Article image
تخيل فني لطائرة ستارلاينر في المدار.
مصدر الصورة: بوينغ/ ناسا



بعد الرحلة التجريبية الفاشلة في ديسمبر من عام 2019، قررت بوينغ أن تضع طموحاتها في الطيران الفضائي التجاري على المحك في بعثة جديدة.

2021-08-04 20:31:21

04 أغسطس 2021

كان من المفترض أن يتحول يوم 20 ديسمبر لعام 2019 إلى لحظة فارقة في برنامج الفضاء الأميركي وصناعة الفضاء الأميركية، وخصوصاً بالنسبة لبوينغ.

فقد كانت بوينغ شريكاً لناسا منذ تأسيس الوكالة في 1958، وقد قامت الشركة والشركات الفرعية التابعة لها ببناء الكبسولات التي أخذت رواد الفضاء في بعثة أبولو إلى القمر، كما قامت لاحقاً ببناء المكوك الفضائي، وتساعد حالياً على تشغيل محطة الفضاء الدولية. في ذلك اليوم، كانت بوينغ ستطلق مركبتها الفضائية الجديدة CST-100 ستارلاينر إلى محطة الفضاء الدولية في رحلة تجريبية غير مأهولة. وبالإضافة إلى كرو دراجون من سبيس إكس، كانت ستارلاينر ستصبح الخيار المفضل لناسا لنقل رواد الفضاء من وإلى مدار الأرض. 

غير أن هذا لم يحدث؛ فقد وصلت ستارلاينر إلى الفضاء، ولكن خطأ برمجياً قضى على فرصة المركبة الفضائية في الوصول فعلياً إلى محطة الفضاء الدولية. وعلى الرغم من أنها عادت سليمة إلى الأرض بعد يومين، فقد كان من الواضح أنها لم تكن جاهزة للبعثات المأهولة.

والآن، قررت بوينغ أن تكرر هذه البعثة بكل ما تحمله من مخاطر واحتمالات مختلفة. وفي 3 أغسطس، ستنطلق ستارلاينر إلى محطة الفضاء الدولية في إطار الرحلة الاختبارية المدارية 2 (OFT-2 اختصاراً). ولن تستطيع الشركة احتمال إخفاق آخر.

يقول جريج أوتري، وهو خبير في السياسات الفضائية في جامعة أريزونا الحكومية: “هذه الرحلة ستضع مصداقية الشركة على المحك؛ فلا شيء أكثر وضوحاً للجميع من نظام فضائي مصمم للتحليق بالبشر”.

وقد كان عصر يوم 30 يوليو بمنزلة تذكير قاسٍ بهذا الوضوح؛ فبعد أن التحمت وحدة ناوكا الروسية متعددة الأغراض -والتي يبلغ وزنها 23 طناً- مع محطة الفضاء الدولية، بدأت بإطلاق نفاثاتها بشكل غير متوقع ودون أي تحكم، ما أدى إلى إزاحة محطة الفضاء الدولية من مكانها المناسب والطبيعي في المدار. تمكنت ناسا وروسيا من إصلاح المشكلة وإعادة كل شيء إلى الوضع المستقر الطبيعي في أقل من ساعة، ولكننا ما زلنا لا ندري ما حدث بالضبط، كما أنه من المرعب التفكير فيما كان من الممكن أن يحدث في ظروف أسوأ من هذه. ما زالت الحادثة بأسرها قيد التحقيق، وقد أرغمت ناسا على تأجيل إطلاق ستارلاينر من 31 يوليو إلى 3 أغسطس. 

وتعد هذه الحادثة، التي كادت أن تتحول إلى كارثة، مثالاً نموذجياً عن الأوضاع التي ترغب بوينغ في تفاديها، سواء بالنسبة لبعثة OFT-2 أو أي بعثات مقبلة مأهولة.

كيف وصلت ستارلاينر إلى هنا

بعد إنهاء برنامج المكوك الفضائي في 2011، قررت ناسا أن تعيد النظر إلى طريقة عملها. فبدلاً من بناء مركبة فضائية جديدة مصممة للسفر إلى المدار الأرضي الأدنى، قررت الوكالة أن تفتح الفرص أمام القطاع الخاص في إطار برنامج الطاقم التجاري الجديد. وقدمت عقوداً لشركتي بوينغ وسبيس إكس لبناء مركباتها المأهولة الخاصة بها: ستارلاينر وكرو دراجون، على الترتيب. ستشتري ناسا الرحلات على متن هاتين المركبتين، وتركز جهودها الخاصة على بناء تكنولوجيات جديدة للبعثات إلى القمر والمريخ وأماكن أخرى.

تعرضت كلتا الشركتين إلى تأخيرات في عملية التطوير، ولتسع سنوات متواصلة، كانت وسيلة ناسا الوحيدة للوصول إلى الفضاء تتلخص بدفع الملايين من الدولارات إلى روسيا لقاء مقاعد على بعثات سويوز. ولكن سبيس إكس تمكنت أخيراً من إرسال رواد فضاء إلى الفضاء في مايو من العام 2020 (وأتبعت ذلك الإنجاز ببعثتين مأهولتين أخريين منذ ذلك الحين)، ولكن بوينغ ما زالت متأخرة عنها. وقد كان من المخطط أن تكون رحلة ديسمبر من العام 2019 إثباتاً لعمل كافة الأنظمة، وعرضاً لقدرة المركبة على الالتحام مع محطة الفضاء الدولية والعودة إلى الأرض بأمان. غير أن خللاً فنياً في الساعة الداخلية للمركبة تسبب في إطلاق عملية نفث حساسة قبل وقتها، ما جعل الالتحام مع محطة الفضاء الدولية مستحيلاً.

وقد كشفت التحقيقات اللاحقة أن خللاً فنياً آخر كان سيتسبب في إطلاق نفاثات ستارلاينر في اللحظة الخاطئة عند عودتها إلى الأرض، ما كان سيؤدي إلى تدمير المركبة الفضائية. وقد تم إصلاح ذلك الخطأ قبل ساعات وحسب من عودة ستارلاينر إلى الأرض. وعلى الرغم من أن المشاكل البرمجية ليست بالأشياء المستغربة أثناء تطوير المراكب الفضائية، فقد كان بوسع بوينغ أن تحلها قبل الرحلة بالتحكم بجودة عملها بشكل أفضل، أو بإشراف أفضل من ناسا.

أُتيحت أمام بوينغ فرصة 21 شهراً لإصلاح هذه المشاكل. ولم تطالب ناسا أبداً برحلة اختبارية ثانية لستارلاينر، بل قررت بوينغ ذاتياً أن تعيدها، كما قررت تحمل التكاليف البالغة 410 مليون دولار بنفسها.

يقول أوتري: “أنا واثق من أن هذا الاختبار سيجري بشكل مثالي؛ فهذه المشاكل تتعلق بأنظمة برمجية، ويمكن حلها بسهولة”.

على المحك

إذا وقعت مشاكل، فإن العواقب ستتعلق بشكل أساسي بطبيعة هذه المشاكل. فإذا تعرضت المركبة الفضائية إلى مجموعة أخرى من المشاكل البرمجية، فسوف يكون الثمن باهظاً، وقد يؤدي هذا إلى إحداث ضرر فادح بالعلاقة بين بوينغ وناسا. أما إذا حدث خلل كارثي لسبب آخر، فسوف يكون أمراً سيئاً دون شك، غير أن الفضاء مكان خطير، وحتى المشاكل الصغيرة التي يصعب التنبؤ بها والاستعداد لها يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة. ولهذا، فإن مجال التسامح مع هذه المشاكل سيكون أكبر.

يقول روجر هاندلبيرج، وهو خبير في السياسات الفضائية في جامعة سنترال فلوريدا، إن ناسا ستستمر في العمل مع بوينغ حتى في حال فشل الاختبار الجديد، ولكن إعادته “قد تحتاج إلى سنتين”. ويضيف: “من المرجح أن تركز ناسا على سبيس إكس لمزيد من الرحلات، ما يؤدي إلى مزيد من التراجع لبوينغ”.

غير أن حاجة بوينغ لتحقيق النجاح في OFT-2 تتجاوز مجرد تحقيق شروط العقد مع ناسا. فلم تقم سبيس إكس أو بوينغ ببناء مركبات فضائية جديدة فقط لبعثات محطة الفضاء الدولية، فلدى كل منهما أهداف أكبر. يقول أوتري: “هناك طلب حقيقي على الوصول إلى الفضاء من قبل الأفراد ذوي القيمة المالية المرتفعة، وقد بدأ هذا التوجه يظهر منذ بدايات العقد المنصرم عندما حلق عدة أفراد منهم في سويوز الروسية. كما توجد أرباح كامنة كبيرة للغاية في التحليق بالطواقم الفضائية الحكومية التابعة لبلدان ليست جاهزة بعد لبناء مركباتها الخاصة”.

ستمثل سبيس إكس منافسة شرسة للغاية؛ فهي تحلق ببعثات خاصة بنفسها، وبفضل أكسيوم سبيس، قدمت حجوزات تمتد لعدة سنوات لاحقة. ومن المؤكد أن هذه الحجوزات لن تتوقف، خصوصاً أن أكسيوم وسييرا نيفادا وغيرهما من الشركات تخطط لبناء محطات فضائية خاصة للعملاء المستعدين للدفع.

تكمن مشكلة بوينغ الأساسية في التكلفة؛ حيث تدفع ناسا لهذه الشركة 90 مليون دولار لكل مقعد للتحليق برواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، مقابل 55 مليون دولار لكل مقعد من سبيس إكس. يقول هاندلبيرج: “تستطيع ناسا تحمل هذه التكاليف لأنها لم تعد راغبة في الاعتماد على نظام تحليق واحد بعد أن تعرضت لمشاكل في المكوك الفضائي، فإذا تعطل هذا النظام، سيتوقف كل شيء”. غير أن المواطنين العاديين والبلدان الأخرى قد يكونون أكثر ميلاً إلى الخيار الأرخص، والأكثر خبرة أيضاً.

لا شك في أن بوينغ تحتاج في هذه الأيام إلى تحسين صورتها؛ فهي تعمل على بناء المعزز الصاروخي الأساسي لنظام الإقلاع الفضائي الذي وصلت قيمته حتى الآن -ولم تتوقف عن الازدياد- إلى 20 مليار دولار، والذي سيكون أقوى صاروخ في العالم. غير أن التكاليف المرتفعة والتأخيرات الكبيرة للغاية حولت هذا المشروع إلى نقطة جذب للانتقادات الحادة.

في هذه الأثناء، ظهرت بدائل أخرى، مثل فالكون هيفي وسوبر هيفي من سبيس إكس، ونيو جلين من بلو أوريجين، وفولكان سينتور من يونايتد لونش ألايانس، ومن المقرر أن تبدأ بالعمل خلال السنوات القليلة المقبلة. كما أن المفتش العام في ناسا قام في 2019 بالتحقيق في مزاعم بوجود عمليات احتيال في عقود بوينغ بقيمة 661 مليون دولار. إضافة إلى أن هذه الشركة هي أحد الأطراف الأساسية في تحقيق جنائي حول عرض سابق للحصول على عقد لبناء مركبة هبوط قمرية.

وإذا كانت هناك من لحظة ترغب فيها بوينغ، أكثر من ذي قبل، بتذكير الناس بقدراتها وفائدتها لبرنامج الفضاء الأميركي، فهي هذه البعثة.

يقول هاندلبيرج: “إذا تعرضت بوينغ لإخفاق آخر، فسوف تتخلف عن سبيس إكس لدرجة قد تضطر فيها لإحداث تغييرات كبيرة في أسلوب عملها. إنها لحظة حاسمة بالنسبة لبوينغ”.