هل نقلنا الوباء إلى زمن آخر حيث يكون علينا الاختيار بين خيارين: إما التنازل عن حرياتنا وخصوصيتنا وإما الحفاظ على صحتنا وسلامة مجتمعنا؟

2020-04-15 19:06:55

13 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: فرانك بوستش عبر أنسبلاش

لو سألنا أي شخص قبل بضعة أشهر السؤال التالي: هل توافق على وصول الحكومة إلى معلومات موقعك الجغرافي وبياناتك الصحية؟ لحصلنا على إجابة قاطعة وواضحة: لا أبداً.

لكن فيروس كورونا شكل اختباراً جدياً لكل ما كنا نعتقد أنه من المُسلَّمات؛ إذ تخلى ملايين الأشخاص -طواعية- عن حرية التنقل، وتنازلوا مرحِّبين عن حق التجمع، وقاموا بتنصيب تطبيقات على أجهزتهم مدركين أن مهمتها جمع بياناتهم الصحية وتقديمها للحكومة، ولجؤوا إلى استخدام تطبيقات المكالمات المرئية التي ثبت لاحقاً احتواؤها على ثغرات أمنية تهدد الخصوصية.

هل نقلنا الوباء إلى زمن آخر حيث يكون علينا الاختيار بين خيارين: إما التنازل عن حرياتنا وخصوصيتنا وإما الحفاظ على صحتنا وسلامة مجتمعنا؟ هل يمكننا مواجهة الوباء والحفاظ على خصوصيتنا في آن واحد؟ هل يمكن بناء أدوات لتتبع الاحتكاك بين الأشخاص مع الحفاظ التام على خصوصيتهم؟

المقايضة الصعبة: تكنولوجيا تقوِّض الخصوصية وتُنقذ الأرواح

خلال أسابيع قليلة، تحولت أكثر التقنيات إثارة للجدل من حيث انتهاكها للخصوصية إلى أفضل أدوات السيطرة على الوباء؛ فرأينا استخدام الذكاء الاصطناعي وتحديداً تكنولوجيا التعرف على الوجوه إلى جانب قواعد البيانات الحيوية لقياس درجة حرارة الأشخاص وتحديد المصابين بالحمى، وشهدنا استخدام بيانات الموقع الجغرافي لمراقبة مدى التزام الناس بإجراءات الحجر الصحي، ومنذ أيام فقط اجتمع عمالقة التكنولوجيا آبل وجوجل لتطوير تكنولوجيا تتبع الاحتكاك من أجل مراقبة اختلاط الناس مع المصابين والحد من انتشار العدوى، مما يعني تهديد خصوصية أكثر من 3 مليار مستخدم حول العالم.

لا شك في أن الوباء قد جعلنا أقل تشدداً حيال مسألة الخصوصية؛ حيث أصبحنا أكثر استساغة لفكرة الكشف عن مواقعنا وبياناتنا الصحية. وعلى وجه الخصوص بعد أن استطاعت أدوات التتبع والإعلام المبكر عن الإصابة إثبات فعاليتها في العديد من الدول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا؛ حيث مكنتها هذه الأدوات من فرض العزل على الأشخاص المصابين وإخطار المصابين المحتملين بضرورة الحجر الصحي الذاتي لتجنب نقل العدوى إلى غيرهم. وهكذا استطاعت السلطات الصحية تحديد أولويات تخصيص الموارد مثل أجهزة التنفس الصناعي وأقنعة الوجه ومجموعات الاختبار بالشكل الأمثل، وبالتالي تسطيح منحنى الإصابات وإبقائها ضمن حدود القدرة الاستيعابية للنظام الصحي. وكل ما سبق من شأنه أن يسرّع من تخفيف قيود السفر والإغلاق الشامل وإعادة اكتساب حرية التنقل وحق التجمع.

لقد فرض علينا فيروس كورونا إجراء مقايضة معقدة بين حماية الخصوصية والحفاظ على الصحة العامة. وعلى الرغم من أن فقدان بعض الخصوصية لتسريع جهود مواجهة الوباء يبدو الخيارَ السليم على المدى القريب، إلا أن خبراء الخصوصية يحذرون من التبعات السلبية لهذا الخيار على المدى الأبعد؛ فقد أثبت التاريخ أن إجراءات السلطة في مواجهة أزمة ما، قلما تزول بزوال الأزمة. لذا يدعو الخبراء إلى توخي الحذر وفرض مجموعة من الشروط عند جمع بيانات الأشخاص لمواجهة الوباء.

يجب أن لا نضطر للاختيار بين الخصوصية والصحة، فما الحل؟

يقول الخبراء إن من الممكن تطبيق نهج يعتمد على البيانات في مواجهة الوباء مع الحفاظ في نفس الوقت على خصوصية الأفراد وحرياتهم، إذا ما تم تطبيق شفافية كاملة حول استخدام هذه البيانات ورقابة على السلطات، وهذا يتحقق عبر مجموعة من الخطوات:

  • يجب أن تخضع بيانات الناس لسلطة وكالات الصحة وليس أي جهة حكومية أو أمنية أخرى. وتتولى هذه الوكالات تحديد البيانات المفيدة التي يجب جمعها.
  • يجب أن تكون الغاية من جمع أي نوع من البيانات مبررة، وتوضيح الغرض من جمعها والمشاريع التي ستستخدمها.
  • يجب أن يتم الاحتفاظ بالبيانات لفترة محددة ومعروفة. فالوباء سينتهي في نهاية المطاف، وعندما يحدث ذلك، تنتفي الحاجة إلى جزء كبير من المعلومات مثل بيانات الموقع الجغرافي.
  • يجب تصنيف البيانات المتعلقة بمواجهة فيروس كورونا على أنها بيانات وطنية، وبالتالي فرض قيود صارمة تمنع مشاركتها أو بيعها إلى أي شركات أو سلطات أمنية أو دول أخرى.

    مثال عن شفافية جمع البيانات والحفاظ على الخصوصية.

  • يجب ضمان حماية هذه البيانات بطريقة موثوقة وآمنة.
  • يجب استخدام تكنولوجيا تحسين الخصوصية (PET) التي تسمح بجمع البيانات وتحليلها من دون كشف هوية الأشخاص. وتتضمن هذه التكنولوجيا أساليب مثل إزالة الهوية وتعتيم البيانات والخصوصية التفاضلية، التي تضمن عدم إمكانية استخدام الهندسة العكسية للتعرف على هويات الأشخاص في مجموعة من البيانات.
  • يجب تحديث قوانين حماية الخصوصية حتى تتمكن من التعامل مع الظروف المماثلة بطريقة تحمي خصوصية الأفراد، وتسمح في الوقت نفسه بالاستفادة من البيانات في مواجهة الأزمات.

وفي حال تطبيق الخطوات السابقة، فسوف يتشجع المزيد من الأشخاص على مشاركة بياناتهم وهم مطمئنون من عدم انتهاك خصوصيتهم وعدم استخدامها لاحقاً في حملات استهداف إعلانية أو إساءة.