Article image
مصدر الصورة: إيسا



تعتقد روث ستيلويل، وهي خبيرة في سياسات الفضاء والطيران، أن أفضل وسيلة لحماية المركبات الفضائية هي تعلم الدروس من القانون البحري.

2021-08-30 10:56:16

30 أغسطس 2021

تشير الجمعية الأميركية الفلكية إلى احتمال وصول عدد الأقمار الاصطناعية في مدار الأرض إلى أكثر من 100,000 قمر اصطناعي بحلول العام 2030، ويعود هذا بشكل رئيسي إلى ظهور المجموعات العملاقة للأقمار الاصطناعية، مثل ستارلينك من سبيس إكس وون ويب، وهو رقم يعني ببساطة أننا سنصبح عاجزين عن تتبع كل هذه الأقمار. لطالما دعا الخبراء مراراً وتكراراً إلى وضع نظام أفضل لإدارة حركة المرور الفضائية ومنع انتشار تصادمات الأقمار الاصطناعية في المستقبل، ولكن القوى العظمى الفضائية في العالم ما زالت متلكئة حتى الآن. وفي الوقت نفسه، بدأت الأجسام التي تجوب مدار الأرض بالاقتراب من بعضها أكثر فأكثر، وبسرعات عالية.

تشغل روث ستيلويل منصب المدير التنفيذي لشركة آيروسبيس بوليسي سوليوشنز، كما أنها مدرسة متعاقدة في جامعة نورويتش في نورثفيلد بفيرمونت، وقد طرحت اقتراحاً حول كيفية إدارة حركة المرور الفضائية بشكل أفضل. تقول ستيلويل إننا يجب أن ندرس القوانين والسياسات البحرية التي تم تطويرها على مدى مئات السنوات لتوجيه سلوك وحركة السفن في البحر.

هلا بدأنا بعرض عام لإدارة حركة المرور الفضائية ومراقبة الأجسام الفضائية حالياً؟ ما تقييمك لفعالية الإدارة العالمية لهذه المسائل حالياً؟

إن إدارة حركة المرور الفضائية حقل ناشئ وجديد إلى حد كبير. وما زلنا في المراحل المبكرة؛ حيث تتمحور النقاشات في المجتمع الدولي حول تطوير المعايير والضوابط للسلوك. إن الهدف الأساسي لإدارة حركة المرور الفضائية هو منع التصادمات في الفضاء. وبطبيعة الحال، فإن التصادمات تولد الحطام، ما يجعل النطاق نفسه أكثر تلوثاً وأقل أماناً للأطراف التي ستدخله في المستقبل. وبالتالي فهناك مشكلتان؛ حيث إن أثر التصادم لا يقتصر على إتلاف الأقمار الاصطناعية، بل يتسبب أيضاً في ضرر بعيد المدى للبيئة نفسها. وقد شهدنا كل هذا بوضوح في جميع التقييمات العائدة إلى العام 2009 لتصادم إيريديوم – كوزموس.

أما مراقبة الأجسام الفضائية فهي أمر مختلف، وتتمحور حول تقديم البيانات؛ حيث تقوم بلدان وشركات مختلفة من جميع أنحاء العالم بتحديد مواضع هذه الأجسام في المدار وتشارك بياناتها مع الآخرين. وعلى مدى 50 سنة، لم يكن هناك داعٍ للكثير من المعلومات باستثناء موقع الحطام الذي يجب تفاديه. ولكن، ومع ازدياد ازدحام النطاق المداري بالخردة، فلم يعد التساؤل الهام الوحيد هو “كيف يمكن تجنب الحطام”؟ بل أصبح: “كيف يمكن التفاعل مع الأقمار الاصطناعية الأخرى في المدار؟”. عندما يكون هناك قمران اصطناعيان قادران على المناورة ويحاولان الوصول إلى نفس المكان في نفس الوقت، فإن المسألة تتحول من مراقبة إلى إدارة.

في هذا الإطار، وعند احتمال وقوع تصادم بين جسمين، ما العملية العامة التي تُطبق لمنع حدوث هذه الكارثة؟ هل هناك قاعدة عامة يمكنك أن توضحيها لنا؟

لقد كنت أحاول العثور على قاعدة مرجعية معتمدة حول هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها. وأتمنى أن أقول لك أن المرجع الفلاني سيوضح لك ما سيحدث منذ البحث عن تقارب محتمل وحتى لحظة اتخاذ القرار حول تنفيذ مناورة ما بالقمر الاصطناعي، ولكن هذه المسألة غامضة بعض الشيء. كما أن الشركات المختلفة المشغلة للأقمار الاصطناعية تتبع أساليب داخلية مختلفة، ولن ترغب بالضرورة في مشاركتها مع الآخرين.

حالياً، يقوم سرب القيادة والسيطرة الفضائية الثامن عشر في سلاح الفضاء الأميركي بمراقبة السماء باستمرار وتقييم الوضع كل ثماني ساعات. وعند كشف تقارب محتمل، سيصدر السرب إنذاراً موجهاً إلى الشركة المالكة والمشغلة للقمر الاصطناعي. وبعد ذلك، يصبح الموضوع بين يدي الشركة، التي تقرر ما ستفعله بهذه المعلومات. أما السرب الثامن عشر فيعود إلى المراقبة. إن المكان المتوقع لوجود شيء ما في الفضاء يتغير إلى حد كبير وفقاً للجسم نفسه، وشكله، وتفاعله مع الغلاف الجوي المحيط به. وإذا كانت هناك أي نية لدى الشركة المشغلة لتحريكه عمداً، فقد يؤدي هذا إلى تغيير معلومات الرصد أيضاً.

لقد قلت إن إدارة حركة المرور الجوية قد تبدو نموذجاً منطقياً لإدارة حركة المرور الفضائية لأسباب واضحة -وتحديداً كونها تتمحور حول منع التصادم- غير أنها نموذج غير ملائم، وفي الواقع، فإن القانون البحري يمثل نموذجاً افضل.

إن كل قطاع من المجال الجوي العالمي مُسند بالكامل إلى كيان واحد يؤمن خدمات إدارة حركة المرور الجوية. وعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة تتحكم بحوالي 13 مليون كيلومتر مربع من المجال الجوي المحلي و62 مليون كيلومتر من المجال الجوي العالمي. وبالتالي، فإن الولايات المتحدة هي السلطة الوحيدة التي تقدم خدمات تنظيم حركة المرور الجوية في هذا المجال الجوي بتكليف من إيكاو (المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO).

غير أنه لا يوجد كيان مماثل للفضاء. ولكن لا يوجد أيضاً كيان خاص لإدارة أعالي البحار. غير أن تنظيم السير في أعالي البحار يرتكز على مجموعة من القواعد المتفق عليها للسلوك والسلطة على كل سفينة، أي الدولة التي ترفع علمها. فلا توجد هناك سلطة خاصة بأعالي البحار تقبل أو ترفض أو تحدد الأماكن التي يمكن أو لا يمكن العمل فيها. ويُعد البحر مورداً مشتركاً، وتتضمن مبادئ حرية البحر حرية الملاحة، وحرية الطيران فوقه، وحرية مد الكابلات تحته، وحرية الصيد. وضمن الاتفاقيات البحرية، هناك أيضاً حرية القيام بالنشاطات التجارية. هذا الأسلوب مختلف عن تنظيم المجال الجوي، الذي كان تاريخياً مجالاً مخصصاً للنقل فقط.

غير أن النطاق المداري ليس مخصصاً للنقل أيضاً. فهو نطاق يتضمن نشاطات تجارية: اتصالات، واستشعار عن بعد، وغير ذلك.

وبالطبع، فإن القانون البحري يهدف إلى منع التصادمات في أعالي البحار. وتنص قوانين التصادم على ما يُفترض أن يحدث إذا كانت هناك سفينتان على مسار تصادم، أي السفينة التي تتمتع بأولوية المناورة، وما يجب فعله إذا حدث شيء في قناة ضيقة… إن هذه المبادئ مفصّلة بشكل واضح للغاية. وتوجد إمكانية واضحة للغاية لتطبيقها على التحديات التي نواجهها حالياً في النطاق الفضائي. وتوجد تشابهات واضحة للغاية بين المجالين. في حين أن اعتماد النموذج المتعلق بالطيران يشبه محاولة تركيب شكل مربع ضمن فتحة دائرية بالقوة.

هل هناك مقاومة أو خلاف على فكرة استخدام القانون البحري كنموذج لبناء القانون الفضائي؟ هل بدأ الإجماع العام بالتحول نحو هذه الفكرة؟

أعتقد أن الأمور تتجه بهذا الاتجاه؛ حيث إنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى إحراز تقدم، غير أن النقاش موجود على الدوام. إن وجود شخص أو جهة واحدة لتقرير ما يمكن فعله ليس بالنتيجة الواقعية، نظراً لطبيعة النطاق الفضائي. فنحن لا ننظم حركة المرور الفضائية بنفس تنظيم حركة المرور الجوية؛ لأن الأمر -ببساطة- ليس مسألة سلامة، وبالأحرى، فإنه أقرب إلى مسألة دبلوماسية واقتصادية أيضاً.

قد يكون من السهل تسليم السيطرة على الفضاء إلى جهة تنظيمية واحدة، مثل سرب التحكم الفضائي الثامن عشر، الذي يقدم هذه الخدمات مجاناً. ولكن هناك بعض البلدان التي قد تنظر إلى هذا الأمر بريبة. وبطبيعة الحال، هناك أيضاً مشكلة البيانات السرية. وبالتالي، فإن وجود جهة واحدة دولية سيثير تعقيدات ومشاكل تتعلق بالثقة. وحتى لو وُجدت جهة مؤهلة، فسيكون من المستحيل أن تحوز على ثقة الجميع، كما أن الثقة نفسها مسألة متغيرة مع الوقت.

وبالتالي، فإن الطريقة الوحيدة للتقدم هي وضع طريقة تسمح بمشاركة هذه المعلومات والثقة بها. وعلى سبيل المثال، أنا أعمل حالياً على مشروع يقوم على استخدام البلوك تشين كأساس لمشاركة المعلومات بشكل موثوق. ونظراً لطبيعة أنظمة البلوك تشين، يمكن تحديد الجهة التي قدمت المعلومات والمصادقة عليها من قِبل جميع المشاركين الشرعيين، ولا يمكن تغيير هذه المعلومات من قبل طرف ثالث. 

غالباً ما يوصف الفضاء بأنه نسخة جديدة من الغرب الأميركي، سواء من حيث عدم وجود قوانين تنظمه، أو من حيث إمكانية القيام بأي شيء هناك. كيف يمكن إنشاء هيكلية ما أو إدارة ما لتنظيم حركة المرور الفضائية إذا لم يكن هناك أي أساس يسمح بوضع أية قواعد في المقام الأول؟

أعتقد أن الفضاء برأيي ليس شبيهاً بالغرب الأميركي. فهناك بند في معاهدة الفضاء الخارجي للعام 1967 يُلزِم الدول بالإشراف على الأجسام التي يسمحون بإطلاقها من أراضيها. أي أن الفضاء ليس خالياً من القواعد، ولا توجد فيه حرية مطلقة. ولكن المشكلة أننا لم نتفق بعد على تحديد معنى الإشراف المستمر بالضبط.

لقد كانت حادثة إيريديوم – كوزموس بمنزلة تنبيه ينذرنا جميعاً بالخطر. فقد تسببت في إطلاق الكثير من النشاطات، مثل تطوير تكنولوجيا خدمة مدارية من أجل التخلص من الأجسام الكبيرة التي تبقى في الفضاء، وأيضاً تطوير شبكات تجارية من أجهزة الاستشعار التي تسمح بالحصول على معلومات أفضل حول مواضع الأجسام في الفضاء. 

أما المحفز الكبير التالي، وبرأيي، فهو المجموعات الضخمة من الأقمار الاصطناعية. فقد لاحظنا تزايداً في إنذارات التصادمات المحتملة بين قمرين اصطناعيين قابلين للمناورة، وهي مشكلة قابلة للحل بوجود مجموعة من القواعد المحددة. وهو ما سيؤدي إلى ضغط كبير على النظام للبدء بوضع هذه التفاهمات والاتفاقات. إن الرأسمالية حافز مؤثر للغاية. وعندما يرى الناس المزيد من الفرص الاقتصادية في المدارات شائعة الاستخدام، فإن تحقيق التوازن في الوصول إلى هذه المدارات واستخدامها سيتحول بدوره إلى حافز آخر أيضاً.