يمثل اللقاح أبرزَ الآمال المعقودة للقضاء على هذه الجائحة، وبالرّغم من الجهود العالمية الكبيرة بهذا الجانب، إلا أنه قد يتأخر، أو قد لا نحصل عليه أبداً.

2020-05-05 11:47:27

03 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: أبياس عبر أنسبلاش

بعد انتشار وباء سارس ما بين عامي 2002 و2003، تم نشر ورقة بحثية مرجعية سنة 2006 حول ظهور الفيروسات المسببة للأمراض التنفسية وكيفية الوقاية منها، وجاء في ملخص هذه الورقة البحثية: “إن المخاطر المصاحبة لأنفلونزا الطيور وإمكانية عودة ظهور فيروسات تاجية مرتبطة بمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة (سارس SARS) بالإضافة للتعرف على عدة فيروسات تنفسية جديدة، تمثل جميعها ضرورةً باتجاه تطوير إستراتيجيات علاجية ووقائية لمحاربة العدوى الفيروسية واسعة الانتشار. ويلعب تطوير اللقاحات دوراً بارزاً في عملية الوقاية ضد العدوى الفيروسية وتخفيض نسبة الوفيات المرتبطة بها”.

اليوم، وبعد 14 عاماً على نشر هذه الورقة البحثية، لا يزال مرض سارس من دون لقاح، ليس هذا فقط، بل إننا نجد أنفسنا تحت ضغطٍ كبير نتيجة الجائحة العالمية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا المستجد، التي تمثل حالياً أكبر التهديدات الصحية للبشرية جمعاء منذ عقود. وبالرّغم من عدم التوصل إلى لقاحٍ ضد مرض سارس (وغيره من الأمراض التنفسية الناتجة عن الإصابة بالفيروسات التاجية)، إلا أن المعرفة المتراكمة منذ ذلك الوقت حتى اليوم -مضافاً لها القدرات التقنية المتقدمة المتمثلة في الحواسيب الفائقة وبرمجيات الذكاء الاصطناعيّ عالية الأداء- ستجعل عملية تطوير لقاحٍ ضد فيروس كورونا المستجد أمراً أسهل، أو هكذا نأمل. فهل سيكون بالإمكان الحصول على لقاحٍ ضد فيروس كورونا المستجد خلال مدةٍ زمنية لا تتجاوز سنتين، في حين أننا عجزنا حتى اليوم عن تطوير لقاحٍ ضد الفيروس المسبب لوباء سارس الذي ظهر لأول مرة منذ 18 عاماً؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب خوضاً في بعض التفاصيل المرتبطة باللقاحات وكيفية تطويرها، ومن ثم إلقاء نظرةٍ على الجهود المبذولة حالياً في مجال التوصل إلى لقاحٍ ضد فيروس كورونا المستجد. 

ما هو اللقاح؟

تعتبر اللقاحات واحدة من أهم الوسائل المتاحة لتحسين المناعة ضد الأمراض المعدية، وتُصنف عملية التلقيح على أنها تحضير وتجهيز حيوي ينتج عنها حصول جسم الإنسان على مناعةٍ مُكتسبة ضد أحد الأمراض المعدية. يتضمن اللقاح عوامل تُشبه في بنيتها وأثرها العوامل المُمرِضة المراد الحصول على مناعةٍ ضدها؛ حيث يتم تطوير اللقاحات لتشتمل على شكلٍ معدل أو مُخفف من العامل الممرض، بحيث يؤدي حقنها في الجسم إلى إحداث أثرٍ يستطيع جهاز المناعة التعامل معه، وبالتالي جعله قادراً على إنتاج الأجسام المضادة التي ستكون قادرةً على التعرف على العوامل الممرضة الدخيلة على الجسم، ومن ثم قتلها، وأخيراً تشكيل ذاكرة عنها بحيث ستكون قادرة على عزل العوامل الممرضة وحماية الجسم منها بسرعة في حال حدوث إصابة مرضية حقيقية في المستقبل.

لعبت اللقاحات دوراً كبيراً في تحسين صحة البشر ككل، وذلك عبر تزويدها لمناعةٍ مكتسبة ضد العديد من الأمراض مثل الجدري وشلل الأطفال وداء الحصبة والسل، وذلك في مناطق واسعة حول العالم. وعلى الرّغم من ذلك، فإن عملية تطوير اللقاح ليس أمراً مضمون النجاح، وقد لا يظهر لقاح على الإطلاق ضد بعض الأمراض.

تطوير اللقاحات

بالرّغم من أهمية اللقاحات ودورها في رفع السوية الصحية في الدول والمجتمعات، إلا أن عملية تطوير اللقاح نفسها تتطلب زمناً طويلاً قبل المصادقة على استخدامه، هذه المدة قد تستغرق وقتاً زمنياً يتراوح ما بين 10 وحتى 15 سنة؛ فمن ناحية، يجب أن يتم التأكد بشكلٍ وثيق من أن اللقاح سيؤدي إلى إحداث الأثر المطلوب منه (أي إكساب الجسم مناعةً ضد عامل ممرض)، ومن ناحيةٍ أخرى، يجب التأكد من أن اللقاح لن يحدث آثاراً جانبية خطيرة وأنه قابل للاستخدام على أكبر شريحةٍ ممكنة من البشر دون أن يشكل أخطاراً أخرى. إن عملية التأكد من وثوقية اللقاحات تجعل من زمن تطويرها طويلاً، وبشكلٍ عام، فإن تطوير أي لقاح يشتمل على الخطوات التالية:

  • مرحلة الاستكشاف: أي البحث عن المواد التي يمكن استخدامها في تصنيع المادة الفعالة للقاح. قد تستغرق هذه المرحلة مدةً زمنية تتراوح بين سنتين وحتى أربع سنوات، وذلك بهدف التوصل للعوامل الممرضة التي يمكن استخدامها في اللقاحات دون أن تحدث أثراً ضاراً على صحة البشر. قد لا يتم اختبار عوامل ممرضة تُحدث أثراً مرضياً في الجسم، بل قد يتم التركيز على اكتشاف مركبات ذات شكل وتركيبة تشبه العامل الممرض المراد تصنيع اللقاح ضده.
  • المرحلة ما قبل السريرية: تتضمن هذه المرحلة إجراء بحوثٍ مخبرية على عيناتٍ خلوية وحيواناتٍ مختلفة (عادةً ما تكون فئران أو قردة) لاختبار اللقاحات الممكنة وتقييم كفاءتها، ويستطيع الباحثون خلال هذه المرحلة معرفة نوعية الاستجابة المناعية التي ستحدثها المواد المرشحة للاستخدام في اللقاحات، وبذلك فإن العديد من المواد المقترحة خلال مرحلة الاستكشاف قد تفشل خلال هذه المرحلة إن لم يثبت قدرتها على إحداث الاستجابة المناعية المطلوبة. قد تستغرق المرحلة ما قبل السريرية مدةً زمنية تتراوح ما بين سنة وسنتين. 
  • مرحلة التطوير السريري: تعتبر هذه المرحلة من أكثر مراحل تطوير اللقاحات حساسيةً، فهي المرحلة التي تبدأ فيها عمليات التجارب السريرية على البشر، وهي بدورها تُقسم إلى ثلاثة أطوار أساسية. في الطور الأول يتم اختبار اللقاح على شريحةٍ صغيرة من البشر تتمتع بصحةٍ عالية ومن المستبعد حدوث مضاعفات جانبية عندها. وفي الطور الثاني -وبعد نجاح عمليات الاختبار في الطور الأول- يتم توسيع الشريحة التي يتم تجريب اللقاح عليها لتشمل أفراداً يمتلكون خصائص صحية معينة (العمر، الحالة الصحية)، وأخيراً في الطور الثالث، وبعد نجاح الطور الأول والثاني، يتم تجريب اللقاح على شريحةٍ واسعة من البشر للحصول على معلوماتٍ من عينةٍ إحصائية كبيرة تثبت فعالية اللقاح وجدوى استخدامه. بعد مرور المادة المرشحة للاستخدام كلقاح ضمن الأطوار الثلاثة بنجاح، قد تقوم شركات الأدوية بإجراء طورٍ رابع يشتمل على اختباراتٍ إضافية تهدف إلى الكشف عن بعض الآثار النادرة التي قد يُحدثها اللقاح بالإضافة لضمان الكفاءة الزمنية الطويلة.
  • المصادقة والمراجعة التنظيمية.
  • التصنيع.
  • إدارة الجودة.

بشكلٍ عام، فإن تجاوز اللقاح مرحلة الاختبارات السريرية بنجاح يشكل تجاوز أكبر الصعوبات من الناحية الطبية في عملية تصنيع اللقاح. وبالنسبة للمراحل الثلاثة الأخيرة، فهي تُشكل خطوات تنظيمية مرتبطة بالجوانب الإدارية والتصنيعية، وهي تتطلب أيضاً وقتاً طويلاً فيما يتعلق بتوزيع عمليات التصنيع وتوفير المواد الأولية وتأمين آليات حفظ مناسبة للمادة الخام للقاح، ومن ثم توفير المادة وتصنيعها بكمياتٍ كبيرة تغطي حاجة السكان. والعملية منذ بدء مرحلة البحث عن اللقاح وصولاً حتى توفره بكمياتٍ كبيرة تمثل كامل التسلسل الزمنيّ اللازم لتطوير لقاح، وهي تتطلب عادةً بين 10 سنوات و15 سنة. من المهم أيضاً معرفة أن عملية تطوير اللقاح تأخذ شكلاً تسلسلياً؛ بمعنى أن الانتقال لكل مرحلة يتطلب نجاح كل المراحل التي سبقتها، وهو الأمر الذي يساهم أيضاً في الوقت الكبير المرافق لعملية تطوير اللقاحات.

الأخبار الجيدة: عمل عالمي جبار للحصول على لقاح

تتسابق الدول والشركات مع الزمن من أجل التوصل إلى لقاحٍ ضد فيروس كورونا المستجد وذلك منذ بدء تفشيه؛ ويوجد في الوقت الحاليّ حوالي 80 مشروعاً مختلفاً حول العالم تعمل كلها من أجل إيجاد لقاحٍ فعال خلال أقصر فترةٍ زمنية ممكنة. بدأت الجهود الرامية لتطوير اللقاح بالتسارع منذ شهر مارس في العديد من الدول حول العالم. وفي بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية، عملت بعض الشركات على حرق مراحل زمنية بشكلٍ كبير، مثل شركة موديرنا الأميركية التي انتقلت  مباشرةً للاختبارات السريرية على البشر قبل إجراء التجارب الخلوية والتجارب على الحيوانات، وذلك في شهر مارس من سنة 2020. على صعيدٍ آخر، وفي أقل من أسبوع، كشفت جامعة أوكسفورد في بريطانيا عن بدء التجارب السريرية على البشر أواخر شهر أبريل 2020 مع أمل التوصل إلى لقاحٍ في شهر سبتمبر من نفس العام، وأتبع هذا الخبر بإعلانٍ آخر من ألمانيا عن بدء مرحلة التجارب السريرية على البشر عبر لقاحٍ من تصنيع بيون تيك Biontech، وذلك على مجموعةٍ من الأشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و55 سنة ويتمتعون بحالةٍ صحية جيدة.

هنالك إذن جهدٌ عالميّ جبار ومتسارع من أجل التوصل إلى لقاح، ويأمل الكثير من العلماء أن العملية التي تستغرق عادةً سنواتٍ طويلة من البحث والاختبار ستكون قابلة للتنفيذ خلال فترةٍ تتراوح ما بين 12 وحتى 18 شهراً، وذلك بدءاً من تفشي الفيروس وتحوله لجائحةٍ صحية عالمية. أفضل التقديرات الحالية تشير إلى احتمال التوصل إلى لقاح في خريف العام الحاليّ ما بين أشهر سبتمبر وأكتوبر، وبشكلٍ عام، فإن معظم التقديرات العالمية تشير إلى أن اللقاح سيتوافر في منتصف سنة 2021 وربما أواخرها. وبالإضافة للشركات والجامعات التي سبق ذكرها، هنالك عددٌ من الشركات الدوائية والمؤسسات الطبية التي نجحت في الوصول لمراحل متقدمة من تطوير اللقاح، والتي يمكن النظر إليها اليوم على أنها أفضل ما يتوافر حالياً كأملٍ مستقبليّ للحصول على لقاح:

لا تعمل الشركات والمؤسسات جميعها على تطوير لقاحٍ واحد، فهنالك عدة طرق وآليات يمكن استخدامها من أجل التوصل إلى للقاحٍ فعال ضد مرض كوفيد-19، وأبرز الطرق المتوافرة حالياً هي اللقاحات الحية المعتمدة على النواقل الفيروسية Live Vaccines with vector Viruses، التي يتم تطويرها اعتماداً على فيروساتٍ معروفة غير مؤذية يمكن لها أن تتضاعف وتنمو داخل جسم الإنسان دون أن تتسبب بأذيةٍ صحية، وبالتالي -وعبر استخدام طرق الهندسة الجينية- يمكن تعديل هذه الفيروسات غير الضارة لتقوم بتحفيز ردة فعل مناعية في جسم الإنسان، وكأنه أصيب بفيروس كورونا المستجد. وبالتالي عند الإصابة بعدوى حقيقية، سيكون جسم الإنسان قادراً على توليد أجسام مضادة تتعرف على الفيروس وتعزله بسرعة، وقد سبق وأن استخدمت هذه الطريقة من أجل تطوير لقاحٍ لوباء إيبولا الشهير، وهي أيضاً الآلية التي تعتمد عليها جامعة أوكسفورد وشركة جونسون آند جونسون في أبحاثها وتجاربها.

تعتمد بعض الشركات والجامعات على طرقٍ أخرى لتطوير اللقاحات، مثل اللقاحات المعطلة ذات البروتينات الفيروسية Inactivated Vaccines؛ حيث تقوم هذه الطريقة على استخدام جسيماتٍ فيروسية (أو أي عوامل مُمرِضة أخرى) بعد تعديلها مخبرياً لتفقد قدرتها على إحداث الفعل المرضي في جسم الإنسان، ولكن عملية تعديلها تستهدف الحفاظ على بنيةٍ فيروسية تسهم في إحداث رد فعل مناعي في جسم الإنسان. وتعتمد كل من شركة نوفافاكس وجامعة كوينزلاند على هذه الطريقة في جهودها الرامية لتطوير لقاح فيروس كورونا المستجد.

أخيراً، تعتمد الكثير من الشركات والمؤسسات الأكاديمية على مبدأ اللقاحات المطورة جينياً Gene Based Vaccines، حيث تمتلك المادة الفعالة للقاح جينات محددة من الفيروس على شكل جسيمات حمض نووي ريبي مرسال mRNA، أو حمض نووي ريبي منقوص الأوكسجين DNA، والهدف من هذه الجينات هو الحث على توليد بروتينات فيروسية ضمن جسم الإنسان، التي ستؤدي بدورها إلى إحداث رد الفعل المناعي المطلوب. المشكلة الأساسية بهذه الطريقة -على الرّغم من كونها واعدة جداً- أنها لا تزال جديدة نسبياً، وحتى اليوم لم يتم المصادقة على أي لقاحٍ يعتمد على الطرق الجينية. أبرز الشركات التي تعتمد على هذه الطريقة هي موديرنا وإينوفيو الأميركيتان، وشركة بيونتيك وكيورفاك الألمانيتين، بالإضافة لتجمع كورونا المفتوح.

الأخبار السيئة: اللقاح قد يستغرق وقتاً طويلاً، وربما لن نحصل عليه

العمل على تطوير لقاح لا يعني بالضرورة الحصول على لقاح، وبحالة فيروس كورونا المستجد، فإن هنالك الكثير من الأسباب التي تدعو للشك في إمكانية حصولنا على لقاحٍ ضده. أثناء مرحلة تطوير اللقاحات، قد يجد العلماء أن مادةً معينة تستطيع توليد الاستجابة المناعية المطلوبة لدى الحيوانات، ولكنها تفشل في توليد نفس الاستجابة عند البشر، وهو ما حدث بالضبط أثناء تطوير لقاحٍ خاص بفيروس سارس (المشابه جداً بشكله وتركيبته لفيروس كورونا المستجد)، وحتى عند الحيوانات، فإن اللقاح تمكن من حث جهاز المناعة على توليد الأجسام المضادة، إلا أن هذه العملية لم تكن فعالة بما فيه الكفاية من أجل القضاء على الفيروس.

ينتمي فيروس كورونا لعائلةٍ من الفيروسات تسمى الفيروسات التاجية، وفي الوقت الحاليّ يوجد أربع فيروسات منها قادرة على إصابة البشر وإحداث أمراضٍ تنفسية ذات مضاعفاتٍ قد تصل حتى الوفاة. لا يوجد حتى اليوم أي لقاحٍ مصادق عليه عالمياً للأمراض الناتجة عن الإصابة بالفيروسات (مثل سارس وميرس)، وبما أن فيروس كورونا المستجد ينتمي لنفس العائلة، فإنه لا يوجد سببٌ منطقيّ يدعو لأن يكون استثناءً عن القاعدة. بمعنى آخر، هنالك صعوبة كبيرة في تطوير لقاحاتٍ لبعض أنواع الفيروسات، وفيروس كورونا المستجد ينتمي لهذا الصنف من الفيروسات. 

أحد المشاكل التي تزيد الوضع تعقيداً في حالة فيروس كورونا المستجد هو أنه جديد؛ لا يزال هنالك العديد من الأمور المجهولة حول المرض نفسه وأثره في الجسم، وكيفية انتقاله والعوامل التي تؤثر عليه. وفي ظل هذا الوضع، فإن عملية تطوير اللقاح ستكون شائكة ومشوبة بالعديد من المتحولات المجهولة، التي قد ينتج عنها آثار غير مرغوبة، مثل أثر “التعزيز المناعي Immune Enhancement”، وهي الحالة التي ستؤدي فيها اللقاحات لآثارٍ معكوسة؛ بدلاً من منع الفيروس من الدخول للخلايا السليمة، ستقوم الأجسام المضادة التي ينتجها جهاز المناعة بمساعدة الفيروس على دخول الخلايا السليمة. هذا الأمر حدث سنة 2016 عندما تم تلقيح حوالي 800 ألف طالب مدرسي في الفلبين بلقاحٍ ضد مرض حمى الضنك، حيث تم ملاحظة ظهور أعراض خطيرة تهدد الحياة على الكثير منهم، وانتهى المطاف بوفاة حوالي 600 طالب كنتيجةٍ للمضاعفات الناتجة عن عملية التلقيح.

هنالك بعدٌ آخر يجب تذكره عند الحديث عن تطوير لقاح فيروس كورونا: يتم بالوقت الحاليّ حرق مراحل زمنية كبيرة من أجل التوصل إلى لقاح خلال أقصر فترة زمنية ممكنة، وقد يكون تطوير لقاح وباء إيبولا أحد المحفزات الأساسية على ذلك؛ حيث تم تجاوز مرحلة الاختبارات المخبرية والتجارب على الحيوانات وتم الانتقال مباشرةً إلى التجارب السريرية على البشر، ليثبت لاحقاً فعالية اللقاح وقدرته على تحصين السكان ضد المرض. لا يمكن إسقاط هذه التجربة وتوقع نفس النتائج في حالة لقاح ضد فيروس كورونا المستجد؛ وذلك لعدة أسباب: بقي تفشي وباء إيبولا محصوراً بشكلٍ محليّ إلى حدٍ ما ولم يمتلك انتشاراً عالمياً كبيراً كما هو الحال مع فيروس كورونا المستجد، وهذا الأمر يعني أن العلماء كانوا قادرين على استهداف شريحة سكانية أصغر وعلى نحوٍ أفضل. من ناحيةٍ أخرى، فإن ما نعرفه حتى الآن هو أن فيروس كورونا المستجد قد يتسبب في تطوير مضاعفاتٍ صحية خطيرة وقاتلة عند الأشخاص المسنين، الذين يمتلكون مشاكل صحية وجهاز مناعة ضعيفاً، وهذا الأمر يعني أن الحالة الصحية للشريحة الأكثر عرضةً للخطر من فيروس كورونا المستجد قد تجعل عملية الاستجابة للقاح مربكة جداً، وبالتالي فإن مزيداً من الاختبارات الدقيقة والحساسة يجب أن تُجرى على هذه الشريحة من الأشخاص قبل المصادقة على لقاحٍ فعال.

عزل الفيروس: أفضل لقاح متوفر حتى الآن

على ضوء المعلومات المتوفرة حالياً، فإن أفضل الطرق المتاحة لمواجهة الفيروس والقضاء على المرض الذي يمكن أن يسببه هو عزل انتشار الفيروس ومنعه من إيجاد أي مضيف جديد عبر الاستمرار بسياسات الابتعاد الاجتماعيّ والحجر الصحيّ الحالية، وليس من الضروري أن تبقى بنفس الشدة الحالية، ولكن بحدٍ أدنى يضمن القدرة على التحكم في أي تفشٍّ جديد للفيروس في حال حدوثه. إن عملية تطوير اللقاح قد تطول حتى سنة 2021 وربما حتى سنة 2022 (بحسب تصريحات المدير التنفيذي لشركة روش السويسرية الرائدة في مجال الأدوية والعقاقير). قد لا نحصل على لقاحٍ على الإطلاق، وقد تطول عملية تطويره سنين كثيرة. وبهذه الصورة، لا يمكن قبول فكرة أننا سنحصل على لقاحٍ بشكلٍ أكيد؛ هذا الأمر يستوجب التحضر دوماً لأسوأ السيناريوهات المتمثلة في أننا لا نملك أي وسيلة سوى لمحاربة فيروس كورونا سوى إجراءات الوقاية الصحية.

في حال صدقت أفضل التوقعات المرتبطة بإمكانية الحصول على لقاح أواخر العام الحالي، فإن هذا الأمر سيشكل أمراً عظيماً ويضع حداً للوضع الاستثنائيّ الذي يعيشه الكوكب بأسره، وإن قمنا بالتحضير للفترة المقبلة اعتماداً على أسوأ السيناريوهات (أي إمكانية عدم الحصول على لقاح) ومن ثم تبين أننا سنحصل عليه خلال فترةٍ زمنية أقصر من المتوقع، فإن هذا الأمر سينعكس بشكلٍ إيجابيّ على كافة الأصعدة وعلى نحوٍ أفضل من تسليمنا بأننا سنمتلك اللقاح هذا العام أو العام المقبل.