X
Article image

Article image

عالم الفضاء حب

يمكن أن يؤدي هذا النشاط العنيف للشمس إلى إطفاء شبكة الطاقة وتعطيل الأقمار الاصطناعية. وتمثل بعثة لاجرانج من إيسا نظام تحذير مبكر لهذه الحالات.

يمكن اعتبار حدث كارينجتون أنه الأشهر في تاريخ الطقس الفضائي، وهو عاصفة شمسية عنيفة ضربت الأرض عام 1859، ونتج عنها نشاط مغناطيسي أرضي شديد لدرجة أن أضواء الشمال انتشرت نحو الجنوب وصولاً إلى كوبا، كما أبلغ عمال التلغراف عن تطاير الشرارات الكهربائية من معداتهم. قد لا يبدو هذا أمراً مثيراً للذعر، ولكن إذا حدث اليوم، فقد يضعضع شبكة الكهرباء في المناطق الحضرية، ويعطل نظام تحديد المواقع العالمي، ويضع اتصالات الأقمار الاصطناعية في حالة خطر.

قد لا تحدث عواصف من هذا النوع أكثر من مرة واحدة كل قرن أو اثنين، ولكن إذا كانت إحداها قادمة نحونا، فيجب أن نعرف بذلك.

يدرس تحليل الطقس الفضائي الدلائل التي تمثل تحذيرات من أحداث كارثية كهذا الحدث (وانفجارات شمسية أصغر وأكثر تكراراً) عن طريق مراقبة الرياح الشمسية، والانبعاث الكتلي الإكليلي (عندما تقذف الشمس بالبلازما من الهالة أو الإكليل الشمسي، ما يؤدي إلى تشويش الحقول المغناطيسية) وظواهر أخرى. يمكن بعمليات التنبؤ هذه توقع الوقت الذي سيظهر فيه الشفق القطبي في السماء، ولكن بشكل أهم، يمكن أن نحصل على تحذير من وقوع حدث كارثي.

حالياً، يعطينا التحذير مهلة تتراوح ما بين بضع ساعات وبضعة أيام، ويعود هذا بشكل أساسي إلى أننا لا نستطيع أن نرى منظراً كاملاً للشمس، ولهذا لا نتمكن من رؤية أي شيء خطر يتشكل في الجهة الأخرى منها. ولكن وكالة الفضاء الأوروبية تحاول أن تغير هذا عن طريق بعثة إلى الجهة الأخرى من الشمس، ما يضيف مصدراً هاماً إلى ترسانة المتنبئين الشمسيين. ويسابق العلماء الزمن لإطلاق بعثة لاجرانج قبل أن تصبح أساليبنا الأخرى لاكتشاف التغيرات الخطيرة في الطقس الشمسي عاجزة عن العمل.

شكل توضيحي لنقاط لاجرانج بين الأرض والشمس.

حتى الآن، كانت معظم بعثات الطقس الفضائي في مدار حول الأرض أو في نقطة لاجرانج إل 1، والتي تقع بين الأرض والشمس. وتُعرف نقاط لاجرانج على أنها مواضع في الفضاء حيث يحافظ الجسم على نفس الموقع بالنسبة لجسمين يدوران حول بعضهما البعض. وعلى سبيل المثال، فإن الجسم الواقع في النقطة إل 1 يبدو ثابتاً أمام الأرض مباشرة، ما يتيح النظر منه إلى الشمس بشكل مستمر، وهو ما يجعل من هذه النقطة مكاناً رائعاً للبعثات العلمية –والتي ستسهلك مقداراً أقل من الطاقة للبقاء في المكان بشكل ثابت والتقاط البيانات- والأقمار الاصطناعية المخصصة لمراقبة الشمس على وجه التحديد.

غير أن هذا الموضع يتيح لنا مراقبة جانب واحد فقط من الشمس، ولهذا ستستفيد بعثة لاجرانج لإيسا من نقطة لاجرانج الخامسة لمراقبة الشمس من مكان آخر. تبعد النقطة إل 5 حوالي واحدة فلكية واحدة عن الأرض (تساوي الواحدة الفلكية المسافة بين الشمس والأرض، أي 150 مليون كيلومتر)، ولكنها تقع إلى جانب الكوكب. يقول ستيفان كرافت، مدير دراسة بعثة إل 1/ إل 5 في إيسا: “ستكون هذه المركبة الفضائية الأولى التي ستبقى هناك في إل 5 لإرسال البيانات بشكل مستمر”. من الجدير بالذكر أن مركبات ستيريو من ناسا زارت النقطة لفترة وجيزة في 2009، ولكن التوقف تماماً يتطلب مقداراً أكبر بكثير من الوقود.

سيسمح هذا المنظر الجانبي لباحثي إيسا بالنظر بشكل متواصل إلى سطح الشمس قبل أن يدور نحو الأرض (تدور الشمس مرة واحدة كل 27 يوماً)، ما يتيح الحصول على تحذيرات أبكر وأكثر دقة لوقوع أحداث كارثية في الطقس الفضائي.

يمكن بالجمع بين بيانات إل 1 و إل 5 تقليل أزمنة الإنذار أيضاً. حالياً، يمكن توقع تأثير الانبعاث الكتلي الإكليلي على الأرض بدقة ست ساعات إلى 12 ساعة. ووفقاً لجوها بيكا لونتاما، مدير قسم الطقس الفضائي في إيسا، فإن بعثة لاجرانج ستقلل من هذا الوقت إلى بضع ساعات وحسب. وللمقارنة، نذكر أن أسرع الانبعاثات تستغرق 15 إلى 18 ساعة حتى تضرب الأرض. ويقول أيضاً أن هذا سيحسن من أزمنة الإنذار بالنسبة لتيارات الرياح الشمسية عالية السرعة، والتي –وإن كانت أقل خطورة- يمكن أن تشوش عمل شبكات الطاقة الكهربائية والأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المستقر.

شكل توضيحي للقمر الاصطناعي لبعثة لاجرانج

بالنسبة للأحداث الأقل تأثيراً في الطقس الفضائي، يمكن بفضل التحذيرات السريعة أن نضمن عدم إجراء مهام خارج المركبات الفضائية (مهام تتطلب حركة رائد الفضاء خارج المركبة) خلال العواصف، وأن عمال الطوارئ على الأرض يحملون وسائل اتصال احتياطية في حال تعطلت أجهزة اللاسلكي لديهم. وفي حالة حدث على مستوى كارينجتون، يمكن لمشغلي الأقمار الاصطناعية إيقاف عملياتهم، ويمكن إصدار تحذيرات إلى العامة حول توقف أنظمة تحديد الموضع لديهم، كما ستتاح الفرصة أمام مشغلي شبكات الطاقة الكهربائية لحماية تجهيزاتهم.

ستكون البعثة صعبة من الناحية الفنية. فعلى الأرض، ستعمل ثلاثة محطات متناظرة التوزع في شبكة إيستراك التابعة لإيسا بشكل مشترك على تلقي الإشارات من المركبة الفضائية مع دوران الكوكب. وفي الواقع، فإن إيصال الإشارة إلى الأرض في المقام الأول لن يكون مهمة سهلة أيضاً، حيث أن النقطة إل 5 تبعد عن الأرض أكثر من إل 1 بمائة ضعف، ما يعني تخفيض معدل إرسال البيانات.

هناك أيضاً مسألة العواصف الشمسية نفسها. حيث أن المركبة لن تقوم بإرسال بيانات حولها فحسب، بل يجب أيضاً أن تكون قادرة على تحملها. يقول كرافت: “عند وقوع أحداث طقس فضائي شديدة، نرغب بالاستمرار في المراقبة. وعلى حين أن جميع المركبات الفضائية الأخرى يمكن أن تختبئ وتنتقل إلى الوضع الآمن، يجب أن تكون مركبتنا جاهزة”. ويضيف أن الفريق يعمل حالياً على تطوير تدريع أكثر مقاومة لمساعدة القمر الاصطناعي على الصمود في وجه عواصف أشد قوة من حدث كارينجتون.

للاستمرار في تصوير الشمس أثناء الظروف الطقسية الصعبة، ستستخدم المركبة الذكاء الاصطناعي حتى تتعرف على الجسيمات المشحونة التي تظهر في الصور على شكل “ثلج”، وتقوم بحذفها من جميع الصور.

 

ما زالت البعثة في مراحلها الأولية. وحالياً، يعمل الفريق على تطوير الخطة الفنية وصياغة عرض متكامل لتقديمه مع دراسات أخرى من إيسا في نوفمبر. ويدرس الباحثون مدى مقاومة النظام المطلوبة بالضبط، وذلك لموازنة القيود المالية مع الحاجة إلى حماية المركبة. ويتوقف التنفيذ الفعلي للبعثة على هذا العرض. وإذا سار كل شيء وفقاً للخطة، فسوف يتم الإطلاق في 2025.

يشعر كرافت بالتفاؤل إزاء الموافقة على البعثة. ويقول إن الفريق تلقى إشارات واضحة من بعض البلدان على رغبتها في دعم المشروع، بما في ذلك ألمانيا والمملكة المتحدة.

يمثل توقيت الموافقة مسألة حساسة، لأننا بحاجة ماسة إلى بعثات جديدة للطقس الفضائي. وخلال بضع سنوات وحسب، سنفقد بعض أهم الأقمار الاصطناعية العلمية التي كانت تعمل منذ عقود كاملة. يقول لونتاما: “إن قدرتنا على مراقبة الطقس الفضائي تتراجع”.

تُعتبر بعثة القمر الصناعي لرصد الشمس والغلاف الشمسي (اختصاراً: سوهو SOHO)، والموجودة في إل 1، البعثة التي يثير فقدها أكبر قدر من القلق لدى الباحثين، حيث أنها البعثة الوحيدة المزودة بأداة تراقب ظهور الانبعاثات الكتلية الإكليلية نحو الأرض، وهي الأداة الأساسية التي ما تزال مستخدمة لإعطاء التنبيهات والإنذارات لدى حدوث شيء خطير في الشمس.

تم إطلاق هذه البعثة في 1995، أي أنها بقيت في الفضاء لأكثر من عشرين سنة، وهي فترة تفوق أربعة أضعاف عمرها التشغيلي الافتراضي. تخطط الإدارة الأميركية الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (نوا NOAA) أيضاً لإطلاق مرصدها الشمسي الخاص بها للمساعدة على تعويض بيانات سوهو في إل 1. ومن المفترض أن يتم إطلاق هذا القمر الاصطناعي في 2024، وهو وقت مناسب، حيث يقول لونتاما أن سوهو سيتوقف عن العمل في 2024 على الأكثر، ويمكن أن تؤدي مشاكله الفنية إلى توقفه عن العمل في أية لحظة، ويضيف قائلاً: “يجب أن نحرص على المحافظة على قدرتنا على مراقبة الطقس الفضائي. وإلا، فسوف نفقدها خلال بضع سنوات، وسنفقد معها قدرتنا على حماية بنانا التحتية من الطقس الفضائي”.

المزيد من المقالات حول عالم الفضاء

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!