Article image
مصدر الصورة: مختبر أرجون الوطني الأميركي


هذا القسم يأتيكم بالتعاون مع:


من شأن جيلٍ جديد من الأجهزة المتخصِّصة أن يسرِّع وتيرة تطوير الأدوية واكتشاف المواد.

يعكف العلماء في مختبر أرجون الوطني الأميركي -الذي يقع على بعد حوالي 48 كم من مركز مدينة شيكاغو- على دراسة مواضيع متنوعة من قبيل: فهم أصل الكون وتطوره، وتصميم بطارياتٍ تدوم طويلاً، بالإضافة إلى تطوير أدوية دقيقة لمعالجة مرض السرطان.

ورغم التباين بين هذه المواضيع البحثية، فإن هناك أمراً مشتركاً بينها جميعاً، وهو أنَّ صعوبتها تكمن في الحجم الهائل لنطاق دراستها؛ ففي مجال اكتشاف الأدوية الجديدة، يُقدَّر أن عدد الجزيئات التي من الممكن أن تحمل ميزات شبيهة بميزات الدواء قد يكون أكبر من عدد الذرات الموجودة في النظام الشمسي. ولا شكَّ أن البحث في هذا الفضاء الهائل من الاحتمالات ضمن المقاييس الزمنية البشرية يتطلب استخدام حوسبةٍ سريعة وفائقة القدرة، لكنَّ هذا النوع من الحوسبة لم يكن متاحاً حتى وقتٍ قريب، مما جعل المَهمةَ مُبهَمةً بشكلٍ لا يمكن تصوّره.

غير أنَّ التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية قد وفَّر طرقاً جديدةً للتعامل مع هذه المشكلة؛ حيث تتفوق خوارزميات التعلم العميق في الاكتشاف السريع للأنماط الموجودة في كمياتٍ كبيرة من البيانات، مما أدى إلى تسريع العمليات الأساسية في مسيرة الاكتشاف العلمي. والآن، تلوح في الأفق ثورةٌ في مجال العتاد الصلب إلى جانب التطويرات في برمجيات الذكاء الاصطناعي.

وقد أعلن مختبر أرجون منذ فترةٍ وجيزة أنه قد باشر في اختبار حاسوبٍ جديد من شركة سيريبراس الناشئة، وهو يبشِّر بإمكانية تدريب خوارزميات التعلم العميق بسرعةٍ أكبر من ذي قبل بعدة مراتب. ويُعتبر هذا الحاسوب -الذي يحتوي على أكبر شريحةٍ إلكترونية في العالم– جزءاً من جيلٍ جديد من أجهزة الذكاء الاصطناعي المتخصِّصة والتي لم يتم استخدامُها قبل اليوم.

يقول ريك ستيفينز، وهو المدير المساعد في مختبر أرجون لشؤون الحوسبة والبيئة وعلوم الحياة: “نركز اهتمامنا على تسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الأبحاث العلمية. ولدينا كمياتٌ هائلة من البيانات والنماذج الكبيرة، ونرغب في رفع أدائها”.

يقع مجمع مختبر أرجون الوطني الأميركي في ضواحي شيكاغو.
مصدر الصورة: مختبر أرجون الوطني الأميركي

حالياً، تُعرف أكثر الشرائح استخداماً في التعلم العميق باسم وحدات المعالجة الرسومية أو جي بي يو GPUs. وهي معالجاتٌ رائعة تعمل على التوازي. وقد كانت تُستخدَم على نطاقٍ واسع في مجال الألعاب وإنتاج الرسوم البيانية، قبل اعتمادها في مجال الذكاء الاصطناعي. ثم تبيَّن بالصدفة أنَّ الخصائصَ التي تسمح لهذه الوحدات بعرض بيكسلات الصور بسرعةٍ هي ذاتُ الخصائص التي تجعل منها الخيار المفضَّل للاستخدام في التعلم العميق.

ولكن وحدات المعالجة الرسومية هي -في الأساس- متعددةُ الأغراض؛ فعلى الرغم من نجاحها في تمكين ثورة الذكاء الاصطناعي لهذا العقد، فإن تصميمها ليس مؤَمثَلاً لأداء هذه المهمة. وبالتالي فإن قصور فعاليتها يؤدي إلى تحديد سرعة الشرائح الإلكترونية في تنفيذ خوارزميات التعلم العميق وإلى استهلاكها لكمياتٍ هائلة من الطاقة أثناء عملية التنفيذ.

إزاء هذه التحديات، تسابقت الشركات لتصميم بنيةٍ جديدة لشرائحَ مناسبةٍ بالتحديد للاستخدام في مجال الذكاء الاصطناعي. وإذا ما نجحت الشركات في سعيها، فسوف تتمكن شرائحُ كهذه من تدريب نماذج التعلم العميق بسرعةٍ أعلى بألف مرة من سرعة وحدات المعالجة الرسومية، وبكميةِ طاقةٍ أقلّ بكثير. وليست سيريبراس سوى واحدة من مجموعةٍ كبيرة من الشركات التي حاولت الاستفادة من هذه الفرصة لجني الأرباح. وتضم هذه المجموعة شركاتٍ ناشئة مثل جرافكور وسامبانوفا وجروك، بالإضافة إلى شركاتٍ كبرى مثل إنتل وإنفيديا.

حاسوب سيريبراس في طور التركيب في مختبر أرجون.
مصدر الصورة: تقدمة من مختبر أرجون الوطني الأميركي

ويقول ستيفنز إنه يجب على أية شريحةٍ جديدة مخصَّصة للذكاء الاصطناعي أن تحقق مجموعةً من المعايير؛ ففي الحد الأدنى، يجب أن تكون هذه الشريحة أسرعَ ب 10 أو 100 مرة من المعالجات متعددة الأغراض عند عملها على نماذج الذكاء الاصطناعي في المختبر. وعلى الرغم من أن العديد من الشرائح المتخصِّصة قد تم تطويرها لتعمل بالشكل الأمثل على التطبيقات التجارية للتعلم العميق (مثل الرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغات)، لكنها قد لا تحقق نفس الجودة في الأداء عند التعامل مع أنواع البيانات الشائعة في الأبحاث العلمية. يقول ستيفنز: “لدينا في الأبحاث العلمية الكثيرُ من مجموعات البيانات ذات الأبعاد الأعلى”، وهي مجموعاتٌ تجمع بين مصادر بيانات متباينة وهائلة، وتتضمن معالجةً معقدة بدرجةٍ أكبر بكثير من معالجة صورة ثنائية الأبعاد.

كما يجب أن تكون الشريحة الجديدة موثوقةً وسهلة الاستخدام؛ يقول ستيفنز: “يقوم آلاف الأشخاص بتنفيذ خوارزميات التعلم العميق في المختبرات، ولا يملكون جميعاً نفس الخبرة والمهارة البرمجية. فهل سيتمكنون من استخدام الشريحة المُنتظَرة من دون هدر الوقت في تعلم أمورٍ جديدة من الناحية البرمجية؟”.

وحتى الآن، فإن حاسوب سيريبراس قد استوفى جميع المعايير السابقة؛ حيث إنه بفضل حجم شريحة سيريبراس -وهي أكبر من جهاز آي باد وتحتوي على 1.2 تريليون ترانزستوراً لإجراء الحسابات- لم يعد هناك حاجةٌ لربط عدة معالجاتٍ أصغر حجماً مع بعضها البعض، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إبطاء عملية تدريب النموذج. وفي مرحلة الاختبار، تمكنت الشريحة بالفعل من تقليص زمن تدريب النماذج من بضعة أسابيع إلى بضع ساعات. يقول ستيفنز: “نريد أن نتمكن من تدريب هذه النماذج بما يكفي من السرعة بحيث يبقى العالِم الذي يجريها قادراً على تذكُّر المشكلة الأساسية التي كان يعمل عليها عندما بدأ بعملية التدريب”.

الحاسوب قائم وفي طور العمل.
مصدر الصورة: تقدمة من مختبر أرجون الوطني الأميركي

في بادئ الأمر، كان مختبر أرجون يجري اختباراتٍ على الحاسوب في إطار أبحاثه المتعلقة باكتشاف أدويةٍ لمرض السرطان. ويتمثل الهدف في تطوير نموذج تعلمٍ عميق يستطيع التنبؤ بكيفية استجابة الورم لدواءٍ ما أو لمجموعةٍ مركبة من الأدوية. ويمكن عندئذٍ استخدام النموذج بإحدى طريقتين: إما تطوير مرشَّح دواءٍ جديد قد يتمتع بتحفيز الآثار المطلوبة على ورمٍ معين، أو التنبؤ بتأثير مرشَّح دواءٍ منفرد على أنواعٍ مختلفة من الأورام.

ويتوقع ستيفنز أن يُسرِّع نظام سيريبراس كلَّاً من عمليتي التطوير والتطبيق لنموذج دواء السرطان، وهذا قد يشمل تدريب النموذج مئات الآلاف من المرات ثم تشغيله مليارات المرات الأخرى ليُجري توقعاتٍ بشأن جميع الأدوية المرشَّحة.

كما يأمل أن يتمكن الحاسوب من تعزيز أبحاث المختبر في مواضيع أخرى، مثل المواد المستخدمة في تصنيع البطاريات والإصابات العصبية الدماغية؛ فقد يشمل البحث المتعلق بمواد البطاريات تطويرَ نموذج ذكاءٍ اصطناعي لتوقع خصائص ملايين التركيبات الجزيئية من أجل اكتشاف بدائلَ كيميائيةٍ لأيونات الليثيوم. أما أبحاث الدماغ فتنطوي على تطوير نموذجٍ لتوقُّع أفضل خيارات العلاج. إنها مهمةٌ صعبة بشكلٍ مدهش لأنها تتطلب معالجة أنواعٍ كثيرة من البيانات (صور الدماغ، والمؤشرات الحيوية، والنصوص) بسرعةٍ كبيرة للغاية.

وفي نهاية المطاف، يشعر ستيفنز بالحماس من الإمكانيات الهائلة التي سيحملها التقدم في العتاد الصلب والبرمجي للذكاء الاصطناعي إلى مسيرة الاستكشاف العلمي؛ حيث يقول: “سيغيِّر هذا التقدم من كيفية إجراء المحاكاة في الأبحاث العلمية بشكل جذري”.


شارك



مراسلة الذكاء الاصطناعي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو