Article image
مصدر الصورة: أوزا شيا عبر أنسبلاش



أحد المجالات التقنية والعلمية التي تعد بحلول للعديد من المشاكل المستعصية بفضل الطرق والآليات الفريدة التي تتيحها في دراسة ومعالجة المواد عند أبعاد متناهية الصغر.

2020-05-07 12:02:09

03 مايو 2020

هنالك الكثير من الكلمات والمصطلحات التي نستخدمها في حياتنا اليومية والتي قد لا ندري معناها أو منشأها الأصلي، وكلمة “نانو” هي إحدى هذه الكلمات؛ حيث يعود أصل هذه الكلمة إلى الكلمة الإغريقية القديمة “نانوس nanus” التي تعني القزم، وفي المجال العلميّ، فإن كلمة نانو تستخدم على نطاقٍ واسع للإشارة إلى الأمور بالغة ومتناهية الصغر التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة. 

ما الذي سيحدث عندما يتم “تقزيم” الأمور، بمعنى تصغيرها إلى حدٍ كبير؟ كيف سيكون سلوك المواد “القزمة” التي لا نستطيع رؤيتها بعين المجرّدة؟ وكيف ستُساهم عملية معالجة المواد “القزمة” على توفير منتجاتٍ ذات أداءٍ أفضل؟ هذه الأسئلة هي ما تُحاول التقانة النانوية الإجابة عنه وتحقيقه.

توطئة: إلى أي حد النانومتر واحد صغير؟

في علم المقاييس، يتم استخدام كلمة نانو للإشارة إلى أي بعدٍ أو قيمة بعد ضربها بمعاملٍ قدره 1 على مليار، وبالتالي فإن قيمة مثل نانوثانية تُعادل 0.000000001 من الثانية الواحدة، وبالنسبة للمقاييس المرتبة بالطول، فإن واحد نانومتر هو عبارة عن 0.000000001 من المتر، أو واحد على المليار من المتر. 

من أجل تخيل مدى صغر هذا الرّقم، فإن من المفيد ذكر مثالٍ نستطيع التعامل معه: تعتبر الشعرة البشرية أحد الأمور بالغة النحافة، وبالرّغم من ذلك فإنها مرئية بالنسبة لنا. لو أردنا تمثيل عرض الشعرة الواحدة باستخدام واحدة النانومتر، فإننا سنجد أن الشعرة البشرية تمتلك عرضاً يتراوح ما بين 80 وحتى 100 ألف نانومتر. بالنسبة للخلايا المتواجدة في جسم الإنسان، فإن أبعادها تصل حتى 100 ميكرومتر (الميكرومتر هو واحد على مليون من المتر) أي حوالي 100 ألف نانومتر، وبالنسبة لخلايا الدم الحمراء التي تعتبر أصغر أنواع الخلايا في الجسم، فإنها تمتلك قطراً يتراوح ما بين 6.2 وحتى 8.2 ميكرومتر، أي ما بين 6200 وحتى 8200 نانومتر. لو أردنا أن نوضح ذلك بمثالٍ آخر، نستطيع أن نأخذ مسماراً منزلياً ذو قطرٍ يبلغ 1 سنتيمتر؛ يمكن تمثيل قطر المسمار باستخدام واحدة النانومتر، وبهذه الحالة فإن قطره سيبلغ 10 مليون نانومتر.

على الرّغم من أن واحدة النانومتر صغيرة جداً، إلا أن من الجدير بالذكر أن التقديرات المتعلقة بأبعاد الذرات تُشير إلى أن الذرة الواحدة تمتلك بعداً وسطياً أقل من نانومتر واحد، حيث تم تقديره ليمتلك مجالاً يتراوح ما بين 0.03 وحتى 0.3 نانومتر. هذا أمرٌ من الهام معرفته عند الحديث عن التقانة النانوية، فقد يتم الإشارة لها على أنها التقنية التي تتيح التلاعب بالذرات أو معالجة المواد على الأبعاد الذرية، وهو أمرٌ غير دقيق، ولو أن العديد من التجارب والاختبارات أظهرت قدرةً على التلاعب بالذرات المنفردة وتشكيل أنماط معينة، مثل تجربة شركة آي بي إم الشهيرة سنة 1989 التي تم عبرها كتابة شعار الشركة باستخدام 35 ذرة زينون.

تمكنت شركة آي بي إم من تشكيل شعارها عبر رص 35 ذرة من مادة الزينون سنة 1989، في تجربةٍ علمية فريدة أثبتت إمكانية التلاعب بالذرات منفردةً.
مصدر الصورة: ويكيبيديا

العمليات عند النانومتر: مفهوم التقانة النانوية

يُعبر مصطلح التقانة النانوية (أو تقنية النانو، أو تقانة النانو كما ترد ببعض المراجع) إلى المجال العلمي الواسع المرتبط بالظواهر والخصائص التي تبديها المواد عند أبعادٍ صغيرةٍ جداً عند حدود 100 نانومتر وأقل، والقدرة على معالجة المواد عند هذه الأبعاد الصغيرة واستثمار الميزات الفريدة التي تبديها من أجل إنتاج تطبيقاتٍ أكثر كفاءة وأكثر جودة. وعندما نريد توصيف سلوك المواد وطرق المعالجة التي نستطيع مشاهدتها بالعين المجرّدة، فإننا نستخدم مصطلح “المجال الماكروي (المرئي) Macroscopic Scale” وعندما نريد الإشارة لسلوك المواد وطرق معالجتها والتلاعب بها عن أبعادٍ متناهية الصغر فإننا نستخدم مصطلح “المجال الميكروي (المجهري) Microscopic Scale”. تنتمي التقانة النانوية -من حيث المبدأ- للعالم المجهريّ غير القابل للرؤية بالعين المجرّدة، ولكنها تختلف عن تقنيات المعالجة المجهرية الأخرى بأنها تتعامل مع أبعادٍ صغيرة جداً، وأنها تتطلب أن تمتلك المواد خصائص فريدة ومتميزة عند هذه الأبعاد. 

يجب الإشارة إلا أنه لا يوجد تعريف واحد ومتفق عليه حول التقانة النانوية. يعتبر البعض أن أي مادة أو عملية أو ظاهرة يتم إنشاؤها أو التحكم فيها عند أبعادٍ تقل عن 100 نانومتر يمكن تصنيفها على أنها شكلٌ من أشكال التقانة النانوية. اعتبار الرقم 100 نانومتر على كونه الحدَّ الفاصل بين ما يعتبر تقانة نانوية وما هو ليس كذلك ليس أمراً دقيقاً في كل الحالات، فبعض المواد قد تظهر خصائص فريدة ومتميزة عن أبعادٍ أكبر من 100 نانومتر، وبالتالي فلماذا لا يتم اعتبارها أحد منتجات تقنيات التصنيع النانوي؟ هذا الأمر هو ما يجعل مفهوم التقانة النانوية مرناً نوعاً ما ليشمل المواد التي قد تمتلك أبعاداً تتجاوز 100 نانومتر، ولذلك فإن توصيف المجالات العلمية التي تستخدم طرق المعالجة النانوية يمتد ليشمل أموراً متنوعة مثل علم الأسطح والكيمياء العضوية والبيولوجيا الجزيئية وفيزياء أشباه الموصلات (أنصاف النواقل)، وتخزين الطاقة والهندسة الجزيئية، فالمهم أن تبدي المادة خصائص فريدة ومختلفة تتيح إمكانيات معالجة أفضل عند هذه الأبعاد الصغيرة بما يؤدي بالنتيجة للحصول على منتجٍ ذي كفاءةٍ أعلى. إن لم تظهر المادة أو لم تمتلك خصائص مختلفة عند الأبعاد متناهية الصغر (سواء كانت أقل أو أكبر من 100 نانومتر) فإنه لا جدوى من معالجتها عند هذه الأبعاد الصغيرة. 

بهذه الصورة، فإن التقانة النانوية مجالٌ واسعٌ جداً لا يرتبط بفرعٍ علميّ أو تقنيّ محدد؛ يتم استخدام طرق المعالجة النانوية من أجل تحسين جودة المواد الكهربائية شبه الموصلة المستخدمة في لوحات الطاقة الشمسية، كما يتم استخدامها من أجل تطوير الأدوية ذاتية التوجيه، فضلاً عن الأبحاث المتعلقة بأنابيب الكربون النانوية ومادة الجرافين التي تهدف لإيجاد بديلٍ فعال عن السليكون كمادةٍ خامة تستخدم في صناعة شرائح المعالجة الحاسوبية، بما يسهم في استمرار تضاعف عدد الترانزيستورات على الشريحة الواحدة، أي المحافظة على قانون مور. في الواقع، تعتبر أنابيب الكربون النانوية في الوقت الحاليّ مجالاً بحثياً قائماً بحد ذاته، نظراً للآمال الكبيرة التي تعد بها هذه المادة والتطبيقات المختلفة التي قد تتيحها. 

هناك مجالٌ واسعٌ في القاع: التطور التاريخي للتقانة النانوية 

تعود قصة التقانة النانوية إلى محاضرةٍ علمية ألقاها ريتشارد فاينمان، أحد أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين، وذلك ضمن الاجتماع السنوي لجمعية الفيزيائيين الأميركيين سنة 1959، وحملت المحاضرة عنوان “هناك مجالٌ واسعٌ في القاع: الدعوة لدخول مجال جديد في الفيزياء There’s plenty of room at the bottom: An invitation to enter a new field in Physics”. تحدث فاينمان خلال محاضرته عن إمكانية التعامل مع المواد عند أبعادٍ صغيرة تصل لحدود أبعاد الذرة الواحدة، وذلك كطريقةٍ لتحسين طريقة المعالجة والتصنيع والاستفادة من الخواص الفريدة التي تبديها المواد عند تلك الأبعاد، ومن ضمن الجمل الشهيرة التي قالها فاينمان بقيت جملة واحدة ذات صدى قوي فتح المجال أمام طيفٍ واسعٍ من المخيلة العلمية: “لا تتعارض مبادئ الفيزياء -كما أرى- مع إمكانية التحكم في الأشياء ذرةً تلو الأخرى. لا يشكل هذا القول محاولةً للإخلال بأي قانون، بل يمثل أمراً يمكن تطبيقه من الناحية النظرية، ولكن لم يتم تطبيقه على أرض الواقع لأننا ما زلنا كبيرين جداً”. شكلت هذه الجملة ملخصاً للمحاضرة الطويلة التي استعرض فيها فاينمان بشكلٍ فريد سيناريوهاتٍ تخيلية للإمكانيات التي يمكن أن نحصل عليها في حال تطوير طرق تصنيع تتيح التلاعب بالمادة عند أبعادٍ صغيرةٍ جداً.

تطلب الأمر حتى أواسط سبعينيات القرن الماضي ليظهر مصطلح التقانة النانوية Nanotechnology للتعبير عن الوسائل والتقنيات والطرق التي يمكن استخدامها لدراسة واصطناع المواد عند أبعادٍ صغيرة، وذلك عبر العالم اليابانيّ نوريو تانيغوتشي Norio Taniguchi سنة 1974، في معرض حديثه عن العمليات المرتبطة بالمواد شبه الموصلة التي تتيح تحكماً في خصائص المواد عند أبعادٍ نانومترية، وقد وصف تانيغوتشي ذلك بقوله: “تتألف التقانة النانوية من عمليات تشكيل المواد ودمجها وتشويهها ذرةً تلو الأخرى أو جزيئاً تلو الآخر”.

على الصعيد التطبيقيّ والعمليّ، بدأ التطور الفعليّ للتقانة النانوية مع بدء توىفر الأدوات التي تتيح دراسة المواد ومعالجتها عند أبعادٍ صغيرةٍ جداً، فبالرّغم من أن القوانين النظرية التي تحدث عنها ريتشارد فاينمان تشير إلى هذه الإمكانية، إلا أنه لم تكن هناك وسيلة تطبيقية تتيح للعلماء والباحثين مشاهدة التفاصيل الدقيقة للمادة مثل الجزيئات أو الذرات المنفردة. هذا كله تغير سنة 1981 عندما تمكن العالمان جيرد بينينج وهاينريخ روهرير من تطوير نمطٍ جديدٍ من المجاهر يدعى “مجهر المسح النفقيّ STM: Scanning Tunneling Microscope”، الذي أتاح للمرة الأولى مشاهدة الذرات، وقد حصل العالمان على جائزة نوبل للفيزياء بسبب هذا الاختراع سنة 1986.

بدأ العلماء مع تطور التقنيات التي يمتلكونها باكتشاف مركباتٍ وبنى جزيئية جديدة، مثل بنية كرة باكي Buckyball المعروفة اختصاراً باسم بنية C60، حيث تتشكل من مجسمٍ فراغيّ يشبه شكل كرة القدم ويتألف من ذرات الكربون، وهو الاكتشاف الذي فتح الباب أمام نشوء عائلةٍ جديدة من المركبات الكربونية الفريدة المعروفة باسم المركبات الفوليرينية. وفي نفس العام الذي اكتشفت فيه بنية كرة باكي، أي 1985، تم الإعلان أيضاً عن اكتشاف نمط آخر فريد من المركبات وهو النقاط الكمومية Quantum Dots ذات الاستخدامات الكبيرة في مجال التصوير الطبي. ثم في عام 1986 تم الإعلان عن تطوير آلةٍ هامة أخرى، هي مجهر القوى الذرية Atomic Force Microscope -وذلك عبر فريقٍ قاده جيرد بينينج- الذي يتيح مشاهدة وقياس المواد عند أبعادٍ من رتبة النانومتر، بالإضافة للقدرة على التلاعب ببنية المادة، مما جعله وسيلة مشاهدة وتعديل في نفس الوقت. 

في الأعلى: الشكل التخيلي لحلقات مركب البنزين. في الأسفل: الشكل الحقيقي للمركب بعد تصويره لأول مرة بنجاح عبر مجهر القوى الذرية من قبل شركة آي بي إم سنة 2009. 
مصدر الصورة: آي بي إم

مع بدء تسعينيات القرن الماضي بدأت الشركات التجارية المعتمدة على التقانة النانوية بالظهور، وترافق ذلك مع اكتشافٍ هامٍ آخر وهو أنابيب الكربون النانوية، المادة التي تمتلك خواصاً كهربائية وميكانيكية فريدة لا تتصف بها أي مادة أخرى. تم اكتشافها عبر العالم الياباني سوميو ليجيما أثناء عمله في مختبرات شركة NEC. تصاعدت وتيرة الأبحاث المتعلقة بالتقانة النانوية في تسعينيات القرن الماضي بالتوازي مع زيادة عدد الشركات المستثمرة بها، حتى أعلن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عن إطلاق المبادرة الوطنية للتقانة النانوية NNI سنة 2000، لتكون أكبر منصة تدعم الأبحاث والمشاريع المتعلقة بها. ثم حدث سنة 2004 اكتشافٌ علميّ بارز آخر وهو الكشف عن مادة الجرافين Graphene الكربونية عبر كل من أندرو جيم وكوستيا نوفوسيلوف من جامعة مانشستر البريطانية. بشكلٍ مشابه لأنابيب الكربون النانوية، تشكل الجرافين مادةً ذات خواص ميكانيكية فريدة (أقسى من الألماس بالتوازي مع ليونة عالية) بالإضافة لخواصٍ كهربائية ممتازة مثل الناقلية الكهربائية الممتازة، مما يجعلها مرشحاً ممتازاً في مجال الإلكترونيات المرنة وتطبيقات أشباه الموصلات.

شكل تخيلي لأنابيب الكربون النانوية، التي تمتلك خواص كهربائية وميكانيكية فريدة وتحتل جانباً هاماً من أبحاث التقانة النانوية.
مصدر الصورة: موسوعة بريتانيكا

لماذا التصغير؟ خواص فريدة للمادة

عبر هذا المقال ذكرنا طوال الوقت كيف أن التقانة النانوية من حيث المبدأ تشير لإمكانية دراسة المواد والتعامل معها ومعالجتها عند أبعادٍ متناهية الصغر. ولكن السؤال الأساسي: لماذا التصغير؟ ما الفائدة التي سنحصل عليها؟

لفهم هذا الجانب، يجب أن نبدأ من هذه الحقيقة الفيزيائية: سلوك المواد يختلف جداً عند مشاهدتها على الأبعاد الذرية، وهو الأمر الذي يجعل علماء الفيزياء على الدوام يشيرون إلى أن اكتشافاً ما حدث عند أبعادٍ مجهرية (ميكروية) أو مرئية (ماكروية). السلوك غير الاعتيادي للمادة عند الأبعاد الذرية (أو الأبعاد القريبة منها) يتم تفسيره اعتماداً على قوانين الفيزياء الكمومية، التي تُظهر كيف أن الجسيمات والمادة بشكلٍ عام لا يمكن وصفها اعتماداً على القوانين والعلاقات التي نستخدمها في وصف الأجسام المرئية من حولنا. تبدأ الآثار الكمومية بالظهور عند أبعادٍ تتراوح ما بين 1 وحتى 100 نانومتر، وهو السبب الأساسيّ الذي يجعل الكثير من المنظمات والهيئات تربط التقانة النانوية والجسيمات الخاصة بها بهذا المجال البعديّ. 

كمثالٍ بسيطٍ على ذلك، تظهر عند الأبعاد الذرية قوى خاصة تُعرف باسم القوى النووية الضعيفة والشديدة التي تربط البروتونات والنيوترونات داخل النواة الذرية. خارج الأبعاد الذرية لا يوجد أي أثر لهذه القوى. فقوة الجاذبية التي نعرفها جميعاً وتُستخدم على نطاقٍ واسع لوصف ديناميكية حركة الأجسام تعتبر مهملة عند الأبعاد النانوية؛ كونها ترتبط بالكتلة والبعد. ونظراً للكتلة الصغيرة جداً للجسيمات والمواد عند الأبعاد النانوية، يمكن اعتبار أثر هذه القوى مهملاً. على صعيدٍ آخر، تمثل القوى الكهرومغناطيسية لاعباً أساسياً عند هذه الأبعاد بسبب المسافات الصغيرة جداً بين الجسيمات.

بعيداً عن القوى التي تحكم العالم الذريّ، هناك أمرٌ هام يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو البنية؛ حيث يلعب شكل البنية الجزيئية للمادة عند الأبعاد النانوية دوراً فريداً في طبيعة الخواص التي تظهرها المادة عند الأبعاد المرئية، وبهذا الخصوص لا يوجد أفضل من الحديث عن الكربون وأنماط المواد المختلفة التي يمكن تشكيلها منه. لنأخذ مادة الجرافيت كمثال، وهي المادة المستخدمة في صنع أقلام الرصاص. لو نظرنا للبنية الجزيئية للجرافيت لوجدنا أنها تتكون من شرائح ذات سماكة تعادل ذرة كربون واحدة، وتتوضع ذرات هيدروجين على نهايات هذه الشرائح، ويحدث الارتباط بين شرائح الجرافيت كنتيجة لنوعٍ من القوى الضعيفة تسمى: قوى فاندرفالس. وشكل شرائح الجرافيت وطبيعة القوى التي تربطها مع بعضها البعض هي ما يفسر هشاشتها كمادة عندما نقوم باستخدامها. 

ولنأخذ الألماس كمثالٍ آخر: يتكون الألماس أيضاً من ذراتٍ كربونية، ولكنها ترتبط مع بعضها البعض ضمن بنيةٍ معقدة ثلاثية الأبعاد، كما أن ذرات الكربون تشكل فيما بينها روابط ذرية قوية، وهذا الأمر هو ما يجعل الألماس أقسى مادة نعرفها حتى اليوم. الجرافيت والألماس يتكونان من حيث المبدأ من الكربون، ولكن كيفية توضع الذرات ونوع القوى التي تربطها مع بعضها البعض هو الذي يجعل الأولى مادة هشة رخيصة، والثانية من أغلى المواد على سطح الأرض.

تآصلات الكربون: البنية الجزيئية للجرافيت والبنية الجزيئية للألماس هي ما تجعل من الأولى من أرخص المواد على الأرض والثانية من أغلاها.
مصدر الصورة: ويكيبيديا | تعريب: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية

مثال الجرافيت والكربون يمثل فكرةً عن المسعى المطلق للتقانة النانوية: القدرة على التلاعب ببنية المادة عند أبعادٍ صغيرة جداً لتحقيق خصائص مطلوبة وهامة، وهو الأمر الذي لا يزال بعيداً عن المتناول عند النظر للتقنيات الحالية المتاحة. على أرض الواقع، يستطيع العلماء والباحثون حالياً التلاعب بخصائص أخرى للمادة، مثل الطيف التألقيّ الخاص بها، أي اللون الذي قد تصدره عند شروطٍ معينة مثل تعريضها للضوء أو أي نوعٍ آخر من الإشعاعات الكهرومغناطيسية. الذهب هو مثال رائع على هذا الأمر؛ إذ لا يبدي الذهب أي تفاعل مع الضوء عند الأبعاد المرئية المشاهدة بالعين المجردة، ولكن يمكن أن تُبدي جسيمات الذهب النانوية سلوكاً مختلفاً بسبب طبيعة ناقليتها الإلكترونية، وهو ما يجعل تفاعلها مع الضوء مختلفاً. 

هذا الأمر يسمح باستخدام جسيمات الذهب النانوية كعلامة تألقية يمكن ربطها بموادٍ معينة تستهدف الخلايا السرطانية، مما يجعل عملية تصوير الأورام أكثر دقة، كما أن عملية معالجتها ستكون أفضل؛ إذ يمكن توجيه الليزر عالي الطاقة بدقةٍ عالية نحو الخلايا السرطانية من دون التسبب في أذية للخلايا السليمة، طالما أنها يمكن معرفتها بدقة عبر جسيمات الذهب النانوية التي ستتراكم عليها وتصدر طيفاً تألقياً ذا لونٍ مميز يجعلنا قادرين على تمييز الخلايا السرطانية من تلك السليمة. 

التقانة النانوية اليوم، وغداً

وجدت التقانة النانوية طريقها للاستخدام التجاريّ، ولم تعد تمثل أبحاثاً وتجارب مخبرية علمية فقط، ولو أن الكثير من الأفكار والاقتراحات والمواد المرتبطة بها لا تزال محصورةً ضمن المخابر البحثية ولم تجد طريقها بعد للاستثمار والتصنيع التجاريين واسعي النطاق (أبرز الأمثلة على ذلك أنابيب الكربون النانوية والجرافين).

يعتبر أبرز استخدامات التقانة النانوية اليوم في مجال تصنيع المواد المعروفة باسم المواد النانوية Nanomaterials. توجد هذه المواد في العديد من المجالات: الطب، والإلكترونيات وأشباه الموصلات، والأقمشة والألبسة، ومواد تغليف الأغذية وحفظها، ومواد التعقيم، وحتى تحسين كفاءة الوقود عبر استخدام محفزاتٍ كيميائية معززة بمواد نانوية. ومن الأمثلة التجارية الشهيرة جداً للتقانة النانوية هو الطلاء المضاد (الكاره) للماء والسوائل، وهي عبارة عن مواد يمكن رشها على الأسطح أو الأقمشة لجعلها مضادةً للماء، حيث تتصف هذه المواد بكونها ذات درجة كره عالي جداً للسوائل Superhydrophobic مما يجعلها قادرة على نبذ السوائل والماء كلياً ومنعها من الانحلال مع القماش أو حتى السطح المطلي بهذه المادة. 

في المجال الطبيّ كمثال، وبعيداً عن التطبيقات التي لا تزال ضمن مرحلة البحث والتطوير (مثل أنظمة توصيل الدواء الدقيقة المعتمدة على الجسيمات النانوية)، وجدت بعض الأدوية طريقها للأسواق بعد أن تم تصنيعها اعتماداً على مواد نانوية، مثل دواء أبراكسان Abraxan الذي صادقت إدارة الدواء والغذاء الأميركية FDA على استخدامه، والمخصص لمعالجة سرطان الثدي وسرطان البنكرياس، كما تم المصادقة أيضاً على دواء دوكسيل Doxil المخصص لعلاج نوع آخر من السرطانات المرتبطة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، وكذلك الحال بالنسبة لدواء رابامون Rapamune المخصص لعلاج مشاكل رفض الجسم للأعضاء المزروعة الذي تم تصنيعه اعتماداً على البلورات النانوية Nanocrystals. 

وبالنسبة للآمال المستقبلية، فإن هناك الكثير من المشاكل التي يأمل الباحثون في الحصول على حلولٍ لها اعتماداً على التقانة النانوية، مثل تطور صناعة أشباه الموصلات وعدم القدرة على تصغير الترانزيستورات لصناعة معالجة ذات درجة تكامل أعلى (مشكلة قانون مور). ومثالٌ آخر هام هو كفاءة خلايا الطاقة الشمسية المنخفضة؛ حيث لا يتجاوز مردودها 30% (في أفضل الحالات) مما يعني أن 30% من الطاقة الشمسية الواردة عليها يتحول لكهرباء، بينما يتم هدر 70% من الطاقة. تشكل بعض المواد (خصوصاً أنابيب الكربون النانوية والجرافيت) أملاً كبيراً للباحثين لتوفير حلولٍ لهذه المشاكل. 

لا يمكن أن تتسع مقالة واحدة لذكر كل المجالات والتطبيقات والأمثلة التي يتم العمل على إيجاد حلولٍ لها اعتمادٍ على التقانة النانوية والطرق والأدوات التي تتيحها، ويكفي القول بأنها في كل مجال، من الطب والصحة مروراً بالإلكترونيات الاستهلاكية ووصولاً للمستهلكات المنزلية والألبسة، وهذا ما يعطينا فكرةً عن أهمية هذا المجال والقدرات التي يتيحها لنا في المستقبل.