Article image
جسر وستمنستر هادئ جداً في لندن عند الصباح.
مصدر الصورة: أسوشييتد برس



حوار حول نموذج جديد واسع التأثير لفيروس كورونا، حول المقايضات التي يجب إجراؤها في مواجهته.

2020-04-15 22:49:23

19 مارس 2020

قامت حكومة المملكة المتحدة يوم أمس بمراجعة جذرية لإرشاداتها الرسمية استناداً إلى نموذج جديد طوّره فريق من إمبريال كوليدج لندن. ويوضح النموذج النتائج المحتملة لإستراتيجيتين رئيسيتين: الأولى هي التخفيف، الذي يهدف إلى القضاء الكامل على انتقال الفيروس، والثانية هي الكبح، الذي يهدف إلى تخفيض معدل الانتقال إلى مستوى لا يتم عنده إنهاك خدمات الرعاية الصحية إلى أن يتم العثور على لقاح.

وبناءً على النموذج، تتبنى حكومة المملكة المتحدة الآن إستراتيجيةً أقرب إلى الكبح منها إلى التخفيف. ويؤثر النموذج على السياسة المتبعة في الولايات المتحدة الأميركية؛ لذا اتصلتُ بفرانسوا بالوكس، وهو مختص بعلم الأوبئة الحسابي في جامعة كوليدج لندن، وقد عمل مع الباحثين في إمبريال كوليدج لندن عندما كانوا يطوّرون النموذج. لقد تم تحرير هذه الأسئلة وأجوبتها توخياً للوضوح.

تعتمد جودة أي نموذج على العوامل التي يتضمنها، فما الافتراضات التي يضعها هذا النموذج؟
أعتقد أن النموذج معقد للغاية؛ إنه مفصَّل وواقعي، ولكنه يضع الكثير من الافتراضات، وبعضها ليس صريحًا للغاية. ولكن فيما يتعلق بالأرقام الإجمالية، أعتقد أنه صحيح. ورغم أن النموذج لا يقدم أرقاماً محددة، لكنه يقترح مجالات للأرقام. وتشير هذه الأرقام إلى أنه من المرجح أن يحتاج عدد كبير من الناس إلى رعاية باهظة التكاليف، وتشير أيضاً إلى احتمال موت الكثيرين. لكن الأعداد كبيرة بغض النظر عن العوامل التي يتم تغييرها في النموذج، لذا لا تشكل قراءة التقرير تجربةً لطيفة، وفي الحقيقة، تُعتبر السيناريوهات التي يقدمها متفائلةً للغاية.

من أي ناحية؟
هناك بعض المتغيرات المهمة التي لم يتم تضمينها في النموذج؛ على سبيل المثال، يفترض النموذج أنه إذا أصيب شخصٌ ما، فسيكتسب مناعة ضد الفيروس مدى الحياة. لكننا لا نعرف مدى صحة ذلك في الحقيقة؛ إذ إننا لا نعلم كم من الوقت يبقى الناس محصَّنين بعد الشفاء، ولسنا واثقين من إمكانية إصابتهم بالعدوى مرة ثانية، وحتى إذا كان ذلك ممكناً، فنحن لا نعلم بعدَ كمْ من الأشهر قد يلتقطون العدوى من جديد. سيؤدي تضمين هذه الإمكانية في النموذج إلى تغيير نتيجته بقدرٍ لا بأس به، وليس نحو الأفضل.

والأمر الآخر الذي لا يأخذه النموذج في الاعتبار بشكل صحيح هو الموسمية؛ فعلى سبيل المثال، تكون نزلات البرد أكثر شيوعًا في فصل الشتاء منها في الصيف. ونزلات البرد هي أيضاً أحد أنواع الفيروسات التاجية، ومن بعض النواحي، هناك أوجه شبه كبيرة بين الاثنين. لكن النموذج لا يراعي حقاً هذا التغيير على مدار العام. وأنا لا أقصد من كلامي أنه كان ينبغي عليهم النظر في تأثير الطقس الدافئ أو البارد على الفيروس، لكن ما أعنيه هو أنهم يفترضون فقط وجود عدد معين من أسرَّة المستشفيات على مدار العام، وهذا غير صحيح؛ حيث إن خدمات الرعاية الصحية تتعرض لضغط وإنهاك كبيرين في فصل الشتاء. وإذا لم تكن أسرّة وحدات العناية المركزة هذه مجانية في الشتاء، فستكون درجة تفشي الفيروس أسوأ بكثير.

يتضمن النموذج أيضًا افتراضات حول سلوك الأشخاص، كيف يتم تضمين هذا الأمر؟
يتم نمذجة الابتعاد الاجتماعي بواسطة معدل انتقال منخفض؛ حيث تفترض أنه إذا لم يكن الناس على مقربة من بعضهم البعض، فسينخفض معدل انتقال العدوى. وبالطبع، تفترض في النموذج وجود تنفيذ فعال لإجراءات الابتعاد الاجتماعي أو العزل. ولكن إذا نظرت إلى أرقام النموذج، فستجد أن الباحثين لا يقولون إنه يجب ألا يكون هناك أي احتكاك بين الأشخاص على الإطلاق، إنهم يقولون فقط إنه يتم تخفيض الاحتكاك بمقدار x أو بمقدار y.

نعم، يفترض النموذج أن نسبةً معينة من الناس ستلتزم بالإرشادات الرسمية، لكننا لا نعرف ما الذي سيفعله الناس. يمكننا أن ننصحهم بعدم الخروج إلى المقاهي، ويمكننا أن ننصحهم بعدم الذهاب إلى العمل، ولكن إذا لم تُفرض هذه السياسات -وهو ما يتم بالفعل في العديد من البلدان ولكن فرضه ليس مطروحاً على الطاولة في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة- فكيف تعرف أن هذه الافتراضات صحيحة فعلاً؟
هذا ليس صحيحاً تماماً. بالتأكيد، يمكنك توصية الناس بعدم الخروج، وسيكونون أحراراً في الاستماع إليك من عدمه. سيتوقف ذلك على مدى جودة نقل الرسالة وما إذا كان الناس خائفين حقاً بشأن صحتهم. من الصعب للغاية، خاصة في البلدان الديمقراطية، رؤية الأشخاص يتعرضون للتهديد بغرامات كبيرة إذا خرجوا من منازلهم لسببٍ غير ضروري أو إذا شكَّلوا تجمعاً بحجم معين.

أنا لست عالم نفس، ولكن أعتقد أن الناس سيلتزمون من تلقاء أنفسهم، أنا لا أشعر بقلق كبير إزاء هذا الموضوع. قبل أسبوعين كان الأمر مختلفاً، عندما كان الناس يقولون: “أوه، إنها مجرد أنفلونزا”. ولكن الآن بعد أن أصبح الأمر جدياً، ستتغير المواقف بسرعة كبيرة. لقد بدأ الناس يقلقون، وعندما يشعر الناس بالقلق، فإنهم يستمعون إلى النصيحة. على أي حال، فإن الافتراض القائل بأن الأشخاص لا يمكن أن يصابوا أكثر من مرة هو أكثر أهمية بالنسبة لدقة النموذج من امتثالهم لإرشادات العزل أو عدمه.

يفترض النموذج على ما يبدو أن عدد أسرَّة وحدات العناية المركزة سيظل ثابتاً، لماذا لا يمكننا إضافة المزيد من الأسرّة؟
يوجد في المملكة المتحدة حوالي 400 سرير وحدة عناية مركزة، ويشغل المرضى 80% منها بالفعل. بينما يوجد 100,000 سرير مستشفى عادي، ويمكن إعادة تجهيز بعض تلك الأسرّة لتصبح أسرة عناية مركزة. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالأسرّة؛ إذ ستحتاج إلى معدات، بما في ذلك أجهزة التهوية، التي نحن في أمس الحاجة إليها. ولكن حتى إذا كان من الممكن إعداد هذه الأسرّة الإضافية لتصبح أسرّة عناية مركزة، فلن نكون قد حللنا إلا مشكلة واحدة. فأنت في حاجة أيضاً إلى الطواقم الطبية؛ حيث إن الأطباء والممرضات في وحدة العناية المركزة مدربون تدريباً عالياً، ولا يمكنك إحضار أي شخص ليقوم بعملهم.

لقد غيرت الحكومة مسارها الآن، ويبدو أنها تتبع إستراتيجية أقرب إلى الكبح منها إلى التخفيف، هل هذا ما يُوصي به النموذج؟
يشير النموذج إلى أن التخفيف له جانب سلبي كبير؛ حيث سيؤدي إلى الكثير من الوفيات في الأشهر القليلة الأولى. لكنه لا يقول صراحةً إنها إستراتيجية أسوأ من غيرها. قلة قليلة من الناس فهمت ذلك؛ فمن ناحية، تترتب على التخفيف عواقبُ مدمرة على المدى القريب، بما في ذلك ارتفاع عدد الوفيات، ولا سيما بين كبار السن. لكن من ناحية أخرى، يفترض الخيار الآخر، أي الكبح، أن القيود الاجتماعية القوية للغاية ستظل قائمة حتى يتم العثور على لقاح ناجح، وهو ما يمكن ألا يحدث. لا يوجد حلّ سهل للمشكلة؛ فهناك أمرٌ آخر يجب دراسته عن كثب، وهو تأثير أي إستراتيجية طويلة الأمد على الاقتصاد؛ حيث إنه إذا حدثَ تباطؤ اقتصادي هائل، فسيكون لذلك تداعيات كبيرة على صحة الناس.

إذن، إذا اتبعت إستراتيجية التخفيف، فإنك تقامر بحياة الناس، من خلال القول بأن الكثير من الناس سيموتون في المدى القريب. ولكن إذا اتبعت إستراتيجية الكبح، فإنك تقامر بمستقبل مجهول، سيموت فيه الناس على مدى أطول من الزمن.
بشكل أساسي، الجواب هو نعم. إذا كنت في حالة حرب، فقد تتقبل خسارة الكثير من الناس في المعركة الأولى وأنهم لم يموتوا سدى إذا كان ذلك يعني تحقيق نهاية أسرع للحرب. ولكن من المهم ملاحظة أن النموذج لا يحدد أي الخيارين هو الأفضل. وفي كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بالخيار؛ فإذا أجريت موازنة بين التخفيف والكبح، مع الأخذ في الاعتبار كيف يمكن أن يتطور تطبيقهما على مدى عام أو عامين، فأنا لست متأكدًا من الإجابة، أقول ذلك بالطبع من وجهة نظر علمية.

وفوق كل ذلك، هناك اعتبارات أخلاقية وسياسية، بما في ذلك الرفض التام لتقبّل عدد كبير من الوفيات على المدى القصير. لكن لا يحدد النموذج نفسه أي الخيارين هو الصحيح، حتى إذا كنت تريد معرفة الإستراتيجية التي ستنقذ المزيد من الأرواح بشكل عام. في الواقع، أنا أتساءل إلى أي مدى سيتقبّل السكان موضوع الابتعاد الاجتماعي، لكن لا تسيؤوا فهمي، فأنا لا أملك الجواب، إنها معضلةٌ صعبة للغاية علينا مواجهتها.