سيارات الأجرة الروبوتية ستملأ شوارعنا قبل ضبطها وتنظيمها

5 دقائق
سيارات الأجرة الروبوتية ستملأ شوارعنا قبل ضبطها وتنظيمها
حقوق الصورة: shutterstock.com/elenabsl
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في بعض أحياء مدينة سان فرانسيسكو، وفي ساعات محددة في الليل، يبدو أن سيارة واحدة من كل 10 سيارات تسير على الطرق دون سائق خلف مقودها. 

إنها ليست سيارات تجريبية، وهذه ليست بتجربة، فالكثير من سيارات سان فرانسيسكو التي تسير دون سائق على نحو يذكّر بالأشباح هي سيارات أجرة روبوتية، وهي تخوض منافسة مباشرة مع سيارات الأجرة التقليدية، وسيارات شركتَيّ أوبر (Uber) وليفت (Lyft)، ووسائل النقل العامة. لقد أصبحت جزءاً حقيقياً، وإن يكن هامشياً في الوقت الحالي، من نظام النقل في المدينة، ويبدو أن الشركات المشغّلة لهذه السيارات؛ أي شركتا كروز (Cruise) ووايمو (Waymo)، مستعدة لمواصلة التوسع في نطاق خدماتها في سان فرانسيسكو وأوستن وفينيكس؛ بل وربما حتى لوس أنجلوس في الأشهر المقبلة. 

صناعة تتقدم بسرعة لا توازي سرعة تعامل صنّاع القرار معها

لقد أمضيت السنة الماضية في تغطية أخبار سيارات الأجرة الروبوتية لصحيفة “سان فرانسيسكو إكزامينر” (San Francisco Examiner)، وركبت عدة مرات سيارات كروز ذاتية القيادة على مدى الأشهر القليلة الماضية. وخلال عملي الصحفي هذا، أُصبت بالدهشة من قلة الاكتراث في الحوار العام حول سيارات الأجرة الروبوتية، وتوصلت إلى نتيجة تقول إن الناس معظمَهم، بمن فيهم الكثير من صنّاع القرار ذوي النفوذ الواسع، لا يدركون سرعة تقدُّم هذه الصناعة، أو آثارها القاسية في العمالة والنقل في الأمد القريب. 

تصوغ وكالاتٌ محددة مثل لجنة الخدمات العامة في كاليفورنيا، القرارات الفائقة الأهمية بشأن سيارات الأجرة الروبوتية، على نحو غامض نسبياً. ما تزال أُطُر العمل القانونية هزيلة إلى درجة يُرثى لها، ففي ولاية سان فرانسيسكو، لا تتمتع المدن بصلاحيات تنظيمية على سيارات الأجرة الروبوتية المنتشرة على الطرق فيها، ولا تستطيع الشرطة من الناحية القانونية فرض مخالفات عليها بسبب انتهاكها قوانين السير. 

اقرأ أيضاً: كيف تستعد الإمارات لعمل السيارات ذاتية القيادة على نطاق واسع بعد الترخيص لشركة وي رايد؟

لقد حان الوقت للعامة وممثليهم المنتخَبين ليؤدوا دوراً أكثر فعالية في صياغة مستقبل هذه التكنولوجيا الجديدة. لقد أصبحت سيارات الأجرة الروبوتية حقيقة واقعة، سواء أعجبنا هذا الأمر أو لا، والآن حان وقت المهمة الصعبة، وهي اتخاذ القرار الحاسم بشأنها. 

بعد عدة سنوات من الوعود الكاذبة، أصبح من المُسلّم به الآن، وعلى نطاق واسع، أن تحقيق حلم امتلاك حُجيرتك المتحركة الخاصة التي يمكنك استخدامها للنوم والألعاب والتبرج ما زال بعيداً وقد يستغرق سنوات، وربما عقوداً. فنظام الربان الآلي من شركة تسلا؛ التي اختارت له هذا الاسم المضلل، هو أقرب شيء إلى تكنولوجيا القيادة الذاتية في السيارات التي تُباع في الأسواق الكبرى، يخضع الآن لتحقيقات تجريها إدارة السلامة الوطنية للمرور على الطرق العامة ووزارة العدل. 

مع الأسف، لا يوجد إطار عمل معياري يحظى بموافقة الحكومة لتقييم السلامة في السيارات الذاتية التحكم.

غياب إطار العمل وقوانين السلامة

لقد كانت وسائل الإعلام محقة في تشكيكها بشأن سيارات الأجرة الروبوتية، وقد تحدث الصحافيون (بمن فيهم أنا شخصياً) عن السلوك الروبوتي الغريب، والإخفاقات البرمجية المثيرة للقلق، ونقص الشفافية بشأن البيانات لدى كروز ووايمو. وقد أبدت سيارات كروز الذاتية التحكم، على وجه الخصوص، ميلاً خطِراً إلى التوقف في وسط الطريق دون سبب واضح؛ ما يؤدي إلى إعاقة حركة المرور لفترات طويلة. وقد وثّق مسؤولو سان فرانسيسكو 92 حادثة مماثلة على الأقل خلال فترة 6 أشهر فقط؛ بما فيها 3 حوادث أدت إلى إعاقة عمل فرق الاستجابة للطوارئ

لكن هذه القصص الإخبارية المنتقَدة، على الرغم من أهميتها، تخفي التوجه العام الذي كان يتحرك بثبات لمصلحة صناعة سيارات الأجرة الروبوتية. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تمكنت كل من كروز ووايمو من تجاوز عدة عوائق قانونية كبيرة، والتوسع نحو أسواق جديدة، ومراكمة أكثر من 1.6 مليون كيلومتر من عمليات القيادة الذاتية الفعلية دون حوادث تستحق الذِّكر في عدة مدن أميركية كبرى. 

اقرأ أيضاً: أحدث التطورات في تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة: القدرة على رؤية ما هو قادم حتى حول الزوايا

الفرق بين سيارات الأجرة الروبوتية والسيارات الشخصية ذاتية القيادة

تختلف سيارات الأجرة الروبوتية من الناحية التشغيلية تماماً عن السيارات الشخصية الذاتية القيادة، وهي أكثر قابلية بكثير للاستثمار التجاري. فمن الممكن إطلاق هذه السيارات ضمن منطقة محدودة للغاية حيث تخضع لتدريب جيد، وأن يخضع استعمالها لمراقبة الشركة التي صممتها من كثب، وسحبها من الطرق على الفور عند تدهور حالة الطقس أو لدى حدوث أي مشكلة أخرى.

مع الأسف، لا يوجد إطار عمل معياري يحظى بموافقة الحكومة لتقييم السلامة في السيارات الذاتية التحكم. نشرت وايمو تقريراً حول أول 1.6 مليون كيلومتر من رحلاتها “التي تقتصر على الركاب فقط”، وتضمنت هذه الرحلات حادثتي تصادم من الدرجة التي يمكن إبلاغ الشرطة عنها (دون إصابات) و18 حادثة تصادم خفيفة، يقتصر نصفها تقريباً على اصطدام سيارة يقودها سائق بشري بسيارة وايمو متوقفة، وحذرت الشركة من المقارنة المباشرة مع السائقين البشر بسبب ندرة مجموعات البيانات المقابلة. من ناحية أخرى، تزعم كروز أن سيارات الأجرة الروبوتية من إنتاجها تعرضت إلى حوادث تصادم أقل بنسبة 53% وحوادث تصادم باحتمال إصابة واضح أقل بنسبة 73% بالمقارنة مع السائقين البشر لسيارات الطلب الإلكتروني النموذجية في سان فرانسيسكو خلال أول 1.6 مليون كيلومتر من رحلاتها للقيادة الذاتية. 

لقد كانت أحدث رحلاتي في سيارة كروز، على الرغم من أنها لم تكن مثالية، قريبة بما يكفي إلى تجربة الركوب مع سائق بشري مسؤول، إلى درجة أنني نسيت للحظة أنني كنت في سيارة أجرة روبوتية. ويكفي أن هذه السيارات مبرمجة للالتزام بقوانين السير وحدود السرعة آلياً كي تبدو لنا أكثر أماناً في حركتها من نسبة كبيرة من السائقين البشر على الطرق.

اقرأ أيضاً: لا تغضب كالبشر ولا ترى في المطر: هذه مزايا السيارات ذاتية القيادة وعيوبها

ضرورة دراسة تأثير سيارات الأجرة الروبوتية على المدن والمجتمع

لا نستطيع تأكيد جاهزية سيارات الأجرة الروبوتية للنشر على نطاق واسع، ولا نستطيع حتى تحديد المعايير المستخدمة لقياس هذه الجاهزية؛ ولكن العوامل جميعها تشير إلى أن سيارات الأجرة الروبوتية ستتابع تقدُّمها، ما لم يحدث تحول كبير في الزخم لسبب طارئ؛ مثل صدمة اقتصادية أو مأساة مروعة أو تحول سياسي مفاجئ، وهو ما يكفي لإطلاق حوار على نطاق أوسع حول تأثيرها على المدن والمجتمع.  

تقترب كروز ووايمو من الحصول على الترخيص لتقديم خدمة سيارات الأجرة الروبوتية التجارية على مدار اليوم في أنحاء سان فرانسيسكو جميعها عملياً، ويمكن أن يؤدي هذا إلى تأثير اقتصادي كبير في سائقي سيارات الأجرة التقليدية وسائقي سيارات الطلب الإلكتروني للرحلات، وينطبق هذا على كل مدينة أخرى تعمل فيها كروز ووايمو. لم يعد خروج السائقين المحترفين من سوق العمل بسبب الأتمتة فكرة نظرية بعد الآن؛ بل تحول إلى احتمال واقعي للغاية في المستقبل القريب. 

يمكن لسيارات الأجرة الروبوتية أيضاً أن تؤثر في سياسات وسائل النقل بدرجة كبيرة وعلى نحو فوري، فقد تؤدي هذه التكنولوجيا إلى جعل النقل الآلي سهلاً وزهيد التكاليف إلى درجة تدفع الناس إلى زيادة استخدام السيارات؛ ما يؤدي إلى زيادة الازدحام، وتقويض مكانة النقل العام. ويخشى مسؤولو سان فرانسيسكو من تعرض الحركة المرورية إلى تدهور إضافي بسبب زيادة عدد سيارات الأجرة الروبوتية التي تركن نفسها في النسق الثاني لانتظار الركاب، مع افتقارها إلى الإدراك الظرفي لتحديد كل من المكان المناسب والفترة الزمنية المناسبة للتوقف. 

أدى ظهور سيارات الأجرة الروبوتية إلى زيادة الأسئلة القلقة إلحاحاً حول سياسات العمالة والنقل، وهي أسئلة تجب الإجابة عنها عاجلاً أو آجلاً. هل يجب حماية العمال من الاستعاضة عنهم بتكنولوجيات الأتمتة، أم تقديم تعويضات لهم عند حدوث هذا الأمر؟ وهل من المناسب إطلاق العنان للسيارات في أكثر مناطق المدن ازدحاماً ونشاطاً من حيث النقل؟ وهل يجب أن نواصل إعفاء السيارات الكهربائية من ضرائب الوقود التي تمول صيانة الطرق؟ 

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن تكون السيارات ذاتية القيادة أكثر أماناً على الطريق؟

مع تسارع تطور التكنولوجيا، يجب أن تتطور السياسات على نحو متسارع لمجاراتها. إلا أنه لكي تستطيع تحقيق هذا الأمر، يجب أن يحصل العامة على تصور واضح بشأن سرعة التطورات المستقبلية المتوقعة.