإدراكية والمعرفية دون نورمان، الذي انضم إلى شركة آبل في بداية التسعينيات لشغل منصب “مهندس تجربة المستخدم”، في خضم الاستخدام الواسع النطاق لهذا المصطلح. كان نورمان أول شخص يتضمن اسم منصبه مصطلح “تجربة المستخدم” (user experience)، الذي أصبح معروفاً بالاختصار (UX)، ويعزى إليه على نطاق واسع تحقيق الانتشار الجماهيري لمفهوم “تصميم تجربة المستخدم” (user experience design) الذي يركز على السعي إلى تصميم أنظمة سهلة الاستخدام بالنسبة إلى الجميع.

ما زال كتاب نورمان الذي نشره في 1998 بعنوان “تصميم الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية” (The Design of Everyday Things) بمثابة دليل مرجعي لتجربة المستخدم، حيث يضع “سهولة الاستخدام” على قدم المساواة مع النواحي الجمالية. وقد شرح لي نورمان، الذي يبلغ من العمر الآن 88 عاماً، أن الانتشار الواسع لمصطلح “مستخدم” يُعزى جزئياً إلى أن أوائل مختصي تكنولوجيا الكمبيوتر افترضوا خطأً، أن الناس يشبهون الآلات. يقول نورمان: “كان المستخدم ببساطة مجرد عنصر آخر. لم نكن ننظر إلى المستخدمين بوصفهم أشخاصاً، بل كنا نعتبرهم جزءاً من نظام ما”.

لهذا السبب، لم يركز تصميم تجربة المستخدم في البداية على جعل التفاعلات بين البشر والكمبيوتر “سهلة الاستخدام”، كما يقال. وكان الهدف تشجيع الناس على إنجاز المهام بسرعة وفاعلية. كان الأفراد وأجهزة الكمبيوتر التي يمتلكونها مجرد جزأين من أنظمة أكبر تبنيها الشركات التكنولوجية، التي كانت تعمل وفق قواعدها الخاصة وتسعى إلى تحقيق مخططاتها الخاصة. لاحقاً، اندمج مصطلح “مستخدم” الواسع الانتشار بصورة سلسة في حقبة النمو التكنولوجي الموثقة جيداً بالاعتماد على الوسائل الممكنة كلها. عندما كانت فكرة مصطلح “مستخدم” طيعة وقابلة للاستخدام بطرق متعددة، كان من السهل التحرك بسرعة وكسر القواعد، واكتساح العالم بالبرمجيات.

مصطلح “مستخدم” ضبابي

مصطلح “مستخدم” ضبابي بطبيعته، ما يجعله يخلق فجوة تشجع على ظهور ثقافة مراوغة قائمة على التسويق الاستهلاكي، وهو ما يحفز الشركات على النمو بهدف النمو، لا بهدف تحقيق منفعة فعلية. أدى مصطلح “مستخدم” إلى تحويل الأنماط المظلمة إلى معيار سائد، وهي مزايا تشجع خفية على اتخاذ إجراءات معينة، لأنها تعزز لغوياً فكرة اعتماد المعايير القياسية بدلاً من التجربة المصممة بأسلوب يراعي البشر. سعى مصممو تجربة المستخدم إلى بناء برمجيات سهلة الاستخدام للجماهير بصرف النظر عن هوية أفرادها، وانتهى بنا المطاف بالحصول على إشعارات باللون الأحمر الزاهي (لإضفاء شعور بوجود أمر ملح) وعربات التسوق على الإنترنت مع مؤقت زمني (للتشجيع على الشراء بسرعة) وأزرار تحمل خيار “موافق” بتصميم أكبر حجماً من خيار “غير موافق” في أغلب الأحيان (وذلك لدفع الناس إلى تقبل الشروط دون قراءتها).

يمثل المستخدم أيضاً شخصاً يعاني الإدمان بطبيعة الحال. والإدمان يحمل -جزئياً على الأقل- معنى العيش في حالة من العجز. حالياً، لا يقاس المستخدمون المتميزون بمستوى مهاراتهم التقنية، على الرغم من أن هذا اللقب كان يُمنح في بداياته للمستخدمين الذين أتقنوا مهارات تقنية مختلفة مثل اختصارات لوحة المفاتيح وتصميم الويب. ويقاسون بدلاً من ذلك تبعاً للوقت الذي يقضونه وهم متسمرين على أجهزتهم، أو تبعاً لحجم جمهورهم.

اللجوء إلى مصطلح “أشخاص”

تقول الباحثة والمهندسة في شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة أنثروبيك (Anthropic)، كارينا نوين، في منشور حديث على منصة إكس (X): “أريد أن يزداد عدد مصممي المنتجات الذين يعتبرون أن النماذج اللغوية من بين المستخدمين الرئيسيين أيضاً. ما أنواع المعلومات التي يتطلبها نموذجي اللغوي لحل المشاكل الجوهرية المستعصية التي يواجهها المستخدمون البشر؟”.

منذ زمن، كان مصطلح “مستخدمين” أكثر توافقاً مع الشركات التي تبني المنتجات بدلاً من حل المشاكل المستعصية للأشخاص الذين يستخدمون هذه المنتجات. كانت زيادة عدد المستخدمين تكافئ زيادة القيمة. يمكن أن يؤدي هذا المصطلح إلى تجريد الأشخاص من تعقيداتهم، وتحويلهم إلى بيانات يمكن دراستها، وسلوكيات يمكن تصنيفها وفق خيارات محددة مسبقاً، ورأس مال يمكن تكوينه.

غالباً ما كان هذا المصطلح يتجاهل أي نوع من العلاقات العميقة التي يمكن أن تربط الشخص مع منصة أو منتج ما. في عام 2008، اكتشف نورمان هذا العيب بالصدفة، وبدأ يدعو إلى استخدام مصطلح “شخص” أو “إنسان” بدلاً من “مستخدم” عند تصميم منتجات مخصصة للبشر. (شهدت السنوات اللاحقة توسعاً سريعاً للغاية في ظهور البوتات، ما زاد من تعقيد هذه المسألة) كتب نورمان يقول: “يجرد علماء النفس الأشخاص الذين يدرسونهم من هويتهم بالإشارة إليهم بمصطلح ’موضوعات الدراسة‘ [subjects]. وقد استخدمنا مسميات مجردة للأشخاص الذين ندرسهم بالإشارة إليهم بمصطلح ’المستخدمين‘. وكلا المصطلحين يمثلان انتقاصاً للإنسان”. وأضاف قائلاً: “إذا كان تصميمنا موجهاً للبشر، فلماذا لا نشير إليهم بهذا المصطلح؟”.

في 2011، قالت الأستاذة في معهد جورجيا تك (Georgia Tech)، جانيت موراي، وهي من أوائل منظّري الوسائط الرقمية، إننا يجب أن نتخلى عن مصطلح “مستخدم” لأنه وظيفي وضيق الأفق للغاية. وفي كتابها الذي يحمل عنوان “ابتكار الوسيط: مبادئ تصميم التفاعل بوصفه ممارسة ثقافية” (Inventing the Medium: Principles of Interaction Design as a Cultural Practic)، اقترحت مصطلح “متفاعل” (Interactor) بديلاً عنه، فهو يجسد بصورة أفضل حس الإبداع والمشاركة الذي كان البشر يشعرون به في الفضاءات الرقمية.

وفي العام التالي، نشر الرئيس التنفيذي حينها لمنصة سكوير (Square)، جاك دورسي، نداء للتأهب على منصة تامبلر (Tumblr) دعا فيه قطاع التكنولوجيا إلى التخلي عن كلمة “مستخدم”. وقال إن منصة سكوير ستستعيض عن هذه الكلمة بكلمة “عملاء” (customers)، فهي وصف “أصدق وأكثر وضوحاً” للعلاقة بين منتَجِه والأشخاص الذين كان يبني هذا المنتج لأجلهم. وكتب أن الهدف الأصلي للتكنولوجيا كان مراعاة الناس أولاً، غير أن الإشارة إليهم بمصطلح “مستخدمين” جعلتهم يبدون أقل واقعية بالنسبة إلى الشركات التي تبني المنصات والأجهزة. وقال إنه يجب علينا أن نعيد النظر بمستخدمينا، و”التسمية التي نطلقها على الناس الذين يحبون ابتكاراتنا”.

غير أن الجمهور كان بمعظمه غير آبه باستخفاف دورسي بكلمة “مستخدم”. استضاف موقع هاكر نيوز (Hacker News) نقاشاً حول المصطلح لبضعة أيام، حيث قال البعض إن مصطلح “مستخدمين” يبدو مختزلاً إلى هذه الدرجة فقط بسبب انتشاره الواسع. وأوضح آخرون أن المشكلة لا تكمن في الكلمة نفسها، بل في السلوك العام لهذا المجال الذي يتعامل مع المستخدمين النهائيين بوصفهم عنصراً يأتي في المرتبة الثانية بعد التكنولوجيا من حيث الأهمية. من الواضح أن منشور دورسي لم يدفع بالكثيرين إلى التوقف عن استخدام مصطلح “مستخدم”. ففي عام 2014 تقريباً، قررت منصة فيسبوك أن تتبع النصائح الواردة في كتاب نورمان، وتتخلى عن الصياغة التي تتمحور حول المستخدم، واللجوء إلى استخدام مصطلح “أشخاص” (people).

اقرأ أيضاً: كيف يؤدي تزييف الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الجرائم السيبرانية؟

لكن تغيير اللغة الداخلية صعب للغاية، كما نرى بوضوح في حالة موسيري من إنستغرام، الذي ما زال يقول كلمة “مستخدم” بسلاسة واسترخاء. قررت مجموعة من الشركات التكنولوجية الأخرى أن تتبنى بدائلها الخاصة لكلمة “مستخدم” على مر السنين. فقد سمعت بشركة تكنولوجيا مالية تطلق على الأشخاص تسمية “أعضاء” (members)، وتطبيق لإدارة وقت الشاشة اختار تسمية “جواهر” (gems). ومؤخراً، التقيت بمؤسس شركة امتعض عندما استخدم زميله كلمة “بشر” بدلاً من “مستخدمين”. ولم يكن متأكداً من السبب. أعتقد أن السبب هو أن كلمة “بشر” تبدو تصحيحاً مبالغاً فيه.

مؤخراً، التقيت بمؤسس شركة امتعض عندما استخدم زميله كلمة “بشر” بدلاً من “مستخدمين”. ولم يكن متأكداً من السبب.

لا يوجد مستخدم واحد

لكن إليك ما تعلمناه منذ أيام أجهزة الكمبيوتر المركزية: لا يتضمن النظام جزأين فقط على الإطلاق، لأنه لا يوجد شخص واحد فقط –”مستخدم” واحد- يتأثر بتصميم التكنولوجيا الجديدة. وبالنسبة إلى المديرة الأكاديمية في معهد هاسو بلاتنير للتصميم (Hasso Plattner Institute of Design) التابع لجامعة ستانفورد والمعروف باسم “مدرسة دي” (d.school)، كاريسا كارتر، فإن إطار العمل هذا شبيه بتجربة طلب سيارة أوبر. وتقول: “إذا طلبت سيارة من هاتفك، فإن الأشخاص الذين تشملهم هذه العملية هم الراكب والسائق والأشخاص الذين يعملون في الشركة ويديرون البرنامج الذي يتحكم في هذه العلاقة، وحتى الشخص الذي كتب الرموز البرمجية التي تختار السيارة التي ستُرسل إلى الراكب.

كل قرار متعلق بمستخدم في نظام يتضمن العديد من أصحاب المصلحة، حيث نعيش، يتضمن الأشخاص الذين تجمعهم نقاط تماس مباشرة مع ما تبنيه، مهما كانت طبيعته”. مع الاندماج الفجائي للذكاء الاصطناعي في نواحي الحياة جميعها، شهدت نقاط التماس بين البشر وأجهزة الكمبيوتر –أي واجهات الاستخدام- تحولاً عميقاً. على سبيل المثال، يروَّج للذكاء الاصطناعي التوليدي بنجاح باهر على أنه رفيق جيد خلال المحادثات. هذا نموذج اعتدنا عليه، فقد كان المساعد الرقمي سيري يكمن داخل هواتفنا منذ أكثر من عقد، جاهزاً لتقديم المساعدة في أي لحظة. لكن سيري، شأنه شأن المساعدات الصوتية العريقة الأخرى، لم يتجاوز تلك المرحلة. أما اليوم، فثمة شعور أعظم بالشراكة. فقد حظيت البرامج التي كانت تُسمى فيما مضى “بوتات الذكاء الاصطناعي” (AI bots) بألقاب راقية مثل “الربان المساعد” (copilot) و”المساعد” (assistant) و”المتعاون” (collaborator) لإضفاء شعور بالشراكة بدلاً من الشعور بالتنفيذ الآلي. وقد كانت النماذج اللغوية الكبيرة سريعة في التخلي عن كلمات مثل “بوت” بالكامل.

لطالما كان التشبيه بالإنسان (Anthropomorphism)، وهو الميل إلى نسب صفات بشرية إلى الآلات، وسيلة لخلق شعور بالترابط بين البشر والتكنولوجيا. وقد بقينا، نحن معشر البشر، مستخدمين. لكن، إذا أصبح الذكاء الاصطناعي الآن شريكاً فكرياً، فماذا عنا نحن؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحنا تحت عدسة المراقبة والتجسس في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي؟

ماذا عن المستخدم في عصر الذكاء الاصطناعي؟

من المرجح أننا لن نتخلص من مصطلح “مستخدم”، في الوقت الحالي على الأقل. لكننا من الممكن أن ننتقل عمداً إلى استخدام مصطلحات افتراضية أدق، مثل “المرضى” في مجال الرعاية الصحية أو “الطلاب” في مجال التكنولوجيا التعليمية أو “القراء” عند بناء شركات إعلامية جديدة. ومن الممكن أن يساعدنا هذا التوجه على استيعاب هذه العلاقات بصورة أدق. على سبيل المثال، في مجال ألعاب الفيديو، عادة ما يُشار إلى المستخدمين بمصطلح “اللاعبين” (players)، وهي كلمة تعترف بمشاركتهم في علاقاتهم مع التكنولوجيا، بل وحتى باستمتاعهم بها. أما على الطائرة، فغالباً ما يطلق على العملاء اسم “الركاب” أو “المسافرين”، ما يضفي روح الضيافة خلال تحليقهم في السماء.

إذا أصبحت الشركات أكثر تحديداً بشأن الأشخاص –والآن، أنظمة الذكاء الاصطناعي أيضاً- الذين تبني لهم المنتجات والخدمات، بدلاً من تناول كل شيء بصورة مجردة واختزاله في فكرة “مستخدم” كيفما اتفق، فقد تصبح علاقتنا مع هذه التكنولوجيا أقل اصطناعاً، وسيصبح من الأسهل أن نتقبل وجودنا الحتمي جنباً إلى جنب. خلال مكالمتي الهاتفي مع دون نورمان، تلعثمت الكلمات في فمي كثيراً. فقد تقلبت بين كلمات “مستخدمين” و”أشخاص” و”بشر” دون تفريق بينها، وكنت أشعر بالارتباك وغير واثقة من دقة دلالاتها. غير أن نورمان طمأنني إلى أنني كنت أفكر بصورة صحيحة، وأن ما حدث ليس سوى جزء من عملية التفكير التي نخوضها في أثناء تصميم الأشياء. وقال لي: “نحن نغير العالم، وبعد ذلك يعود العالم إلى تغييرنا. ولهذا، من الأفضل أن نلتزم الحذر إزاء كيفية تغييرنا للعالم”.