Article image
تسطيح المنحني: بدلاً من إصاباتٍ كبيرة وبوقتٍ قصيرة يمكن إبطاء انتشار الفيروس وتخفيض عدد الإصابات عبر إجراءات الوقاية المتاحة. أعيد رسم المنحنيات وفقاً لما نشرته مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).



المعركة ضد فيروس كورونا المستجد هي معركة وقت تتطلب إبطاء انتشاره وتقليل عدد الإصابات الممكنة لتمكين المستشفيات من معالجة كل الحالات على أفضل نحوٍ ممكن.

خلال الأسابيع الماضية تحول انتشار فيروس كورونا المستجد إلى وباءٍ عالميّ غير قابل للإيقاف، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى تصنيفه كجائحة عالمية، وذلك بالترافق مع انتشاره الواسع في عدة قارات والعديد من الدول خارج الصين، مثل إيران وإيطاليا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى. تتزايد الأرقام المتعلقة بعدد الإصابات يوماً بعد يوم بشكلٍ مضطرد بالتوازي مع تزايد عدد الوفيات واكتشاف بؤرٍ جديدة للمرض المرتبط بالفيروس. 

دفع هذا الوضع المتأزم العديد من الحكومات والهيئات الصحية حول العالم لنشر الوعي الصحي على أعلى نطاقٍ ممكن بين السكان ضمن الجهود الرامية لمكافحة انتشار الفيروس، وبرز بهذا السياق وسمٌ جديد هو FlattenTheCurve# الذي ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعيّ بالترافق مع رسمٍ بسيط يحمل عنوان “تسطيح المنحنى Flatten the Curve”. فما هو هذا الوسم؟ وما المنحنى المقصود؟ وكيف سيساهم تسطيحه في مكافحة الفيروس؟

حول انتشار فيروس كورونا المستجد: معركة وقت

من أجل فهم انتشار الفيروسات والأمراض يعتمد العاملون في المجال الطبيّ والحيويّ على بعض الأدوات الرياضية التي تساعدهم على تنبؤ السيناريوهات المستقبلية المُحتملة، بدءاً من أسوئها وصولاً إلى أفضلها، ونموذج النمو الأسيّ هو أبسط أشكال الأدوات المعتمدة على الرياضيات والإحصاء التي تتيح لنا فهم كيف سيكون الوضع عليه في المستقبل من ناحية انتشار الفيروس.

تنتشر الفيروسات بشكلٍ سريع وعلى نحوٍ متزايد، ما يعني أن عدد الإصابات الجديدة اليوم سيكون أعلى من الإصابات الجديدة التي حدثت بالأمس، وهكذا حتى الوصول لقيمةٍ أعظمية يبدأ بعدها معدل الإصابة بالانخفاض. في ظل الانتشار الواسع للفيروس ووجوده في العديد من الدول والمدن، لم يعد من الممكن إيقاف انتشاره، وهذا يعني أن عدد الإصابات سيستمر بالتزايد، وحتى الإجراءات المتعلقة بحظر السفر وإغلاق الحدود بين الدول والحد من النشاطات والفعاليات المختلفة لن تسهم في وقف انتشار الفيروس أو منع تزايد عدد الإصابات.

بمعنى آخر، فإن معركة احتواء الفيروس ووقف انتشاره قد انتهت لصالحه، والتركيز الآن على معركة أخرى: معركة الوقت للتمكن من السيطرة على الوضع الحاليّ وضمان عدم تحوله لكارثةٍ صحية على مستوى الدول المتضررة بشكلٍ كبير من انتشار الفيروس. هذا الأمر هو ما يقودنا لفكرة تسطيح المنحنى التي بدأت تتردد بشكلٍ كبير على لسان المسؤولين والخبراء في العديد من الدول، وذلك لوصف الإستراتيجية الواجب اتباعها حالياً في محاربة ومكافحة انتشار الفيروس. 

تسطيح المنحنى: تجنب السيناريو الأسوأ

عند الحديث عن أي كارثةٍ صحية أو انتشارٍ وبائيّ، يتردد مصطلح تسطيح المنحنى بشكلٍ كبير على لسان الخبراء والعاملين في مجال الأمراض والأوبئة والرعاية الصحية بشكلٍ عام. ما يتحدث عنه الخبراء هو ضرورة اتخاذ إجراءات تؤدي لجعل انتشار الفيروس أبطأ.

لنتذكر كيف ينتشر الفيروس: تصاعُد سريع لعدد الإصابات بفضل معدل نمو مرتفع، ما يعني وصول عدد الإصابات لقيمةٍ كبيرةٍ جداً خلال وقتٍ قصير، ومن ثم تبدأ بالتناقص. ما يريده الخبراء هو تجنب هذا الأمر، وبدلاً من تصاعدٍ سريع لعدد الإصابات خلال فترةٍ زمنية قصيرة، فإن الهدف هو إبطاء انتشار الفيروس بما يؤدي لإبطاء معدل نموه وعدم الوصول لعددٍ كبيرٍ جداً من الإصابات خلال أسابيع، بل خلال أشهر. لو قمنا بتمثيل ذلك باستخدام المنحنيات البيانية فإننا سنحصل على منحنيين يمكن توضيحهما بالشكل التالي:

تسطيح المنحنى: بدلاً من حدوث إصاباتٍ كثيرة في وقتٍ قصير، يمكن إبطاء انتشار الفيروس وتخفيض عدد الإصابات عبر إجراءات الوقاية المتاحة.

يمتلك الرسم السابق منحنيين: الأول مظلل باللون الرمادي والآخر مظلل باللون الأحمر، ويعبر كل منهما عن كيفية تزايد عدد الإصابات بالفيروس مع الزمن، وعلاقة ذلك مع قدرة المستشفيات الأعظمية على معالجة الإصابات. بحالة المنحنى الرمادي، فإننا سنلاحظ بسهولة أنه في حالة غياب إجراءات فعالة للحد من انتشار الفيروس وإبطائه فإن عدد الإصابات سيصل لقيمةٍ كبيرةٍ جداً خلال فترةٍ زمنية قصيرة تتجاوز قدرة المستشفيات على المعالجة. وفي بلدٍ مثل الولايات المتحدة الأميركية، فإن أسوأ التوقعات الحالية تتحدث عن احتمالية وصول الإصابات إلى 214 مليون شخص. أما في حالة المنحنى الأحمر (عند اتخاذ إجراءات وقائية فعّالة)، فإن عدد الحالات المصابة سيتزايد بشكلٍ أبطأ كما أنه لن يصل إلى حدٍ لن تكون عنده المستشفيات قادرة على معالجتها.

اعتماداً على الصورة السابقة سنستطيع فهم لماذا يقول الخبراء أنه يجب العمل على “تسطيح” المنحنى: فبدلاً من المنحنى الرمادي ذي القمة المرتفعة، علينا العمل بحيث يتّخذ المنحنى شكلاً آخر ذا قمة مقعرة، وبمعنى آخر: بدلاً من الاستيقاظ فجأة على عدد هائلٍ من الإصابات التي لا نستطيع معالجتها، سيكون من الأفضل لو أن عدد الإصابات يتزايد بما يتناسب مع قدرة المستشفيات والمنظمات الصحية على المعالجة.

أثر تقعر المنحنى على مكافحة فيروس كورونا 

تمتلك المستشفيات والهيئات الصحية قدرة محددة على معالجة المشاكل الصحية واسعة النطاق، وعندما ينتشر فيروس بسرعةٍ كبيرة بين السكان، ستكون الأولوية دوماً للحالات الأكثر خطورة، ولكن إذا كان معدل الإصابات مرتفعاً جداً، فستكون أيضاً نسبة الحالات الخطيرة مرتفعة جداً، وهنا تكمن المشكلة: إذا تجاوز عدد الإصابات الخطيرة التي تتطلب رعاية صحية ضمن المستشفى قدرة المستشفيات على المعالجة فإن نسبة الوفيات سترتفع بشكلٍ كبير. هذا الأمر حدث في الصين نفسها مع التزايد الهائل في عدد الإصابات ضمن مدينة ووهان وعدم استعداد المستشفيات لاستقبال كل هذه الإصابات، حدث حالة من انهيار نظام الرعاية الصحية، أي عدم القدرة على معالجة كل المرضى الذين يحتاجون معالجةً سريعة. هذا الأمر دفع الحكومة في الصين إلى الاستعجال ببناء مستشفيات جديدة مخصصة لمعالجة المصابين بفيروس كورونا في مدينة ووهان. تكرر نفس السيناريو في إيطاليا حيث ارتفع عدد الإصابات بشكلٍ كبير جداً وخلال فترةٍ قياسية، مما جعل المستشفيات غير قادرة على استقبال كل الذين يحتاجون الرعاية الصحية، وهو ما انعكس أخيراً على معدل الوفيات في إيطاليا الذي يعتبر حالياً الأعلى في العالم.

بالمقابل، وعند اتخاذ احتياطاتٍ مسبقة واتباع إجراءات الرعاية الصحية على أفضل نحوٍ ممكن، فإن من الممكن إبطاء انتشار الفيروس ضمن المدن والدول المعنية، وبالتالي تقليل عدد الإصابات التي قد تعاني من آثار خطيرة وبالنتيجة تقليل الضغط على المستشفيات وأنظمة الرعاية الصحية وإعطائها وقتاً أطول لمعالجة كل الحالات التي ستظهر.

من ناحيةٍ أخرى، يجب إدراك أمر هام يتعلق بموضوع تسطيح المنحنى: المعركة ضد فيروس كورونا في الوقت الحاليّ هي معركة وقت، وهذا لا يقتصر فقط على تزويد المستشفيات بالوقت اللازم لاستيعاب ومعالجة كل المرضى، بل أيضاً لكسب الوقت اللازم لتصنيع عقارٍ أو لقاح ضد الفيروس، فحتى الآن لا يوجد أي لقاح أو دواء قابل للاستخدام ضد الفيروس والمؤشرات الحالية تقدر الوقت اللازم لذلك بحوالي 18 شهراً، وذلك في أفضل الاحتمالات. إن إبطاء انتشار الفيروس سيؤدي لاكتساب الباحثين والمعنيين بتطوير اللقاحات والأدوية مزيداً من الوقت من أجل تطوير عقارٍ فعالٍ ضده يمكن أن يتم إنتاجه وتوزيعه ليستخدم بشكلٍ فعال في معالجة المصابين، ومن ثمَّ إيقاف انتشار الفيروس والقضاء عليه.

يقول هاوارد ماركل، الباحث في مجال تاريخ الطب في جامعة ميشيغان حول مفهوم تسطيح المنحنى: “تفشي مرض في مكانٍ ما قد يعني انتشاره في كل مكان. يجب علينا التعاون جميعاً من أجل تجنب ظهور حالات إصابة جديدة في مجتمعاتنا. المرض المنتشر عبر فيروس كورونا المستجد يتفشى عبر الاحتكاك والتواصل الاجتماعيّ، ولذلك تقع علينا جميعاً مسؤولية إيقافه. نحن نشكل مجتمعاً صغيراً سواء تم الإقرار بذلك أو لا، وحان الوقت بالنسبة لنا للتصرف كمجتمعٍ واحد”. يعتبر ماركل من الأخصائيين بمجال انتشار الفيروسات، وذلك بعد عمله وأبحاثه على انتشار فيروس سارس، وكذلك انتشار مرض أنفلونزا الخنازير عبر فيروس H1N1 سنة 2009.  

خلاصة: إبطاء الانتشار بدلاً من إيقافه

بشكلٍ عام، لم يعد من الممكن إيقاف انتشار فيروس كورونا أو حتى منعه، فقد تحول لجائحة عالمية واسعة النطاق. يحاول العلماء والباحثون كسب الوقت اللازم لتطوير لقاحٍ فعال أو حتى دواء يمكن استخدامه ضد الفيروس، وذلك بالتوازي مع عمل هيئات ومؤسسات الرعاية الصحية على الاستعداد على أفضل نحوٍ ممكن.

انتشار الفيروس بشكله الحاليّ يعني الوصول لعددٍ هائل من الإصابات خلال فترةٍ قصيرة، وأسوأ الاحتمالات تقدر إصابة ثلثي سكان الكوكب بالفيروس، ومع معدلات الوفيات الحالية، فإن هذا قد يؤدي لخسارة أرواح مئات الملايين من البشر ضمن الأشهر المقبلة. ولتجنب هذا السيناريو يتم التركيز حالياً على إستراتيجية مكافحة الفيروس عبر إبطاء انتشاره.

لهذه الأسباب فإن الالتزام باتباع القواعد والإجراءات الصحية الرسمية هو أمرٌ ضروريّ بهذا الوقت، بدءاً من الحرص على تنظيف اليدين بشكلٍ متواصل وعدم لمس الوجه والتخفيف من التواصل الاجتماعيّ إن لم يكن ضرورياً، وإلغاء النشاطات التي تتضمن تجمعاتٍ كبيرة. من ناحية أخرى، فإن نشر الوعي المتعلق بالفيروس وسبل الوقاية منه عبر اعتماد المعلومات الصادرة من جهاتٍ موثوقة (مثل منظمة الصحة العالمية والهيئات الحكومية الرسمية) هو أيضاً أمرٌ هام وجوهري؛ قد تساهم المعلومات المزيفة أو الأخبار المضللة بنشر عاداتٍ صحية وتكوين أوهامٍ غير صحيحة حول الفيروس وسبل مكافحته. هذا الأمر برز أيضاً في إيطاليا بسبب الاستخفاف الأوليّ بالفيروس والتعامل معه على أنه مجرّد رشح لا داعي للقلق منه، وكانت النتيجة كارثة صحية.

تحديث في 31 مارس: كنا قد كتبنا سابقاً “تقعير المنحنى” كمرادف لمفهوم flattening the curve وبعد اقتراحات من قرائنا ومناقشات ضمن فريق التحرير، نرى أن التسمية الأدق هي “تسطيح” المنحنى، وعليه تم تعديل المقالة أعلاه.