Article image

مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز



تظهر عمليات محاكاة جديدة أنه عندما تصطدم بعثة دارت بالكويكب الهدف، قد يبدأ بالدوران والتمايل بطريقة عشوائية.

2021-09-16 18:03:09

16 سبتمبر 2021

لم يكن هناك برنامج فضائي لدى الديناصورات، ولهذا، عندما كان الكويكب الذي قضى عليها متجهاً نحو الأرض منذ 65 مليون سنة، لم يكن لدى هذه الكائنات أي وسيلة للتحذير أو للدفاع عن نفسها. ونعرف جميعاً إلام أدى هذا.

وبطبيعة الحال، فإن البشر لا يرغبون بالتعرض إلى نفس المصير. ولهذا، وفي وقت لاحق من هذا العام، ستطلق ناسا بعثة للتدرب على كيفية حرف كويكب متجه إلى الأرض عن مساره. ومن المقرر أن يتم إطلاق بعثة الاختبار المزدوج لإعادة توجيه الكويكبات (اختصاراً: دارت DART) في 24 نوفمبر على الأقل (وقد تؤجل إلى فبراير في 2022)، وستحتاج إلى سنة للوصول إلى هدفها: كويكب ديمورفوس، وهو كويكب بحجم ملعب كرة قدم يدور حول كويكب أكبر بكثير ويحمل اسم ديديموس.

تتلخص الخطة بضرب ديمورفوس بسرعة 6.5 كيلومترات في الثانية بمركبة دارت الفضائية التي تماثل سيارة في الحجم، وتزن حوالي ثلث الطن، ما قد يؤدي إلى تغيير مداره الذي يستغرق 12 ساعة تقريباً بمقدار بضع دقائق. وبعد ذلك بخمس سنوات، ستصل بعثة هيرا من وكالة الفضاء الأوروبية للتحقق من نجاح هذه البعثة. ستؤثر الصدمة بمقدار طفيف على المدار، ولكن يُفترض أن يكون هذا كافياً لحرف الكويكب عن مساره نحو الأرض في المستقبل، بشرط أن تُنفذ الصدمة قبل فترة كافية. يقول توم ستاتلر، أحد علماء برنامج دارت في مقر ناسا في واشنطن العاصمة: “نحن نقوم بهذا حتى تصبح لدينا قدرة فعلية على منع كارثة طبيعية هائلة”.

لقد حظيت التغيرات المحتملة في مدار ديمورفوس بدراسة كافية. ولكننا لا نعرف حتى الآن ما سيحدث لديمورفوس نفسه بعد الصدمة. وفي بحث تم نشره في مجلة Icarus، وثّق الباحثون أولى عمليات المحاكاة المخصصة لدراسة هذه المسألة.

قاد هاريسون أجروسيا من جامعة ماريلاند البحث، حيث صمم الباحثون نموذجاً للتغيرات الدورانية التي يمكن أن تطرأ على ديمورفوس بسبب دارت، وذلك بحساب العزم الذي ستؤثر فيه الصدمة على جميع زوايا دوران الكويكب. ووفقاً للباحثين، فإن النتائج يمكن أن تكون مثيرة للغاية. يقول أجروسا: “قد يبدأ الكويكب بالتقلب وينتقل إلى حالة عشوائية”. “وهو ما شكل مفاجأة كبيرة للغاية بالنسبة لنا”.

يمثل هذا الدوران غير المتوقع بعض التحديات المثيرة للاهتمام. فسوف يزيد من صعوبة الهبوط على سطح الكويكب، وهو ما تأمل إيسا بمحاولة تنفيذه بمركبتين فضائيتين صغيرتين في بعثة هيرا. كما قد يزيد من صعوبة المحاولات المقبلة لحرف هذا الكويكب المتجه إلى الأرض عن مساره، حيث إن أي دوران يمكن أن يؤثر في مسار الكويكب عبر الفضاء.

عندما ترتطم دارت بديمورفوس، فإن طاقة الصدمة ستكون مكافئة لانفجار ثلاثة أطنان من الديناميت، ما سيؤدي إلى قذف الآلاف من قطع الحطام نحو الفضاء. ويشبه ستاتلر هذه العملية بعربة جولف تتحرك بسرعة 24,000 كيلومتر في الساعة لترتطم بجانب ملعب كرة قدم. ووفقاً لأجروسا وفريقه، فإن قوة الصدمة لن تسبب أي تغيرات فورية على دوران ديمورفوس، لكن الوضع سيبدأ بالتغير خلال بضعة أيام.

فبعد فترة قصيرة، سيبدأ ديمورفوس بالاهتزاز بشكل خفيف للغاية. وسيشتد الاهتزاز شيئاً فشيئاً مع اختلال توازن دوران ديمورفوس بسبب عزم الصدمة، دون وجود أي احتكاك في الخلاء الفضائي لإبطائه. وقد يبدأ ديمورفوس بالدوران بأي من الاتجاهات. فقد يبدأ بالدوران حول محوره الطولاني، تماماً مثلما يحدث على سيخ الشواء. وبالنسبة لمراقب ينظر إلى السماء من على سطح ديديموس، فإن هذا القمر الذي كان يبدو ساكناً سيأخذ شكلاً جديداً، حيث يبدأ بالتأرجح بشكل عشوائي جيئة وذهاباً، مع ظهور جوانبه التي كانت مخفية من قبل.

وخلال أسابيع، قد يزداد دوران ديمورفوس إلى درجة انتقاله إلى حالة من التقلب العشوائي والدوران المفرط حول محاوره. وفي السيناريوهات الأكثر تطرفاً، يمكن أن يفلت الإقفال المدي مع ديديموس تماماً، وعندها قد يبدأ ديمورفوس بالتقلب “رأساً على عقب”، كما يقول أجروسا.

هناك عدة عوامل ستحدد ما سيحدث فعلاً. فسوف يلعب شكل ديمورفوس دوراً مهماً، فهو أكثر ميلاً إلى الاستطالة منه إلى الشكل الكروي، ما يعني دوراناً أكثر عشوائية. وتشير عمليات الرصد الراداري حتى الآن إلى أنه مستطيل، ولكننا لن نتأكد تماماً حتى تتمكن بعثة دارت من تصوير الهدف الصغير لأول مرة، قبل ساعتين فقط من ضربه.

وسيلعب مكان الصدمة دوراً مهماً أيضاً. وبما أن الهدف هو التأثير بأكبر قدر ممكن من القوة على الكويكب لتغيير مداره، فسوف تحاول دارت توجيه الصدمة إلى منتصف ديمورفوس، ولكن، كلما كانت الصدمة أبعد عن المركز، كان الدوران الناجم أكثر عشوائية. ومع ذلك، في معظم السيناريوهات الناتجة، يُفترض بديمورفوس أن يتأرجح بقوة جيئة وذهاباً أو يتقلب بعدة اتجاهات مختلفة خلال بضعة أسابيع.

وعندما تصل بعثة هيرا من إيسا بعد خمس سنوات، يمكن أن تشهد منظراً مثيراً للغاية للكويكب ديمورفوس وهو يدور بعشوائية وبسرعة عالية في مداره حول ديديموس بسبب تدخل البشر. ومن المرجح أن تمر عدة عقود، وحتى عدة قرون، قبل أن يتمكن السحب الثقالي لديديموس من إعادة ديمورفوس إلى حالته الأصلية، التي يُفترض أنها مقفولة مدياً. يقول ستاتلر: “إن احتمال اكتشاف هيرا لديمورفوس في حالة من التقلب العشوائي أمر مثير للاهتمام والحماسة إلى درجة كبيرة”.

لن نعرف ما حدث بالضبط لدوران ديمورفوس قبل وصول هيرا، لأن الصدمة ستؤدي إلى تدمير دارت، كما أن ديمورفوس صغير إلى درجة تستحيل معها رؤيته من الأرض بالتفصيل. سيتم إطلاق قمر اصطناعي صغير باسم ليسياكيوب قبل التصادم، وسيلتقط الصور في أثناء الحدث مع مروره قرب الكويكب، ولكن هذا سيستمر بضع دقائق فقط، وهذا ليس كافياً على الإطلاق لمتابعة تصاعد الاهتزاز.

أيضاً، تخطط هيرا لإطلاق قمرين اصطناعيين أصغر حجماً في محاولة للهبوط على سطح ديمورفوس. ليس من المتوقع أن تؤدي حركة التقلب إلى تقويض هذه المحاولة، ولكنها قد تزيد من صعوبتها. فمن دون التخطيط المناسب استعداداً للدوران العشوائي، يمكن أن تقفز المركبتان الصغيرتان هنا وهناك، كما يمكن ألا تهبطا في الموضع الذي يريده العلماء. يقول باتريك مايكل من المركز الفرنسي الوطني للبحث العلمي (CNRS)، وهو أحد قادة بعثة هيرا وأحد المؤلفين المشاركين في بحث أجروسا: “إن الهبوط على جسم صغير بهذا الحجم أمر صعب على أي حال”. “لكن هذه المشكلة ستزيد من صعوبة هذه المحاولة”.

ليس من المتوقع أن تؤثر حركة ديمورفوس المتقلبة في تجربة دارت حول إنقاذ الأرض، ولن تشكل أي خطر علينا نحن سكان الكوكب، ولكن قد يقدم لنا هذا الحدث بعض المعلومات المفيدة علمياً. فقد تؤثر حالة الدوران للكويكبات في بعض الخصائص الأخرى، مثل مقدار ضوء الشمس الذي تعكسه، ما يمكن أن يؤثر في مساراتها، وهو شيء قد يستحق أن نأخذه بعين الاعتبار في البعثات المستقبلية لحرف مسارات الكويكبات. يقول بول ويجرت من جامعة وسترن أونتاريو: “ليس الأمر مجرد عملية صدم بسيطة للكويكب بمركبة فضائية”. “فهناك الكثير من العوامل الفيزيائية التي يجب فهمها”.

إضافة إلى ذلك، فإن مراقبة هذا النظام لسنوات أو عقود أو حتى قرون سيقدم لنا فرصة غير مسبوقة لدراسة تطوير أنظمة الكويكبات الثنائية بعد التعرض إلى صدمات كهذه. ويمكن لبعثة هيرا وحدها أن تقدم لنا بعض المؤشرات حول مدى قوة التأثير المدي في إعادة النظام إلى حالته الطبيعية، وتساعدنا في فهم العلاقة الثقالية بين كويكبين كهذين.

وباختصار، يبدو أننا سنرى ما سيحدث عند صدم عربة جولف بملعب. وقد تكون النتائج، ودون مبالغة، عشوائية. تقول فريدريكا سبوتو، التي تدرس ديناميك الكويكبات في مركز هارفارد- سميثسونيان للفيزياء الفضائية في ماساتشوستس: “إنه أمر رائع للغاية”. “سنقوم فعلياً بتعديل نظام من الأجرام السماوية”.


شارك