تلعب الاختلافات بين الدول وأنظمة الرعاية الصحية وتوافر الأدوية واللقاحات دوراً كبيراً في تحديد نسبة الوفيات الناتجة عن فيروس كورونا.

2020-07-18 17:18:42

18 يوليو 2020
Article image
مصدر الصورة: فلاديمير فيدوتوف عبر أنسبلاش

بعد أكثر من ستة أشهر على بدء جائحة فيروس كورونا المستجد، وصل عدد الإصابات إلى أكثر من 12 مليون شخص حول العالم، مع وفاة قرابة 560 ألف شخص كنتيجةٍ للمضاعفات الصحية الناتجة عنه، ولا تزال الصورة رمادية وغير واضحة المعالم عندما يتعلق الأمر بإمكانية السيطرة على تفشي الفيروس مع ظهور بقع انتشار جديدة في العديد من البلدان والأماكن حول العالم.

بالرّغم من ذلك فإن هنالك بعض الأمور الإيجابية؛ حيث تزايدت المعارف العلمية بكيفية الحد من انتشار الفيروس والسبل المثلى الواجب اتباعها للحد من قدرته على الانتقال بين البشر، كما أن هنالك عدة أدوية قد تمت المصادقة عليها للاستخدام كوسيلةٍ ناجحة من أجل المساهمة في سبل العلاج وتخفيف احتمالية تطور إصابة الشخص إلى وفاته. علاوة على ذلك، تجري التجارب السريرية المتعلقة بإيجاد لقاحٍ فعال ضد الفيروس في العديد من البلدان على قدمٍ وساق، ويبدو أن اللقاح قد يصبح متوافراً بنهاية هذا العام أو في النصف الأول من العام المقبل.

إلا أن جانباً واحداً لا يزال مبهماً وغير واضح المعالم: ما مدى خطورة الفيروس وقدرته على التسبب في الوفاة عند انتشاره ضمن شريحةٍ سكانية؟ يمتلك هذا الأمر أهميةً بالغة، فهو يُسهم في تزويد الدول والحكومات بمعرفةٍ ضرورية من أجل بناء الخطط المستقبلية المتعلقة بالخطوات الواجب اتباعها لضمان صحة الأفراد، وكما سنرى، فإنه -وعلى الرّغم من الدراسات الكثيرة التي أُجريَت- لا يزال من الصعب تحديد عدد ونوعية الأشخاص الذين سيتعرضون للوفاة جراء الإصابة بفيروس كورونا.

معدل الوفيات بالنسبة للحالات المسجلة

يستخدم العلماء في مجال الأوبئة عدداً من العوامل لوصف الأمراض الوبائية، ويتم حساب معظم هذه العوامل بشكلٍ بسيط استناداً إلى مبادئ علم الإحصاء في الرياضيات، وعلى وجه الخصوص، يتم استخدام المتوسط الحسابي كأداةٍ لحساب الكثير من الجوانب المتعلقة بالمرض: يصف عامل التكاثر الأساسي (R0) عدد الأشخاص الجدد الذين سيتعرضون للإصابة بالفيروس، كما أن منحنيات النمو الإحصائية تعطينا وسيلة فعالة لنمذجة انتشار الفيروس بين السكان اعتماداً على عوامل حسابية مثل معدل التكاثر الفعال، كما يمكن محاكاة انتشار الفيروس ضمن المجتمع استناداً إلى نموذج رياضي يدعى نموذج إس آي آر (SIR).

بالنسبة للوفيات، وبشكلٍ مشابهٍ لأي جانبٍ آخر مرتبط بانتشار الفيروس، يتم استخدام عاملٍ يدعى معدل الوفيات نتيجة للحالات المُسجلة (CFR: Case Fatality Rate)، الذي يشير إلى عدد الأشخاص الذين ماتوا كنتيجةٍ للإصابة بالفيروس مقسوماً على عدد الإصابات الكلية المسجلة.

بهذه الصورة، وعند استخدام معدل الوفيات نتيجة الإصابة كأداة لمعرفة مدى خطورة الفيروس ضمن شريحة سكانية، سنتمكن بسرعة من ملاحظة أمرٍ هام: هنالك تباين في نسب الوفيات المسجلة رسمياً بين العديد من الدول. في إيطاليا كمثال، وصلت نسبة الوفيات حتى حدود 14%، في حين أنها تبلغ حوالي 4.7% في بلدٍ قريبٍ منها مثل ألمانيا، كما أنها تنخفض بشكلٍ كبير في بلدٍ مثل آيسلندا لتبلغ 0.5%. وهذا كله يختلف بشكلٍ كبير مع المعدل العالمي الحالي/ الذي يبلغ حوالي 4.4% (بحسب البيانات المتوافرة على موقع وورلد ميتر). من المهم هنا الإشارة إلى أمرٍ هام يتعلق بمعدل الوفيات، وهو: تغير معدل الوفيات بحسب حالة انتشار الفيروس، كما أنه يختلف على نحوٍ كبير بحسب الفئات العمرية، ولذلك من المهم التفكير دوماً في أن معدل الوفيات ليس رقماً ثابتاً، بل هو مرهون بالظروف الزمنية التي يتم عندها حسابه.

التباين في معدل الوفيات: عوامل اجتماعية وصحية

لا يمكن الاعتماد على معدل الوفيات من البلدان المختلفة لمعرفة مدى خطورة الفيروس؛ لأن طريقة إدارة الجائحة تباينت بشكلٍ مختلف وكبير حول العالم، وبالتالي فإن معدل الوفيات في كل بلد يكشف معلومات حول البلد نفسه أكثر ما يكشف حول خطورة الفيروس.

عملت بعض البلدان على التصدي لانتشار الفيروس وبحزم منذ بداية انتشاره، وذلك سواءً على صعيد الشدة في تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي بهدف تسطيح منحني الانتشار، أو على صعيد تعزيز نظام الرعاية الصحية ليكون قادراً على استقبال أكبر عددٍ ممكن من الحالات ومعالجتها أو حتى على صعيد إجراء أكبر عددٍ ممكن من اختبارات الكشف عن المصابين بهدف تتبع سلسلة الإصابة وعزل الحالات الجديدة خلال أسرع وقتٍ ممكن. بالمقابل، تأخرت بعض البلدان في تطبيق إجراءات التصدي للفيروس، ما أدى إلى انتشارٍ كبيرٍ ومفاجئ وغير قابل للتحكم فيه، وهو ما انعكس أخيراً على عجز نظام الرعاية الصحية على معالجة كل الحالات واستقبال كل المرضى الذين طوروا مضاعفات خطيرة، وقد تكون إيطاليا هي أشهر مثال على ذلك. أخيراً، حاولت بعض الدول اللجوء إلى إستراتيجيات مختلفة في كيفية التصدي للفيروس عبر تركه ينتشر بين الأفراد بهدف الوصول السريع للمناعة الجماعية، وطبقت بريطانيا هذه السياسية في البداية قبل أن تتراجع عنها وتتجه لإجراء اختبارات الكشف على نحوٍ كبيرٍ جداً مع تطبيقٍ صارم لقواعد التباعد الاجتماعي، أو السويد التي تركت للمواطنين حرية الالتزام بارتداء الأقنعة الواقية وتطبيق التباعد الاجتماعي. 

في نفس السياق، فإن معدل الوفيات مرتبط أيضاً بمعدل الاختبارات؛ كلما ازداد عدد الإصابات المسجلة كلما ارتفعت نسبة عدد الوفيات المرتبطة بالفيروس، وهكذا فإن معرفة معدل الوفيات يرتبط معرفة معدل الاختبارات التي تم تنفيذها نسبةً لعدد السكان. يُضاف إلى ما سبق التوزع العمري للسكان والحالة الصحية العامة للمجتمع وسلوك الأفراد أنفسهم؛ في بلدٍ مثل إيطاليا حيث تكثر نسبة المسنين سيكون من السهل توقع ارتفاع عدد الوفيات، كما أن انتشار أمراض القلب والسكري والأمراض التنفسية بين السكان سيعزز احتمالية ارتفاع نسب الوفاة. على الصعيد الصحيّ أيضاً، أشارت العديد من الدراسات إلى ترابطٍ بين ارتفاع معدل الوفيات والجنس، فهو أكثر بالنسبة للرجال مقياساً بالنساء، كما كشفت دراسات أخرى عن ترابط بين معدل الوفيات وفصائل الدم؛ إذ يبدو أن الأشخاص الذين يمتلكون فصيلة دم ألف (A) أكثر عرضة لتطوير أعراضٍ خطيرة تصل لحد الوفاة مقياساً بالأشخاص المنتمين للزمر الدموية الأخرى، ولا يزال العمل جارياً للكشف عن عوامل جينية أخرى تربط بين الإصابة بالفيروس وتطوير الفرد لمضاعفاتٍ صحية خطيرة.

معدل الوفيات نتيجة الإصابة: طريقة أدق لمعرفة مدى خطورة الفيروس

لو عدنا لمعدل الوفيات الحاليّ كنسبةٍ مئوية لعدد الأشخاص الذين توفوا نتيجة فيروس كورونا نسبةً لعدد الإصابات المسجلة، لوجدنا أن الرقم هو 4.4%، وهذا الأمر يجعل من فيروس كورونا ذا درجة عالية من الخطورة، وفي سيناريو افتراضي حيث سيصاب كل سكان الكوكب بالفيروس، فإن 4.4% تعني وفاة 334 مليون شخص حول العالم بالفيروس، وهو رقمٌ مهول وسيكون له انعكاسات اجتماعية واقتصادية تتطلب عقوداً طويلة من أجل تجاوزها.

ولكننا نعلم أيضاً أن عدد الإصابات المسجلة لا يكشف عن عدد الإصابات الفعليّ؛ معظم الأشخاص المصابون بالفيروس لا يُظهرون أعراضاً خطيرة، وقد تقتصر الأعراض على وعكة صحية خفيفة، كما أن بعض المصابين لا يُظهرون أي أعراضٍ على الإطلاق، ونتيجةً لذلك، فهنالك عددٌ غير محدد على نحوٍ دقيق من الإصابات التي لم تدخل السجلات الرسمية ولكن يمكن الكشف عنها عن طريق إجراء الاختبارات المناعية واسعة النطاق؛ إذ يفترض أن الشخص الذي أصيب بالفيروس وتعافى منه أصبح يمتلك مناعةً ضده.

أظهرت الكثير من الدراسات قصرَ اختبارات الفحص عن كشف جميع الحالات، وأن الفيروس ينتشر في المجتمع على نحوٍ أكبر بكثير مما نعتقد، واعتمدت هذه الدراسات على الاختبارات المناعية لمحاولة تقدير عدد الإصابات الفعليّ. من الدراسات الشهيرة بهذا الصدد هي تلك التي تم تنفيذها في ألمانيا في بلدة جانجليت التي أظهرت أن حوالي 14% من السكان قد أصيبوا بالفعل بالفيروس، وبالرّغم من الجدل الكبير الذي سببته هذه الدراسة، إلا أن دراساتٍ أخرى قد أفضت إلى نتائج مماثلة، مثل تلك التي تم إجراؤها في سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا الأميركية والتي كشفت أن عدد الإصابات الفعلي قد يكون أكبر بحوالي 50 ضعفاً من عدد الإصابات المسجلة، ما يخفض من نسبة الوفيات الفعلية لحوالي 0.2%. تتقارب هذه الأرقام مع نتائج مسحٍ قام به مركز مكافحة الأمراض والأوبئة في الولايات المتحدة الأميركية، الذي خلص إلى أنه مقابل كل إصابة مسجلة هنالك حوالي 10 إصابات لم يتم تسجيلها وبقيت خفية عن السجلات الرسمية، ما يعني أن عدد الإصابات الفعلي هو حوالي 10 أضعاف عدد الإصابات المسجلة.

تقود هذه الاستنتاجات إلى عاملٍ آخر قد يكون أكثر دقةً في تحديد خطورة عدوى الإصابة بفيروس كورونا، وهذا العامل هو ما يعرف باسم معدل الوفيات نتيجة الإصابة (IFR: Infectious Fatality Rate)، الذي يمثل عدد الوفيات الناتجة عن الإصابة بالفيروس مقسوماً على عدد الإصابات الكليّ، سواء كانت مسجلة أو غير مسجلة. فكم تبلغ هذه النسبة؟ مجدداً، ونظراً لشبه استحالة معرفة عدد الإصابات الكليّ فإنه من الصعب أيضاً حساب هذا العامل على نحوٍ دقيق، ولكن كنتيجةٍ للدراسات المناعية ومع استخدام طرق النمذجة الرياضية، يمكن تقدير هذا العامل بشكلٍ تقريبيّ. في الوقت الحاليّ، وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن معدل الوفيات نتيجة الإصابة بفيروس كورونا يبلغ 0.6%، وهو رقمٌ أقل بكثير من معدل الوفيات الرسميّ الذي يتم حسابه عند أخذ عدد الإصابات المسجلة رسمياً. قد يبدو هذا الرقم مدعاةً للتفاؤل للوهلة الأولى، ولكن يجب علينا تذكر أن 0.6% من سكان الكوكب يعني وفاة حوالي 47 مليون شخص حول العالم، وعليه فإن فيروس كورونا -وإن كانت نسبة الوفيات الحقيقية الخاصة به أقل من 1%- فهو يبقى تهديداً كبيراً للبشرية ولا يجب التهاون معه على أنه “غير قاتل”. 

مجدداً، لا يمثل هذا الرقم قيمةً موحدة متفق عليها حول العالم؛ إذ كشفت دراسة أخرى تم نشرها في دورية نيتشر اختلافاتٍ في نسبة الوفيات نتيجة الإصابة، حيث أظهرت نتائج النمذجة الرياضية أن نسبة الوفيات نتيجة الإصابة في الصين تبلغ حوالي 0.66% وترتفع لتبلغ 0.7% في فرنسا، وتصل حتى 1% في كل من البرازيل وإسبانيا. بالنسبة للفئات العمرية نفسها، تظهر الدراسة أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم عن 60 سنة يمتلكون نسبة وفيات نتيجةً للإصابة تصل حتى 33%. 

إلى أي حد الفيروس قاتل؟

حتى لحظات كتابة هذه السطور، لا يوجد جواب دقيق حول هذا السؤال، وقد لا نصل لرقمٍ ثابت على الإطلاق، ولكن هذا ليس أمراً مفاجئاً؛ إذ إن العديد من الإحصاءات والعوامل المتعلقة بالأمراض الوبائية تُحسب على شكل مجالٍ ذي حدٍ أدنى وأعلى. ونسبة الوفيات ترتبط بالعديد من العوامل التي تختلف من بلدٍ لآخر؛ فإجراءات الرعاية الصحية وكيفية إدارة الأزمة وقدرة المستشفيات على استقبال المرضى ونوعية التركيبة السكانية ومدى فقر أو غنى المجتمع ومدى توفر الأدوية واللقاحات، كلها عوامل تلعب دوراً هاماً في تحديد نسبة الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا.

بهذه الصورة، وعند الحديث عن مدى خطورة الفيروس ونسبة الوفيات الخاصة به، فإنه يجب التفكير دوماً في العوامل المحيطة والمرتبطة وتغيير الذهنية من رقمٍ ثابت يمكن تعميمه على كل البلدان إلى مجال متغير يرتبط بطبيعة المجتمع والبلد نفسه. من المهم استحضار معلومة هامة بهذا السياق، وهي أنه وبحسب المعلومات المتوافرة حالياً من منظمة الصحة العالمية، فإن حوالي 20% من مرضى فيروس كورونا يطوّرون أعراضاً صحية خطيرة تتطلب رعاية صحية متقدمة في المستشفيات، وهذا يعني أنه -وباختلاف جودة وسعة أنظمة الرعاية الصحية في البلدان- سيكون هنالك تفاوت كبير في نسب الوفيات. 

كل ما سبق يهدف للتشديد على نقطةٍ هامة: من الأكيد والثابت أن الفيروس قاتل وخطير، خصوصاً من ناحية قدرته على الانتشار السريع والتسبب في عدوى كبيرة بين الأفراد، والأهم أننا ما زلنا لا نمتلك لقاحاً ضده، وبالتالي -ونظراً لكون الفيروس قادراً على إحداث وفيات في كل الفئات العمرية وبغض النظر عن الظروف الصحية- فإن مسؤولية التصدي له لا تزال أولوية لا يمكن الاستخفاف بها.


شارك