Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | الصور الأصلية: ناسا



يؤكد حادث التصادم الذي كاد أن يقع بين سبيس إكس وإيسا على ضعف نظامنا الحالي لتنظيم المدار الأرضي.

  • مع مواصلة إطلاقنا للأقمار الاصطناعية إلى المدار الأرضي، سنحتاج إلى نظام أفضل لإدارة حركة المرور الفضائية.
  • هناك بعض التكنولوجيات التي يمكنها أن تلعب دوراً هاماً.
  • سيكون الحل الأكثر فعالية هو تأسيس إطار عمل عالمي مهمته الحفاظ على سير حركة المرور الفضائي في المدار الأرضي بشكل انسيابي.

كانت هناك الكثير من الأشياء الغريبة حول المناوشات التي وقعت مؤخراً بين وكالة الفضاء الأوروبية إيسا وشركة سبيس إكس، مثل البيان العلني الذي أصدرته إيسا، والتقارير الأولية حول رفض سبيس إكس إزاحة قمرها الاصطناعي التابع لمنظومة ستارلينك على الرغم من تلقّيها تحذيرات بتصادم وشيك، وادّعاء سبيس إكس أنها لم تستجب بسبب عطل فني منعَ استقبالها للتحذير، وغير ذلك. غير أن الناحية التي لا تحمل الكثير من المفاجآت هي ارتطام جسمين في المدار الأرضي.

بدأ الازدحام المداري يتزايد بسرعة، فقد عرضت 24 شركة إطلاق أكثر من 20,000 قمر اصطناعي خلال السنوات العشر المقبلة، وحتى نضع الأمور في سياقها المناسب، نذكر أنه تم إطلاق ما يربو على 8,100 حمولة إلى مدار الأرض منذ بداية عصر الفضاء. وتؤكد لنا الحوادث المشابهة للتصادم الوشيك بين قمري إيسا وسبيس إكس، ومن دون شك، أن النظام الحالي لإدارة الفضاء لا يمكن أن يستمر على هذه الشاكلة.

هذا ليس بالأمر المفاجئ؛ نظراً لعدم وجود معيار حقيقي وواضح لإدارة حركة المرور الفضائية حول العالم. يقول بريان ويدن، مدير تخطيط البرامج في منظمة سيكيور وورلد: “هذا النظام غير موجود حالياً، وفي أحسن الأحوال، يمكن أن نعتبره في بداياته المبكرة”. وببساطة، يعتمد أغلب مشغلي الأقمار الاصطناعية -بما فيهم البعض من بلدان أخرى- على نشرة سلاح الجو الأميركي حول “التقاطعات” المحتملة بين الأجسام النشطة في المدار. وقد كان سلاح الجو يستخدم هذا النظام في البداية لتتبع الصواريخ في الفضاء، وليس لكي يلعب دور شرطي مرور فضائي للعالم بأسره. وهو يقوم بتتبع الأجسام باستخدام الرادارات، ويطلق التنبيهات عندما يصبح احتمال التصادم أكثر من واحد على عشرة آلاف (وقد ارتفع هذا الاحتمال ليبلغ نحو واحد على ألف في يوم الحادثة).

يقول روجر تومبسون، وهو أخصائي هندسي رئيسي في المنظمة غير الربحية أيروسبيس كوربوريشن: “بشكل أساسي، يعتمد كل مشغّل للأقمار الاصطناعية على نفسه لتقييم خطر التصادم وتحديد الإجراء اللازم. كما أن كلاً منهم يتعامل مع المخاطر بطرق مختلفة، ففي بعض الأحيان يقومون بتنفيذ مناورة لتفادي التصادم، وفي أحيان أخرى يتركون الوضع على ما هو عليه طالما أن احتمال التصادم منخفض بما يكفي”.

هناك عدة أسباب دفعت المشغلين إلى اعتماد هذا الأسلوب؛ حيث إن تغيير مسار جسم يندفع حول الكوكب بسرعة عشرات الآلاف من الكيلومترات في الساعة ليس بالأمر السهل، خصوصاً عند اعتماد هذه المناورات على نفاثات صغيرة. وفي أغلب الأحيان، قد ينخفض مستوى المخاطرة بمرتبة أو اثنتين مع وصول المزيد من البيانات. وتكون هذه المناورات غير ضرورية في معظم الحالات.

ولكن المجموعات الضخمة مثل ستارلينك –التي سيصل تعداد أقمارها الاصطناعية إلى الآلاف عندما تصبح جاهزة تماماً للعمل– ستؤدي إلى تعقيد تنبؤات حركة المرور الفضائية وإستراتيجيات تفادي التصادم. يقول تومبسون: “لا نستطيع أن نتابع العمل هكذا ببساطة؛ سيصبح الأمر أشبه بالابتعاد عن مسار سيارة لتفادي التصادم معها والتعرض بدلاً من ذلك للتصادم مع حافلة”.

يمكن أن تلعب التكنولوجيا دوراً هاماً في هذه المسألة؛ حيث يقول ويدن: “لقد بذلت المؤسسات العسكرية الأميركية جهوداً ضخمة لتحديث أنظمتها الحاسوبية من أجل تحسين دقة التنبيهات والتمكن من التعامل مع أنواع مختلفة من البيانات. إن التخلي عن استخدام التجهيزات العسكرية العائدة إلى الستينيات والاعتماد على التجهيزات الحديثة سيكون مفيداً للغاية”. ويمكن أيضاً بناء المزيد من أنظمة الرادار حول العالم، بل يمكن حتى أن تقوم الشركات الخاصة بتشغيل بعضها، وذلك من أجل تتبع المزيد من الأجسام في نفس الوقت. ويحاول الكثير من مشغلي الأقمار الاصطناعية (بما فيهم شركة سبيس إكس) تصميم أنظمة آلية تستطيع تحريك الأقمار الاصطناعية ذاتياً لتفادي التصادم عند إطلاق الإنذار، على الرغم من أن هذه الأنظمة غير مُجربة، كما أنها -شأنها شأن السيارات ذاتية القيادة- قد تكون مفيدة فقط إذا تمكنت من التواصل مع بعضها البعض.

الجميع يلعب دور الشرطي
ولكن الصورة الأشمل في إدارة حركة المرور الفضائية تحتاج أيضاً إلى إعادة نظر، كما يقول تومبسون وزميله في أيروسبيس كوربوريشن تيد مويلهوت، وهو المؤلف الرئيسي لبحث جديد يوضح نصائح محددة حول هذه المسألة. وفي جميع الحالات تقريباً، يعرف مشغلو الأقمار الاصطناعية مواضع أقمارهم، ولكنهم حالياً لا يتشاركون هذه البيانات مع بعضهم البعض. كما أن كلاً من المشغلين يجب أن يلتزم بقوانين دولته حول الارتفاعات التي يُسمح بعمل الأقمار الاصطناعية فيها، وأين يمكن أن تتحرك، وما الإجراء المطلوب اتخاذه عند وجود احتمال بالتصادم ومَن يجب أن يقوم بذلك، وكيفية التخلص من الأقمار الاصطناعية الخامدة، وغير ذلك، ولكن يستحيل حل المشاكل إذا كانت هذه القوانين تتضارب مع مثيلاتها في دولة ثانية. وقد يكون من المفيد تأسيس هيئة فضائية تجمع عدة حكومات، ولكن كيف يمكن لهيئة كهذه أن تقوم فعلاً بالإشراف على حركة المرور وفرض قوانينها بإجراءات عقابية؟ لا يمكننا أن نرسل مخالفة لمن يخالف القوانين، حيث ستصبح الهيئة مجرد مصدر للتنبيهات دون مفعول حقيقي.

يبدو أن العصا لن تنفع، وبالتالي يجب أن نستعين بالجزرة. يقول مويلهوت: “إذا قدمت وكالة مركزية خدمة تتيح للمستفيدين الحصول على فوائد متبادلة، فهذا سيدفع الجميع إلى الانضمام طوعاً. إن الأمر أشبه بمعيار ما، فإذا تم اعتماده من قِبل عدد كافٍ من الأشخاص، سيفرض نفسه على الباقين، وسيلتزم مشغلو الأقمار الاصطناعية به من تلقاء أنفسهم”.

قد يكره مشغلو الأقمار الاصطناعية تلقّي التعليمات من الآخرين، ولكنهم لن يرفضوا التعاون؛ لأنهم يُجمعون على شيء واحد، هو أن تصادم الأقمار الاصطناعية يضر بالأعمال، وبالفضاء أيضاً. وفي المحصلة، فإن هذا يعني أن حماية الشخص لممتلكاته تقتضي حماية ممتلكات الآخرين أيضاً. ومن المؤكد أنه ستظهر نزاعات عند بدء الجدل حول البلدان والشركات التي يجب أن تفسح الطريق لغيرها، غير أن هذه المشاحنات تبقى أفضل من الخيار الآخر، حيث سيصبح المدار الأرضي مليئاً بحطام الأقمار الاصطناعية إلى درجة نعجز فيها عن الاستفادة منه بأمان.