Article image
تطور أعداد الإصابات المؤكدة في مجموعة من الدول، والمسار المميز لكوريا الجنوبية.
مصدر الصورة: فاينانشال تايمز



أهم العوامل التي ساعدتها على النجاح دون اللجوء إلى فرض إجراءات جائرة مثل منع التنقل والإغلاق الكامل للمدارس والمنشآت والأعمال.

2020-04-15 21:09:57

31 مارس 2020

خلال الأسبوع الماضي، سجلت كوريا الجنوبية متوسط إصابات يومي بالفيروس يقدر بـ 100 شخص، وهو تحسن كبير عن أسوأ أيام التفشي في 29 فبراير عندما بلغ عدد الإصابات في ذلك اليوم وحده ما يقارب 1000 إصابة. 

وعلى الرغم من أن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية قد سجلتا أول إصابة بالفيروس في نفس اليوم 20 يناير، فإن عدد الإصابات المؤكدة في كوريا الجنوبية -حتى وقت كتابة هذا المقال- لم تبلغ 10,000 إصابة، بينما بلغت أكثر من 160,000 إصابة في الولايات المتحدة.

 

المصدر: المركز الكوري الجنوبي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها

يقول رئيس برنامج الطوارئ الصحية في منظمة الصحة العالمية: “هناك نماذج لدول مثل كوريا الجنوبية، حيث لم تضطر الحكومات إلى تطبيق سياسات الإغلاق الكامل، لقد تمكنوا من اتخاذ إجراءات تكتيكية فيما يتعلق بالمدارس والتنقل ومتابعة كبح الفيروس من دون الحاجة لإجراءات صارمة”.

فكيف نجحت كوريا الجنوبية في كبح تفشي الفيروس من دون اللجوء إلى فرض إجراءات جائرة مثل منع التنقل والإغلاق الكامل للمدارس والمنشآت والأعمال؟

إليكم أهم العوامل التي ساعدت كوريا الجنوبية في التصدي لفيروس كورونا:

أولاً: التعلم من التجربة السابقة

عانت كوريا الجنوبية عام 2015 من انتشار أحد الفيروسات التاجية المسببة لمرض متلازمة الشرق الأوسط التنفسية. وقد ساعدت الخبرة التي اكتسبها المسؤولون الكوريون خلال تلك الأزمة في تبني إستراتيجيات فعالة خلال التفشي الحالي لفيروس كورونا. وكان أهم الدروس المستفادة من تجربة عام 2015 هو الشفافية في تزويد المعلومات حول المصابين وأماكن تواجدهم والمستشفيات التي تتم معالجتهم فيها؛ حيث يساعد توفير هذه المعلومات في تجنب المصابين بأمراض القلب أو السكري أو الالتهابات الرئوية لهذه الأماكن، وبالتالي تقليل احتمال التقاطهم للعدوى، باعتبارهم الأكثر ضعفاً في مقاومة فيروس كورونا حسب المعلومات المتوافرة حتى الآن.

كما شكلت اختبارات الكشف عن الإصابة تجربة مريرة لكوريا الجنوبية أثناء عدوى عام 2015؛ حيث استغرق إجراء الاختبار وتأكيد الإصابة عدة أيام، بالإضافة إلى عدم إتاحة أجهزة الاختبار بالسرعة المناسبة. وكان هذا هو الدرس الآخر الذي تعلمه المسؤولون الكوريون، حيث أعادت الحكومة هناك هيكلة نظام السيطرة على الأمراض وسنت قانوناً خاصاً عام 2016 يسمح للمختبرات باستخدام مجموعات الاختبار قبل التصديق عليها في الحالات الطارئة لتفشي الأوبئة.

ثانياً: الاختبار ثم الاختبار ثم الاختبار

قالت وزيرة خارجية كوريا الجنوبية في مقابلة مع بي بي سي إن أهم ما قامت به بلادها لمواجهة فيروس كورونا هو تطوير الاختبارات اللازمة للكشف عن الفيروس حتى قبل أن يرتفع عدد الإصابات. وأضافت: “إن الاختبار أمر في غاية الأهمية في الاستجابة للوباء؛ لأنه يساعد في الكشف المبكر عن الإصابة، وبالتالي يقلل انتشار الفيروس إلى حدوده الدنيا، مما يمكن السلطات الصحية من تطبيق العزل السريع ومعالجة المصابين”. وهذا بدوره يساهم في تقليص عدد حالات الانتشار المجتمعي للعدوى.

في الواقع، لقد شرعت كوريا الجنوبية في تطوير وإنتاج مجموعات الاختبار للكشف عن الإصابة بفيروس كورونا منذ أن أعلن العلماء الصينيون عن التسلسل الجينومي للفيروس وقبل أن تظهر أية إصابات في البلاد. وبعد ظهور أولى الإصابات، استفادت المراكز الكورية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها من قانون عام 2016 وسمحت باستخدام مجموعات اختبار لم يتم ترخيصها بعد. وبدأ إجراء الاختبارات على نطاق واسع وبدرجة عالية من التنسيق؛ حيث تستطيع هذه البلاد إجراء حوالي 15,000 اختبار يومياً في أكثر من 300 مركز، كما يتم تقديم خدمات الاختبارات السريعة ضمن السيارة، حيث تؤخذ عينة من المواطنين خلال دقائق، وتُرسل النتائج إليهم برسالة نصية في اليوم التالي. وحتى يوم 28 مارس، بلغ عدد الاختبارات المنفذة في كوريا الجنوبية 387.925 اختباراً وهو رقم يفوق بكثير العدد الإجمالي للاختبارات في أي دولة أخرى.

ثالثاً: استخدام التكنولوجيا وتتبع الحالات

ترافقت سياسة إجراء الاختبارات على نطاق واسع مع التتبع الدقيق للمصابين والأشخاص الذين احتكوا بهم وفرض الحجر الصحي عليهم. فقد تعاونت السلطات الصحية في كوريا الجنوبية مع الحكومات المحلية من أجل توثيق المعلومات حول المصابين وتحركاتهم باستخدام جميع الوسائل التقنية المتاحة بدءاً من كاميرات المراقبة ووصولاً إلى معلومات تحديد الموقع للهواتف الذكية.

كما أطلقت وزارة الداخلية والسلامة في البلاد تطبيقاً مخصصاً للهواتف الذكية يمكنه مراقبة المواطنين الخاضعين للحجر الصحي. ويسمح التطبيق لأولئك الذين طُلب منهم عدم مغادرة المنزل بالبقاء على اتصال مع العاملين المتابعين لحالاتهم وإبلاغهم عن مستوى التقدم. ويستخدم التطبيق أيضاً نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لتتبّع مواقعهم للتأكد من أنهم لا يخرقون الحجر الصحي. وقال المسؤولون إنه يهدف إلى المساعدة في تتبع حالات الإصابة واتخاذ تدابير الوقاية من “الأشخاص الذين ينشرون العدوى بشكل كبير”.

وقد ساعدت سياسة الشفافية الصارمة للمراكز الكورية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها على ظهور مجموعة كبيرة من خدمات الخرائط المطوّرة من قِبل القطاع الخاص لتتبع الحاملين المؤكدين للفيروس، في حين تقوم حكومات البلديات والمقاطعات بإرسال تنبيهات طارئة بشكل منتظم إلى هواتف الناس لإبلاغهم عن أي حالات جديدة للإصابة بفيروس كورونا.

رابعاً: القدرة الاستيعابية للمستشفيات

تعتبر الطاقة الاستيعابية للنظام الصحي في أي بلد عاملاً مهماً في تعزيز القدرة على معالجة الحالات الخطيرة وتخفيض معدل الوفيات الناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا. وتتميز كوريا الجنوبية بالاستطاعة الكبيرة لمستشفياتها مقارنة بالدول الأخرى؛ حيث تمتلك قدراتٍ أعلى بكثير من إيطاليا وإسبانيا مثلاً على استيعاب المرضى ومعالجة الحالات الناتجة عن الإصابة بمرض كوفيد-19، وربما هذا ما يُفسر نسبة الوفيات المنخفضة جداً في كوريا الجنوبية بالمقارنة مع نسبة الوفيات الهائلة في إيطاليا وإسبانيا.

لقد نجحت كوريا الجنوبية -حتى الآن في احتواء فيروس كورونا من دون إيقاف عجلة الاقتصاد، وذلك من خلال الاستفادة من خبراتها السابقة في التعامل مع الأوبئة والاعتماد على سياسة الاختبار واسع النطاق بالإضافة إلى التتبع الدقيق لحالات الإصابة المشتبهة وتعزيز قدرات نظامها الصحي. وقد دعا الأمين العام لمنظمة الصحة العالمية البلدان الأخرى إلى الاقتداء بكوريا الجنوبية في معركتهم ضد فيروس كورونا.