الفكرة التي انتشرت مؤخراً حول انتقال الفيروس عن طريق الهواء تعني أن هناك حلولاً معينة لا بدّ من التركيز عليها.

2020-07-13 16:21:08

13 يوليو 2020
Article image
مصدر الصورة: صور جيتي

احتلت مؤخراً قضية انتقال فيروس كورونا عن طريق الهواء حيزاً كبيراً من المناقشات العامة حول الفيروس؛ إذ قام أكثر من 200 عالم من كافة أنحاء العالم بتوجيه رسالة إلى منظمة الصحة العالمية تحثها على النظر بشكل جدي في الأدلة المتزايدة على أن فيروس كورونا يمكنه أن ينتقل عبر الهواء. وكانت منظمة الصحة العالمية قد امتنعت عن إعادة تصنيف فيروس كورونا على أنه ينتقل عبر الهواء، ولكنها أقرّت بأن “هناك حاجة ملحة لإجراء المزيد من الدراسات للبحث في مثل هذه الحالات وتقييم أهميتها لانتقال الفيروس”.

ويقول تشاد روي، عالم الأحياء الدقيقة في جامعة تولين في الولايات المتحدة: “بصراحة، لا أعرف ما ينتظره الناس. لا يتطلب الأمر من منظمة الصحة العالمية الخروج لإعلان أنه ينتقل عن طريق الهواء لندرك أن هذا المرض ينتقل كذلك. لا أدري إلى أي مدى يجب أن يكون الأمر أوضح من حيث الأدلة العلمية”.

فماذا يعني “الانتقال عن طريق الهواء” فعلاً في هذا السياق؟ تعود المسألة بشكل أساسي إلى الحجم. نحن على يقين من أن فيروس كورونا ينتقل من خلال قطيرات صغيرة تحتوي على جزيئات فيروسية يمكنها إحداث العدوى. ولكن حتى يكون الفيروس منقولاً عن طريق الهواء، فهذا يعني بعض الأمور المختلفة، اعتماداً على الخبير الذي تتحدث إليه. وذلك يعني عادةً أنه يمكنه أن ينتشر عن طريق استنشاق جزيئات صغيرة عالقة في الهواء تعرف باسم الرذاذ من مسافات طويلة، وربما حتى من غرف مختلفة.

وتقول ليزا بروسو، أستاذة الصحة العامة المتقاعدة التي لا تزال تقدم استشارات للشركات والمنظمات: “لهذا السبب عندما تسأل بعض الخبراء عما إذا كان الفيروس ينتقل عن طريق الهواء، فإنهم ينفون ذلك؛ لأننا لا نشهد انتقاله عبر هذه المسافات”.

وهناك أيضاً بعض النقاش حول ما نعنيه بـ “الرذاذ”. يمكن أن تكون القطيرات التي تنقل الجزيئات الفيروسية عبر الهواء بجميع الأحجام، ولكن في حين أن القطيرات الأكبر تسقط بسرعة على الأرض أو الأسطح الأخرى، فإن القطيرات الأصغر (التي لا يزيد قطرها عن بضع ميكرونات فقط) يمكنها أن تبقى في الهواء لفترة من الوقت، مما يجعلها عرضة للاستنشاق. يُستخدم مصطلح الرذاذ في الغالب لوصف تلك الجزيئات الصغيرة، على الرغم من أن بروسو تفضل مصطلح “الانتقال عن طريق الرذاذ” ليشمل كل الجزيئات الفيروسية القابلة للاستنشاق التي يتم طرحها في الهواء، سواءً كانت كبيرة أو صغيرة.

إذا كان فيروس كورونا ينتقل عن طريق الهواء، فهو ليس المرض الوحيد الذي يتميز بذلك. إذ يشتهر فيروس الحصبة بقدرته على البقاء في الهواء لمدة تصل إلى ساعتين. ويمكن للسل -على الرغم من أنه مرض بكتيري وليس مرضاً فيروسياً- أن ينتقل عن طريق الهواء لمدة ست ساعات، وتقترح بروسو أن الناقلين الفائقين لفيروس كورونا (أي الأشخاص الذين يبدو أنهم ينشرون كمية أكبر من غيرهم من الفيروس) ينقلون الفيروس وفق أنماط تذكّرنا بانتقال عدوى السل.

ويمكن القول إن الدليل على حدوث هذا النوع من الانتقال مع فيروس كورونا موجود بالفعل؛ إذ تشير العديد من الدراسات الكبيرة إلى انتقال الفيروس عن طريق الهواء كطريق رئيسي لانتشاره. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن الفيروس يمكنه أن يبقى في قطيرات على شكل رذاذ لساعات. وتظهر إحدى الدراسات الجديدة التي أجراها روي وفريقه في جامعة تولين أن جزيئات فيروس كورونا المُعدية المتطايرة على شكل رذاذ يمكنها أن تبقى بالفعل في الهواء لمدة تصل إلى 16 ساعة، مع حفاظها على قدرتها على العدوى لفترة أطول بكثير من فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وفيروس السارس (وهما فيروسان من فيروسات كورونا الكبيرة الأخرى التي ظهرت في هذا القرن).

ما زلنا لا نعرف ما الذي يمنح فيروس كورونا الحالي هذه الإمكانية للانتقال عن طريق الهواء. ويقول روي: “ولكن قد يكون أحد أسباب ذلك يتمثل في كون هذا الفيروس جائحة وليس مجرد تفشٍّ صغير مثل أي فيروس كورونا آخر”.

كيف تحافظ على سلامتك؟

لا تعدّ مسألة انتقال الفيروس عبر الهواء سؤالاً علمياً. فإذا كان الأمر كذلك، فقد يعني أنه في الأماكن التي لم يتم فيها احتواء الفيروس بشكل صحيح (مثل الولايات المتحدة) يجب إعادة فتح الأعمال الاقتصادية بشكل أبطأ وبإجراءات أكثر صرامة لتعزيز الممارسات الصحية الحالية بالإضافة إلى تقديم ممارسات أفضل. ولن تكون أساليبنا الحالية كافية لوقف الانتشار.

يودّ روي أن يشهد تطبيق أوامر صارمة لاستخدام الكمامة من قبل أي شخص يغادر المنزل. ويقول: “ينتشر هذا الفيروس بشكل يثير الجنون. ويمكن لارتداء الكمامات أن يؤدي إلى تثبيط انتشاره بشكل لا يصدق. وأعتقد أن أي شيء يمكنه أن يعزز استخدام الكمامات لوقف إنتاج الرذاذ في البيئة من شأنه أن يكون مفيداً”.

ومع ذلك، تقول بروسو إنه على الرغم من أن الكمامات يمكنها أن تحد من انتشار الجزيئات الكبيرة، إلا أن فائدتها أقل بالنسبة للجزيئات الأصغر حجماً، خاصة إذا كانت الكمامة رخوة وموضوعة بشكل خاطئ. وتضيف: “أتمنى أن نتوقف عن الاعتماد على فكرة أن تغطية الوجه من شأنها أن تحل كل شيء وأن تساعد على تسطيح المنحنى. يعدّ هذا التفكير غير واقعي ولن يحدث ذلك”. ولكي تُحدث الكمامات فرقاً بالفعل، يجب أن يتم ارتداؤها طوال الوقت، حتى عند التواجد مع العائلة.

وتعتقد بروسو أن الأدلة تتجه نحو التوصل إلى أن الانتقال عن طريق الهواء هو “النمط الأساسي وربما الأكثر أهمية لانتقال فيروس كورونا”. وتقول: “أعتقد أن مقدار الوقت والجهد المكرسين لتعقيم كل الأسطح مراراً وتكراراً كانا مضيعة كبيرة للوقت. لا داعي للقلق كثيراً بشأن تنظيف كل سطح نلمسه”. بدلاً من ذلك، يجب أن نركّز على عوامل أخرى، مثل الأماكن التي نقضي فيها أوقاتنا.

أماكن مزدحمة

أحد أكبر الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها حتى الآن بشأن فيروس كورونا هو مقدار الحِمل الفيروسي اللازم لإحداث العدوى؛ حيث يتغير الجواب إذا اعتقدنا أن الرذاذ هو ما يتوجب علينا أن نقلق بشأنه. فلن تحمل الجزيئات الصغيرة كمية كبيرة من الفيروسات كالجزيئات الأكبر، ولكن نظراً لأنه يمكنها أن تبقى عالقة في الهواء لفترة أطول بكثير، فربما لا يهم ذلك؛ لأنها ستتراكم بتراكيز أكبر وتنتشر على نطاق أوسع كلما طالت فترة تواجد الشخص المصاب الذي يمكنه طرح الرذاذ الفيروسي.

وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من مكان داخلي، يزداد احتمال تواجد شخص مصاب. وكلما طالت فترة تواجد الأشخاص المصابين في ذلك المكان، زاد تركيز الفيروس في الهواء مع مرور الوقت. ويعدّ ذلك سيئاً بشكل خاص للأماكن التي يتجمع فيها الناس لساعات متواصلة، مثل المطاعم والحانات والمكاتب والفصول الدراسية ودُور العبادة.

لا يعني الانتقال عن طريق الهواء بالضرورة أن تبقى هذه الأماكن مغلقة (على الرغم من أن ذلك سيكون مثالياً). لكن مسح الأسطح بمطهر وارتداء الكمامات من قِبل الجميع لن يكون كافياً. ,لإعادة فتح هذه الأماكن بأمان، فلن يتعيّن عليها فقط تقليل عدد الأشخاص المسموح لهم بدخولها في أي لحظة، بل ستضطر أيضاً إلى تقليل الوقت الذي يقضيه هؤلاء الأشخاص فيها. كما أن زيادة المسافة الاجتماعية لتتجاوز المترين سيساعد أيضاً في الحفاظ على سلامة الأشخاص.

ويجب أن تكون التهوية من أهم الأولويات كذلك. وتمثّل هذه القضية مشكلة كبيرة بالنسبة للمباني القديمة، التي عادةً ما تكون أنظمة التهوية فيها أسوأ، وقد تضطر المناطق التي تحتوي على الكثير من هذه الأماكن إلى البقاء مغلقة لفترة أطول. ولن يؤدي تأثير الانتشار اللاعرَضي (أي انتقال الفيروس من الأشخاص الذين لا يشعرون بالمرض) والناقلين الفائقين للفيروس إلا إلى زيادة تفاقم المشكلة. لكن بحثاً أجرته وزارة الأمن الداخلي الأميركية أظهر أنه بوجود الأشعة فوق البنفسجية، فإن جزيئات الرذاذ -من الحجم الذي درسه الباحثون في جامعة تولين- ستختفي خلال أقل من دقيقة. وقد بدأ عدد من الشركات بنشر روبوتات مزودة بالأشعة فوق البنفسجية لتطهير غرف المستشفيات ومراكز التسوق والمتاجر ومحطات النقل العام وغيرها.

بالنسبة للعديد من الأماكن، قد يكون التأخير الكبير في إعادة فتح أعمالها الاقتصادية هو الثمن في نهاية المطاف للسيطرة على الفيروس. وبخلاف ذلك، فقد يصبح من الشائع تكرار ما حدث عندما أدى افتتاح مقهى واحد في ميشيغان إلى تفشي الفيروس وإصابة أكثر من 170 حالة جديدة

بالنسبة إلى بروسو، فإن الإستراتيجية الأفضل ببساطة هي أن نتصرف كما فعلنا في الأيام الأولى من الإغلاق والحظر، أي البقاء في المنزل وتجنب مخالطة أي شخص لا تعيش معه. وتقول إنه إذا اضطررتَ لمغادرة المنزل، “فكل ما يمكنني قوله هو أنه عليك قضاء أقل وقت ممكن في مكان مغلق، في منطقة جيدة التهوية، ومع أقل عدد ممكن من الأشخاص”.