Article image




تعرّف على متنبئة الطقس الفضائي التي تقود التوجه نحو مساعدتنا على فهم الوهج الشمسي والعواصف المغناطيسية الأرضية قبل فوات الأوان.

تقبع تاميثا سكوف في غرفة مكتظة بالأغراض في منزلها، حيث تستعد لبدء العمل أمام ستارة خضراء مرتجلة مصنوعة من زوج من الشراشف الخضراء. وقد أظهرت نصاً على شاشة حاسوبها، وضغطت زر التشغيل.

حدقت سكوف في العدسة، وقالت: “بدأنا ننعم بالهدوء أخيراً بعد عدة عواصف شمسية أظهرت أضواء الشفق في جميع أنحاء العالم على امتداد الأسبوع المنصرم، وقد استدارت المنطقتان المسؤولتان عن هذه العواصف نحو الجهة الخلفية من الشمس. ولكن ماذا يعني هذا بالنسبة لكم؟ سنتحدث عن هذه النقاط وغيرها في الأخبار هذا الأسبوع”.

قد تكون سكوف واحدة من آلاف المتنبئين الجويين الذين يظهرون على الأثير يومياً، ولكنها لا تشارك توقعات درجات الحرارة والأمطار، وبدلاً من ذلك، فإن سكوف -المعروفة باسم مذيعة الطقس الفضائي– واحدة من القلائل الذين يشرحون الطقس الفضائي.

ويُعتبر مجالها جديداً نسبياً، فهي تشرح تفاصيل عن أشياء مثل الرياح الشمسية، والوهج الشمسي، والعواصف المغناطيسية الأرضية، والانبعاثات الكتلية الإكليلية، وهي دفقات من الجسيمات المشحونة والحقول المغناطيسية التي تتولد في الطبقة الخارجية للغلاف الجوي لنجمنا.

مصدر الصورة: تقدمة من تاميثا سكوف

قد يؤدي الطقس الفضائي إلى ظهور مناظر رائعة للشفق القطبي، ولكنه يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تشويش وتعطيل الأقمار الاصطناعية التي تؤمِّن لنا خدمات مثل نظام التموضع العالمي GPS. ويمكن أن يؤثر أيضاً على شبكات الطاقة الكهربائية، أو حتى يهدِّد حياة رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية بمستويات خطيرة من الإشعاع.

وتمتلك بعض المراكز حول العالم، مثل مركز توقع الطقس الفضائي في كولورادو، التجهيزات اللازمة لقياس هذه العواصف وتوقعها. وعن طريق الاعتماد على أدوات في الفضاء وعلى الأرض، يقوم الباحثون بالتقاط الصور وأخذ القياسات للشمس، وتحذير الحكومات والشركات عند احتمال اقتراب ظروف خطيرة للطقس الفضائي. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تستجيب إحدى الحكومات بإطفاء الأقمار الاصطناعية أو شبكات الطاقة الكهربائية.

غير أن هذه التقارير مكثفة للغاية، ولهذا تقوم سكوف بتبسيطها للعموم، وهي مهمة بدأت فيها منذ 5 سنوات؛ حيث تقوم برفع التقارير إلى قناتها على يوتيوب. ويتضمن مشاهدوها مجموعات تعتمد كثيراً على الأقمار الاصطناعية، أو الأشخاص المهتمين بمعرفة الأحداث الطبيعية التي يمكن أن تنتج عن الطقس الفضائي، مثل المزارعين، والعسكريين، ومصوري الشفق، والطيارين، وقادة الطائرات المسيرة، وأخصائيي الأرصاد الجوية، وهواة الاتصال باللاسلكي.

يقول كيث جوردون، وهو طيار وأحد هواة اللاسلكي، ومن متابعي سكوف كل أسبوع: “عندما تتعمق في ممارسة الاتصال باللاسلكي كهواية، تُدرك أهمية طبقة الأيونوسفير. لماذا أستطيع في بعض الأيام الاتصال بالجهة الأخرى من العالم، ولا أستطيع أن أتجاوز مسافة 100 كيلومتر في أيام أخرى؟ السبب في ذلك هو أن الغلاف المغناطيسي للأرض كائن حي يتنفس ويتأثر بالشمس”.

وعلى الرغم من أن هذه المجموعات الصغيرة تتابع عمل سكوف بكل إخلاص، إلا أنها راغبة في إخراج الطقس الفضائي من زاويته الضيقة، وتقول: “هدفي الكبير هو تحويل بث الطقس الفضائي إلى مجال حقيقي بحيث يصبح جزءاً من الأخبار المسائية، جنباً إلى جنب مع الطقس الأرضي”.

مراقبة الطقس

بالنسبة لمعظمنا، فإن الانتباه إلى الطقس الفضائي يدخل في إطار الاستعداد. وكما ترغب في إنذار مبكر عند احتمال انقطاع الكهرباء أو الإنترنت بسبب إعصار، فسوف تريد على الأرجح أن تعرف وقت حدوث عاصفة شمسية إذا كان لها نفس التأثير. وهو تحذير لم يحصل عليه سكان كيبيك في 1989 عندما تسببت عاصفة مغناطيسية أرضية بانقطاع الكهرباء عن المدينة بالكامل لمدة 12 ساعة، أو سكان مالم في السويد في 2003.

ويمكن أن تدفع العواصف الشمسية بشركات الطيران إلى تغيير مسار رحلاتها بعيداً عن المناطق القطبية، حيث يتركز الإشعاع، ولهذا يمكن أن يُشير تقرير الطقس الفضائي إلى احتمال تغيير وقت الرحلة. وإذا علمت بقدوم عاصفة خفيفة، فستعرف بشكل سابق أن جوجل مابس أو أوبر، أو أية خدمة أخرى تعتمد على نظام تحديد الموضع، قد تتأثر أو تصبح غير موثوقة لبعض الوقت.

كما أن الاطلاع على أحوال الطقس الفضائي مسألة هامة على وجه الخصوص إذا كنت تعيش في المناطق القطبية أو قربها، أو في بلد مثل البرازيل، التي تتعرض إلى تشويشات متكررة لنظام تحديد الموضع بسبب فقاعات البلازما التي تتشكل على طول خط الاستواء، وتقلبات الغلاف الجوي التي تؤثر على إشارات الراديو. وفي الواقع، فقد عقدت البرازيل شراكة مع ناسا لإطلاق قمر اصطناعي صغير يُعرف باسم كيوبسات لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، مع فكرة إبلاغ السكان للوقت المحتمل لتعطل خدمات تحديد الموضع والاتصالات.

ولم تخطط سكوف لهذه الحياة المهنية أو حتى تأمل فيها، فهي تحمل درجة الدكتوراه في الجيوفيزياء وفيزياء البلازما الفضائية، كما أنها حاولت لفترة أن تروِّج لنفسها على تويتر في مجال الموسيقى. ولكنها انخرطت في أوساط أخرى بدلاً من ذلك، فقد بدأت تستخدم معرفتها بالشمس للإجابة عن أسئلة مستخدمي تويتر الأوائل حول الطقس الفضائي، ووجدت نفسها معرضة لعدد كبير من الأسئلة المحددة، التي كانت تتراوح بين مشاكل الاتصال في نظام تحديد الموضع المستخدم في الزراعة والمشاكل الملاحية للطائرات المسيرة، وبعد ذلك، بدأ المتابعون يطلبون منها نشرات طقس فضائي.

تقرير سكوف حول الطقس الفضائي من 23 مايو، 2019.
مذيعة الطقس الفضائي.

بعد ذلك بفترة قصيرة، أصبحت سكوف المرجع الأول للأسئلة الشمسية، وتقول: “بدأت أدرك أنه ليست هناك حاجة إلى هذه المعلومات فحسب، بل هناك حاجة محددة بالنسبة لمجموعات محددة من المستخدمين، وهي مجموعات تكبر بشكل متواصل”. وقررت سكوف أن تسد هذه الثغرة بإنتاج فيديوهات حول توقعات الطقس الفضائي، وقد ساعدها متابعوها المخلصون -الذين لا يتجاوزون 22,000 مشترك على يوتيوب و32,000 متابع على تويتر- في تجميع ما يقارب مليون مشاهدة على قناتها.

الآثار المدمرة المحتملة للطقس الفضائي

هناك الكثير مما لا نفهمه حول الطقس الفضائي. تقول صوفي موراي، وهي باحثة زميلة في جامعة ترينيتي دبلن: “نحن نحاول تطبيق أساليب توقع الطقس الأرضي في توقع الطقس الفضائي. إننا متخلفون عن هذه الأساليب ببضعة عقود”.

“بصفتنا مستهلكين، لم نكن نمتلك التكنولوجيا التي يمكن أن تتأثر بالطقس الفضائي، ولكننا نمتلكها الآن. لقد أصبحت واسعة الانتشار”.
تاميثا سكوف

تعود هذه الفجوة بشكل جزئي إلى أن الطقس الفضائي لم يكن مهماً قبل بضعة عقود، ولهذا لم نستثمر الكثير من الموارد فيه بقدر ما استثمرنا في علم الأرصاد الجوية. ولكن مع انتشار الهواتف الذكية ومجموعات الأقمار الاصطناعية المخصصة للإنترنت، أصبحت الأقمار الاصطناعية جزءاً هاماً من الحياة اليومية. تقول سكوف: “بصفتنا مستهلكين، لم نكن نمتلك التكنولوجيا التي يمكن أن تتأثر بالطقس الفضائي، ولكننا نمتلكها الآن. لقد أصبحت واسعة الانتشار”.

 

ومن حسن حظنا أن الشمس كانت هادئة عموماً في السنوات الأخيرة، حيث كانت تمر بما يعرف باسم: الدورة الشمسية الدنيا، أي أننا الآن في النهاية الهادئة نسبياً للدورة الشمسية التي تدوم 11 عاماً. وفي منتصف الدورة تنقلب الأقطاب المغناطيسية الشمسية، وهو ما يترافق عادة بنشاط شمسي أكثر عنفاً. وقد حدث هذا في 2014، ولكن لم يحدث الكثير منذ ذلك الوقت. يقول ريتشارد كلارك، رئيس مجلس إدارة قسم علوم الأرض في جامعة ميلرسفيل في بنسلفانيا: “لم نشهد انبعاثاً كتلياً إكليلياً أو وهجاً شمسياً على مستوى يكفي لجذب انتباه العموم”.

غير أن قدرات الشمس أكبر من هذا بكثير، ولا أدلّ على ذلك من أشهر حدث في تاريخ الطقس الفضائي، وهو حدث كارينجتون؛ ففي العام 1859، تسببت عاصفة شمسية هائلة باشتداد النشاط المغناطيسي الأرضي لدرجة ظهور الشفق القطبي في كوبا، أما عمال التلغراف فقد أبلغوا عن تطاير الشرارات من تجهيزاتهم.

يقول مايكل كوك، وهو متنبئ أساسي بالطقس الفضائي في أبوجي إنجينيرينغ، وهي شركة تعاقدية هندسية: “كلما ازداد اعتمادنا على التكنولوجيا، أصبحنا أكثر حساسية وعرضة للأذى حتى تجاه العواصف الشمسية المتوسطة، والشديدة أيضاً بطبيعة الحال”. وعلى الرغم من أنه لن يقع حدث بمستوى حدث كارينجتون إلا مرة واحدة كل 100 أو 200 سنة، إلا أن العلماء لا يمكنهم الجزم فعلياً بموعد وقوع عاصفة من هذا المستوى.

مصدر الصورة: تقدمة من تاميثا سكوف

في 2017، شهدنا لمحة صغيرة من قدرات الطقس الفضائي، فمع اندفاع الأعاصير نحو البحر الكاريبي، تعطلت اتصالات الطوارئ اللاسلكية، وظن الكثيرون أن الأعاصير كانت تشوِّش عمل الأقمار الاصطناعية، غير أن السبب الفعلي كان تأثير الشمس.

تقول سكوف: “كانت هناك بقعة ضخمة وبشعة على الشمس، وكانت تُطلق ما يمكن أن نعتبره أكبر أحداث وهج في كامل الدورة الشمسية، إضافة إلى عواصف هائلة. وقد أدى هذا إلى تعطيل الأقمار الاصطناعية واتصالات هواة اللاسلكي”.

الانضمام إلى شلة الفضاء

تتعرض سكوف إلى تيار لا يتوقف من الطلبات الإعلامية والأسئلة من الناس الراغبين في معرفة سبب ارتباك أنظمة تحديد الموضع لديهم. كما تقوم بمختلف أنواع النشاطات، بدءاً من التكلم في اللقاءات العالمية، ووصولاً إلى تأدية نسخ كوميدية من أغنية “Here Comes The Sun” على آلتها الموسيقية في مؤتمر دايتون هامفينشن لهواة اللاسلكي.

إن موازنة كل هذا مع عملها في شركة أيروسبيس (حيث تعمل يوماً واحداً في الأسبوع) كان أمراً صعباً، خصوصاً في ظل وجود بعض المشاكل الطبية في العائلة. وهي تقول: “لقد شعرت بإرهاق شديد هذه السنة، وأدركت أنني يجب أن أبطئ قليلاً، وإلا سيفقد الأمر متعته تماماً. لا أرغب في أن أفعل هذا لأنني أؤمن بوجود حاجة كبيرة إليه، وما زلت في بداية استيعابي لهذه الحاجة”.

تدرك سكوف أنها لا تستطيع أن تفعل كل هذا وحدها، ولهذا فقد بدأت ببناء الهيكلية التي ستتكفل بإنشاء شبكة من المختصين بتوقعات الطقس الفضائي. وبدءاً من هذا الشتاء، فإن برنامج “الطقس الفضائي والبيئة: العلم والسياسة والتواصل” -وهو برنامج للدراسات العليا ساعدت على تصميمه بالتعاون مع كوك وجامعة ميلسفيل- سيفتح المجال أمام الراغبين في التسجيل. وسيغطي البرنامج أساسيات الطقس الفضائي، وتأثيره على العالم العصري، وكيفية مشاركة المعلومات حوله بأفضل الطرق. إنه برنامج مصمم للذين يعملون في المجالات التي تتأثر بالطقس الفضائي، إضافة إلى أخصائيي الأرصاد الذين يظهرون على الأثير.

يعتقد كل من سكوف وكوك -من أبوجي إنجينيرينغ- أن مراسلي الطقس المحليين هم أفضل من ينشر معلومات الطقس الفضائي. تقول سكوف: “إن الطقس الفضائي في مينيسوتا ليس حتى قريباً من الطقس الفضائي في فلوريدا، وهو ما يتطلب وجود مختصين محليين يقدمون تقارير محلية في تلك المناطق”.

حصلت كيرين جيرومين، وهي مديرة عمليات الطقس في ويذرنيشن، على بعض التدريبات الأساسية في مجال الطقس الفضائي على الإنترنت، وهي تقول: “بوصفي العالمة الوحيدة في محطة تلفزيونية، يحدث غالباً أن يُطلب مني أن أتحدث في مواضيع علمية متنوعة غير الطقس الأرضي، ويجب أن أقدم هذه المعلومات للجمهور بطريقة قريبة من فهمهم”.

وإن زيادة الوعي حول هذه القضية سيؤدي إلى أكثر من مجرد الاستعداد للعواصف الشمسية. وترى سكوف أن بإمكانه أيضاً أن يساعدنا على تحسين فهمنا لعلاقتنا بالفضاء، ذلك فهي تقول: “إن هذا هو الفضاء، وهو يؤثر عليك”.


شارك



مراسلة الفضاء، إم آي تي تكنولوجي ريفيو