Article image
إطلاق مركبة كرو دراجون من سبيس إكس في بعثة ديمو-2.
مصدر الصورة: سبيس إكس



من المفترض أن تفتح كرو دراجون عصراً جديداً من الرحلات الفضائية، لكن هل هناك بالفعل زبائن يرغبون في الذهاب إلى المدار؟

2020-06-06 13:54:17

05 يونيو 2020

حققت سبيس إكس إنجازاً تاريخياً في نهاية الأسبوع الماضي بإطلاقها بعثة ديمو-2؛ حيث أصبحت مركبة كرو دراجون التابعة للشركة أولَ مركبة فضائية خاصة تنقل البشر إلى المدار، مما يمثل إنجازاً كبيراً لناسا ولصناعة الفضاء الأميركية وللشركة نفسها. وبعد إطلاق البعثة، قال مدير ناسا جيم برايدنستاين للصحفيين إن المهمة ساعدت على إثبات نجاح نموذج أعمال جديد، حيث تعد ناسا واحدة من العديد من العملاء الذين يتجهون نحو الصناعة الخاصة لتلبية احتياجات السفر إلى المدار الأرضي الأدنى.

وقد قالت الكثير من وسائل الإعلام إن سبيس إكس قد أطلقت للتو “عصراً جديداً” من رحلات الفضاء؛ حيث يتم إتاحة المدار الأرضي الأدنى لرحلات الفضاء التجارية، كما يمكن للمركبات الخاصة الآن نقل الناس من وإلى الفضاء. وقال برايدنستاين: “لا ترغب وكالة ناسا في أن تكون مالكة ومشغلة المعدات والتجهيزات. كما أننا لا نريد أن نكون العميل الوحيد، وإنما نريد أن تحصل سبيس إكس وغيرها على عملاء آخرين غيرنا”.

ولكن في حين أن سبيس إكس قد أصبحت خياراً موثوقاً لإرسال الأشخاص إلى المدار (ستصبح بوينج خياراً آخر أيضاً بمجرد أن تبرهن على قدرة مركبتها ستارلاينر على نقل الرواد إلى الفضاء)، فإنه من السابق لأوانه القول بأن هناك سوقًا مجدية من العملاء الذين يرغبون في استخدام هذا الخيار. يقول جون لوجسدون، خبير سياسة الفضاء في جامعة جورج واشنطن: “أعتقد أن هذا الإطلاق وكرو دراجون يحملان قيمة رمزية أكثر منها قيمة فعلية من حيث فتح المدار للسفر الخاص واسع النطاق”.

ولفهم هذا الأمر بشكل أفضل، يجب علينا إعادة النظر في كيفية تطوير سبيس إكس لصاروخها الأساسي الأشهر فالكون 9 بالإضافة إلى دراجون، وهي مركبة تسليم الحمولة وسلف كرو دراجون. ففي عام 2008، منحت وكالة ناسا عقوداً بقيمة مليار دولار إلى سبيس إكس وأوربيتال سينسيس (Orbital Sciences) -التي استحوذت عليها شركة نورثروب جرومان (Northrop Grumman) لاحقاً- لتطوير مركبات الإطلاق التجارية من أجل بعثات الإمدادات إلى محطة الفضاء الدولية. لم يكن جزءاً من أهداف وكالة ناسا مجرد العثور على بديل لإيصال الإمدادات عن مكوك الفضاء الذي سيخرج قريباً من الخدمة، وإنما أيضاً المساعدة في تقوية صناعة الفضاء الخاصة الناشئة.

بالنسبة لسبيس إكس، كانت تلك فرصة العمر؛ إذ أصبحت الشركة خدمة موثوقة لمهمات إعادة تزويد محطة الفضاء الدولية بالإمدادات. والأهم من ذلك، “كان هناك سوق يترقب بالفعل وصول هذه القدرات”، كما يقول كاسي دراير، كبير مستشاري سياسة الفضاء في جمعية الكواكب (Planetary Society). سوف يقتحم فالكون 9 سوق الإطلاق العالمي باعتباره بديلاً أرخص بفضل إمكانية إعادة استخدامه، ليصبح الخيار الأفضل لإطلاق الأقمار الصناعية التجارية بالإضافة إلى عقود وزارة الدفاع الأميركية التي كانت حكراً على الشركة المنافسة يونايتد لانش أليانس (United Launch Alliance). وعلى الرغم من أن مركبة دراجون قد تم استخدامها فقط في البعثات إلى محطة الفضاء الدولية، إلا إن إمكانية إعادة استخدامها قد ساعدت على خفض التكاليف الإضافية. وفي المستقبل، ستساعد هذه الإمكانية شركة سبيس إكس في الحصول على معلومات أفضل حول كيفية تطوير مركبة كرو دراجون.

يختلف الوضع بالنسبة للرحلات الفضائية المأهولة الخاصة؛ فوفقاً لدراير، “تعتبر هذه الطريقة أقرب إلى فيلم ’حقل من الأحلام’[المشهور بمقولة: إذا بنيت المشروع، سيأتي الزبائن والمستثمرون]”؛ حيث تنطوي على بناء القدرات أولاً (كرو دراجون وستارلاينر)، ثم نأمل أن يظهر السوق (العملاء من خارج وكالة ناسا). لكن حتى الآن، ليس لدى سبيس إكس إلا بعثتان فقط مخصصتان لكرو دراجون وليستا لصالح وكالة ناسا (واحدة لصالح أكسيوم سبيس التي سترسل رائد فضاء مدرباً بشكل خاص وثلاثة سائحين إلى محطة الفضاء الدولية، والأخرى لصالح سبيس أدفينتشرز لإرسال أربعة سياح في رحلة لمدة ثلاثة إلى خمسة أيام في المدار). بينما ليس هناك أي زبائن لشركة بوينج حتى الآن.

لا تزال الرحلات الفضائية المأهولة مكلفةً للغاية، بغض النظر عن حجم المعدات القابلة لإعادة الاستخدام. هناك حاجة إلى أنظمة موثوقة لدعم الحياة؛ فمع بلوغ تكلفة كل مقعد رحلة على متن كرو دراجون حوالي 55 مليون دولار، فإن السياحة الفضائية إلى المدار الأرضي الأدنى لا تبدو مصدراً مستداماً للإيرادات؛ إذ لا يوجد عدد كافٍ من الأثرياء الذين يمتلكون هذا القدر من الأموال لينفقوها على رحلة كهذه. وتركز كل من فيرجن جالاكتيك (Virgin Galactic) وبلو أوريجين (Blue Origin) -اللتان جعلتا السياحة الفضائية جزءاً كاملاً أو رئيسياً من أعمالهما- حتى الآن حصراً على الرحلات دون المدارية التي تستغرق بضع دقائق وتكلِّف أقل بكثير.

يشير لوجسدون أيضاً إلى أن التحضير وحده لإطلاق بعثة ديمو-2 كان مكثفاً للغاية (فقد كانت الطائرات في وضع الانتظار في جميع أنحاء العالم، وتم إبعاد السفن في الماء عن مسار الإطلاق، بالإضافة إلى استعدادات ضخمة في مركز كينيدي الفضائي). وكانت تلك البعثة مدعومةً من الحكومة؛ في حين أن أي بعثة خاصة لن تتمتع بالضرورة بنفس القدر من الحرية والاستعدادات. ويضيف لوجسدون: “إذا كانت هذه هي الطريقة التي يجب أن تتم بها عمليات الإطلاق لهذا النظام بعينه، فلا يبدو لي أنها مجدية وقابلة للتطبيق كأسلوب متكرر للوصول إلى المدار”.

وحتى لو كانت التكاليف والمخاطر أكثر استساغة، فسيظل من غير الواضح ما إذا كانت الرحلات الفضائية المأهولة ستؤدي إلى أنشطة ذات قيمة اقتصادية مجدية. وقد دأبت الشركات على التفكير والمناقشات المطولة حول فكرة استخدام الجاذبية الصغرى لمدار الأرض من أجل تسريع تصنيع الكتل الكبيرة أو المواد الخطرة، أو تطوير أدوية جديدة يمكن أن تعالج الأمراض التي تصيب الأشخاص على الأرض بشكل أفضل (نظراً لأن الهياكل البلورية تنمو بشكل مختلف في الفضاء). لكن لا تزال هذه الأفكار ضبابية تماماً، وليس من الواضح حتى ما إذا كنا في حاجة لإرسال البشر إلى الفضاء بهدف تحويلها إلى حقيقة واقعة.

يقول دراير: “قد يكون هناك أمر لم نفكر فيه بعد، لكننا خضنا هذه المناقشات منذ سبعينيات القرن الماضي، ومجرد حقيقة أن الجواب ما زال غير واضح تحمل في طياتها جواباً بشكل ما”.

كلّ ما سبق يترك سوقاً رئيسية أخرى للرحلات الفضائية التجارية المأهولة، ألا وهو سوق رواد الفضاء الوطنيين الأجانب. يقول لوجسدون: “البلدان الأخرى هي من بين العملاء المحتملين الذين لديهم ما يكفي من المال للدفع مقابل ذلك”. وحتى لو كانت الرحلة على متن مركبة فضائية خاصة، فلا يزال هناك قدر كبير من الفخر الوطني المرتبط بالذهاب إلى الفضاء.

ويعتقد جريج أوتري، خبير سياسة الفضاء في جامعة جنوب كاليفورنيا، أن حجم هذه السوق ضخم بالنظر إلى أن سبيس إكس يمكنها تقديم أسعار تذاكر بأقل من 100 مليون دولار لكل مقعد. ولعل أبرز العملاء المحتملين هم حلفاء أميركا الذين صعدوا إلى محطة الفضاء الدولية في الماضي (سيصعد رائد فضاء ياباني إلى محطة الفضاء الدولية على متن كرو دراجون في أغسطس). ويقول أوتري: “أعتقد أننا سنشهد أيضاً اندفاع الكثير من البلدان في العالم النامي للمشاركة”.

فالعديد من الدول، بما فيها تشيلي والمملكة العربية السعودية، تمتلك بالفعل وكالات فضائية أو رواد فضاء مدربين يمكنهم القيام بهذه الرحلات، لكن ليس لديهم مركبة فضائية لإرسالهم إلى الفضاء. وقد تمثل هذه الرحلات وسيلة لتطوير الخبرة اللازمة لبناء قدراتها في مجال الفضاء، وتعليم علمائها ومهندسيها كيفية النجاح في إطلاق رحلات فضائية مأهولة في المستقبل، كما تفعل الإمارات العربية المتحدة مع بعثتها هوب مارس Hope Mars Mission.

لن تتمكن سبيس إكس من إرسال أي شخص -لا على التعيين- إلى الفضاء؛ حيث يتطلب استخدام أي أجنبي لنظام صاروخي أميركي موافقة وزارة الخارجية. ويقول أوتري: “لن ترى أي شخص من إيران أو الصين في هذه الرحلات، هذا لن يحدث”.

لا تمثل سبيس إكس وبوينج اللاعبين الوحيدين اللذين ينبغي ترقّب نشاطَهما؛ حيث ستتمكن بلو أوريجين في نهاية المطاف من إرسال البشر إلى المدار، وكذلك شركة سييرا نيفادا (Sierra Nevada). لكن لوجسدون يقول إنه “أمر مشكوك فيه” ما إذا كانت سبيس إكس أو أي شركة أخرى تستطيع تقديم رحلة مدارية للبشر بسعر يحقق بالفعل ربحاً. صحيحٌ أنه قد تم بناء المركبات، ولكن لا يزال ينبغي انتظار ظهور السوق لاستخدامها.