Article image
مصدر الصورة: الوسوم الجديدة لتدقيق الحقائق من فيسبوك



إن رفض فيسبوك التحقق من الإعلانات السياسية الكاذبة يوجه رسالة مفادها أن الشركة مهتمة فقط بمواجهة الأكاذيب التي ينشرها المستخدمون العاديون وليس السياسيون.

كشفت فيسبوك الشهر الماضي عن خطتها لمكافحة تزييف الحقائق قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2020؛ حيث تتضمن هذه الخطة إنفاق 2 مليون دولار على مشروع التوعية الإعلامية وتسهيل البحث عن الإعلانات السياسية واستخدام وسومِ تحقُّق أكثر بروزاً. إنَّ كل خطوة من هذه الخطة جديرةٌ بالثناء، ولكنها تبدو منافقةً عندما تَصدُر من شركةٍ ترفض فعل أيّ شيء بشأن الإعلانات السياسية التي تحتوي على معلوماتٍ كاذبة. 

ويبدو أنَّ المفاد الحقيقي لرسالة فيسبوك هو أنها مهتمةٌ للغاية بمنع الأكاذيب، ولكن فقط في حال تم نشرها من قِبل مستخدمين عاديين وليس من قبل أشخاصٍ قد يتم انتخابهم لمناصب النفوذ الحقيقي. وفي الوقت نفسه، كان المدير التنفيذي لفيسبوك مارك زوكربيرج على حقّ عندما قال خلال خطابٍ ألقاه الشهر الماضي: “لا أعتقد أنَّ معظم الناس يريدون العيش في عالمٍ لا يمكنهم أن ينشروا فيه إلا ما تقرر شركات التقنية أنه صحيحٌ مائة في المائة”.

لكن هناك حلٌّ وسط بين تحديد فيسبوك لما يُسمح للجميع برؤيته وبين إفساح المجال للسياسيين ليكذبوا كما يحلو لهم؛ حيث يتعين على فيسبوك مراجعة سياستها المتمثلة في عدم التحقق من صحة المحتوى السياسي -وبدلاً من ذلك- يجب أن تضع أحد هذه الوسوم البارزة الجديدة فوق الإعلانات السياسية التي تحتوي على معلوماتٍ كاذبة (مثل إعلان حملة ترامب الذي كذب حول جو بايدن، أو ذلك الإعلان المُزيف حول فيسبوك الذي اشترته إليزابيث وارين من أجل استفزاز زوكربيرج). وبهذه الطريقة، تستطيع الشركة إبقاء الإعلانات منشورةً على الموقع دون السماح للأكاذيب بالانتشار من دون أن يلاحظها أحد. وهذه النقطة هامةٌ بشكلٍ خاص لأن الإعلانات السياسية يتم غالباً توجيهها بدِقّة من أجل استهداف مجتمعاتٍ قد تكون مُرشَّحة أكثر لتصديقها.

ولنكنْ واضحين، لم يكن برنامج فيسبوك لتدقيق الحقائق من قِبل جهات خارجية حلاً سحرياً لمشكلة تزييف الحقائق؛ حيث يتم نشر كمياتٍ هائلة من المحتوى كلّ يوم، وهذه الكمية كبيرةٌ إلى حدٍّ يصعب معه التحقُّق من كلّ شيء. كما أن هناك أشخاصاً لا يثقون أصلاً في مُدققي الحقائق، وبالتالي فإن وضع وسمٍ على الإعلانات لن يكون ذا معنى بالنسبة لهؤلاء.

أضِف إلى ذلك أن تنفيذ فيسبوك نفسِها لهذا المنهج غيرُ مُرضٍ ويُظهر أنه ما زال هناك الكثير مما ينبغي عمله، حيث قامت منصة تدقيق الحقائق فول فاكت Full Fact، أحد شركاء فيسبوك، بإصدار تقرير في يوليو تنتقد فيه الشركة لعدم مشاركتها ما يكفي من البيانات ولعدم الاستجابة بالسرعة المناسبة للمحتوى الذي يتم الإبلاغ عنه بأنه كاذب. ولكن بافتراض أن منهج تدقيق الحقائق ذو قيمة فعلاً (وقد ذكر تقرير فول فاكت أنه كذلك) فيجب إذن أن تكون الإعلانات السياسية من بين أكثر المنشورات التي يتم تدقيقها بعناية وليس أقلّها.

ورغم أن زوكربيرج يقول إن الشركة تتجنب تدقيق إعلانات السياسيين “لأنها تعتقد أن الناس يجب أن يكونوا قادرين على القيام بأنفسهم بمشاهدة ما يقوله السياسيون”. لكن أغلب الناس لن يكلِّفوا أنفسهم عناء التحقق من إعلانٍ سياسي أو السعي للاطلاع على الصحافة التي تكذِّبه. ونتيجةَ لذلك، فإن سياسة فيسبوك بعدم التدخُّل ليست حياديةً في الواقع؛ حيث إنها تساعد في تفضيل ودعم المرشحين الذين لا يجدون غضاضةً في الكذب ونشر نظريات المؤامرة، مما يؤدي إلى فوز المُرشَّحين الأسوأ.

إن وجود فريقٍ محدد لتدقيق الحقائق ومُكرَّس للإعلانات السياسية يمكنه معالجة الكثير من هذه المشاكل؛ إذ إن فيسبوك تعلم فعلاً الإعلانات مدفوعة الأجر من قِبل الحملات السياسية، فهذا المحتوى ليس دَفقاً غير مُنتهٍ من الإعلانات. كما أن تدقيق محتوى الإعلانات لن يحوِّل فيسبوك إلى جهةٍ رقابية، بالإضافة إلى أنها لن “تمنع خطابات السياسيين من الوصول إلى الجمهور” كما يخشى المتحدث باسم فيسبوك نيك كليج. على العكس، من شأن هذه الطريقة أن تضمن “مشاهدة الناس بأنفسهم” لما يقوله السياسيون عندما يطّلعون على إعلاناتهم، كما تضمن تمكُّن الناس بأنفسهم من تحديد أي من السياسيين لا يتورَّع عن نشر الأكاذيب المفضوحة.