ما الذي يُميّز نموذج ألفافولد 3 من جوجل عن الإصدارات السابقة؟

4 دقيقة
حقوق الصورة: جوجل ديب مايند
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أطلقت شركة جوجل ديب مايند (Google DeepMind) نسخة محسّنة من أداتها المخصصة للتنبؤ البيولوجي المسماة ألفافولد (AlphaFold)؛ التي تستطيع أن تتنبأ ببنية البروتينات، إضافة إلى عناصر الحياة البيولوجية كلها تقريباً. إنه تطوير يتيح تسريع عمليات اكتشاف الأدوية وغيرها من الأبحاث العلمية. حالياً، تُستَخدم الأداة في إجراء التجارب المتعلقة بتحديد كل شيء، بدءاً من المحاصيل المقاومة للظروف الصعبة وصولاً إلى اللقاحات الجديدة.

اقرأ أيضاً: جوجل ديب مايند ترغب في وضع تعريفها الخاص للذكاء الاصطناعي العام

وعلى حين كان النموذج السابق الذي أصدرته الشركة في 2020، مدعاة لذهول الأوساط البحثية بسبب قدرته على التنبؤ بالبنى البروتينية، فإن الباحثين كانوا يطالبون بتحسين قدرات هذه الأداة كي لا يقتصر استخدامها على البروتينات. حالياً، تقول ديب مايند إن ألفافولد 3 يستطيع التنبؤ ببنية الحمض النووي والحمض النووي الريبوزي والجزيئات مثل الربائط (الربيطة هي ذرة أو أيون أو جزيء مرتبط بذرة الفلز المركزية في المعقدات التساندية)، التي تُعد أساسية في اكتشاف الأدوية. تقول ديب مايند إن الأداة تقدم تصوراً أدق وأكثر حركية للتفاعل بين الجسيمات مقارنة بأي شيء كان متاحاً من قبل.

إمكانات كبيرة لألفافولد 3

وفي مكالمة هاتفية، قال الرئيس التنفيذي ديميس هاسابيس للصحفيين: “علم الأحياء نظام حركي ومتقلب. تنشأ خصائص علم الأحياء من التفاعلات بين الجزيئات المختلفة في الخلية، ويمكنكم أن تعتبروا أن ألفافولد 3 يمثل أول خطوة كبيرة لنا نحو نمذجة هذه التفاعلات”. ساعدنا ألفافولد 2 على وضع تصور أفضل للقلب البشري، ونمذجة مقاومة مضادات الميكروبات، وتحديد بيوض الطيور المنقرضة؛ لكننا نجهل حتى الآن التقدم الذي سنتمكن من تحقيقه من خلال ألفافولد 3.

يعتقد الأستاذ المساعد المختص في علم أحياء الأنظمة في جامعة كولومبيا، محمد القريشي، وهو غير مرتبط بديب مايند، أن النسخة الجديدة من النموذج ستقدم أداء أفضل في مجال اكتشاف الأدوية. ويقول: “كان نظام ألفافولد 2 قادراً على التعامل فقط مع الحموض الأمينية؛ ولهذا كانت فائدته في مجال الصناعات الدوائية الحيوية محدودة. أما الآن، يستطيع النظام من حيث المبدأ، التنبؤ بموضع ارتباط الدواء مع البروتين”. تعمل شركة آيزومورفيك لابس (Isomorphic Labs)؛ وهي شركة تابعة إلى ديب مايند متخصصة في اكتشاف الأدوية، على تحقيق هذا الهدف بالضبط من خلال استخدام هذا النموذج، وتتعاون مع شركات الأدوية في محاولة لتطوير علاجات جديدة للأمراض، وفقاً لديب مايند.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن لإتاحة بيانات تطوير الأدوية للعموم أن تساعدنا على مواجهة الجائحة التالية؟

يقول القريشي إن إطلاق هذا النموذج يمثل قفزة كبيرة إلى الأمام؛ لكن ثمة بعض التحفظات. ويقول: “سيصبح النظام أكثر شمولية بسبب هذا النموذج، وهو أكثر نفعاً بكثير من ألفافولد 2 بالنسبة إلى أغراض اكتشاف الأدوية (في المراحل الأولى من البحث)”. لكن على غرار معظم النماذج؛ فإن أثر ألفافولد يعتمد على مدى دقة تنبؤاته. ففي بعض الاستخدامات، يستطيع ألفافولد 3 أن يحقق ضعف معدل النجاح الذي تحققه النماذج الرئيسة المماثلة؛ مثل روزيتافولد (RoseTTAFold). لكن بالنسبة إلى استخدامات أخرى؛ مثل التفاعلات بين البروتينات والحمض النووي الريبوزي، يقول القريشي إنه ما زال يفتقر إلى الدقة إلى حد كبير.

تقول ديب مايند إن الدقة يمكن أن تتراوح من 40% إلى 80% حسب التفاعل الخاضع إلى النمذجة، علاوة على أن النموذج سيُعْلم الباحثين بمدى ثقته بتنبؤاته. في حالة التنبؤات الأقل دقة، يجب على الباحثين أن يستخدموا ألفافولد فقط بوصفه نقطة بداية، قبل الانتقال إلى استخدام طرق أخرى. وبغض النظر عن مجالات الدقة هذه، إذا كان الباحثون يحاولون اتخاذ الخطوات الأولى نحو الإجابة عن أسئلة مثل تحديد الإنزيمات التي يمكن أن تفكك البلاستيك الذي تتكون منه زجاجات المياه، فقد يكون استخدام أداة مثل ألفافولد أكثر فعالية بكثير من التقنيات التجريبية مثل تصوير البلورات بالأشعة السينية المستخدمة في علم البلورات.

نموذج مُجَدد

كان من الضروري تطبيق تحسينات على البنية الأساسية للنموذج حتى تتناسب مع المكتبة الأكبر حجماً من الجزيئات والمستوى الأعلى من التعقيد. ولهذا؛ قررت ديب مايند أن تعتمد على تقنيات الانتشار التي كان باحثو الذكاء الاصطناعي يعملون على تحسينها باطراد في السنوات الأخيرة؛ والتي أصبحت الآن من العناصر الأساسية في نماذج توليد الصور والفيديو؛ مثل دال-إي 2 (DALL-E2) وسورا (Sora) من أوبن أيه آي (OpenAI).

تعمل هذه التقنيات من خلال تدريب النموذج على الانطلاق من صورة مشوشة، ثم تخفيف هذا التشويش بتاً تلو الآخر حتى الحصول على تنبؤ دقيق. تتيح هذه الطريقة لألفافولد 3 التعامل مع مجموعة أكبر بكثير من المدخلات. يمثل هذا “تطوراً كبيراً بالمقارنة مع النموذج السابق” حسبما يقول المدير في جوجل ديب مايند، جون جمبر. ويضيف قائلاً: “أدى هذا إلى تبسيط عملية تفاعل هذه الذرات المختلفة معاً بأكملها”؛ غير أنها تحمل مخاطر جديدة أيضاً. وكما توضح الورقة البحثية التي تتحدث عن ألفافولد 3؛ فإن استخدام تقنيات الانتشار يسمح للنموذج بأن يهلوس؛ أي يولد بنى تبدو معقولة لكن وجودها مستحيل فعلياً. وقد خفف الباحثون أثر هذه المشكلة من خلال إضافة المزيد من بيانات التدريب إلى المجالات الأكثر عرضة للهلوسة، على الرغم من أن هذا لم يؤدِّ إلى إزالة المشكلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: ديب مايند توظف الذكاء الاصطناعي لابتكار مواد جديدة تستخدم في تصنيع البطاريات

وصول مقيّد

سيعتمد أثر ألفافولد 3 جزئياً على توزيع ديب مايند للوصول إلى النموذج. ففي حالة ألفافولد 2، نشرت الشركة الرموز البرمجية المفتوحة المصدر؛ ما سمح للباحثين بتدقيق الآليات الداخلية للنموذج، وتحسين فهمهم لكيفية عمله. كان النموذج أيضاً متاحاً للأغراض جميعها؛ بما فيها استخدام شركات صناعة الأدوية إياه تجارياً. أما في حالة ألفافولد 3، كما يقول هاسابيس؛ فلا توجد حالياً أي خطط لنشر الرموز البرمجية بالكامل. وبدلاً من ذلك، تصر الشركة على إطلاق واجهة عامة للنموذج تحت اسم “ألفافولد سيرفر” (AlphaFold Server)، وتهدف هذه الواجهة إلى فرض قيود على الجزيئات التي يمكن إجراء التجارب عليها، بالإضافة إلى أن استخدامها يقتصر فقط على الأغراض غير التجارية.

تقول ديب مايند إن هذه الواجهة ستقلل العوائق التقنية وتتيح استخدام هذه الأداة لمختصي علم الأحياء الذين لا يعرفون الكثير عن هذه التكنولوجيا. يقول القريشي إن القيود الجديدة صارمة للغاية. ويضيف قائلاً: “إن الميزة الأساسية للنظام، أي قدرته على التنبؤ بالتفاعلات بين البروتينات والجزيئات الصغيرة، غير متاحة عملياً للاستخدام العام. وهذه الميزة حالياً أقرب ما يكون إلى عنصر تشويقي يروج للنموذج”.