Article image




السمات الأساسية: التحرك السريع، الاختبارات المكثفة، وتتبع كل شيء.

2020-06-07 11:10:01

13 مارس 2020

بدأت بكتابة هذا المقال في فندق رافلز، وهو مَعلَم ناصع البياض يجسد تاريخ سنغافورة كمستعمرة بريطانية. خضع الفندق لعمليات تجديد دقيقة على مدى السنتين والنصف الماضيتين، ويُعتبر بدون مبالغة واحداً من أفخم فنادق العالم. يختصر هذا الفندق، وبأكثر من طريقة، التحولات التي طرأت على سنغافورة منذ أعلنت نفسها كمدينة-دولة مستقلة في 1965.

كان لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس لسنغافورة، رجل دولة صاحب رؤية، يجمع ما بين قوة الشخصية والتكنوقراطية. يعتبر سكان سنغافورة هذا الرجل شخصية مبجلة بوصفه مؤسساً، وقائداً، ومدافعاً عن الحقيقة، ورمزاً للأمة الفتية. فقد وضع أسس وقواعد سنغافورة الحديثة، بما فيها الالتزام بالشفافية، وسلطة العقل فوق الخرافة، وحب النظافة. اجتمعت كل هذه العوامل في صياغة أسلوب سنغافورة –المتفوق عالمياً- في الاستجابة لفيروس كورونا الذي ظهر في الصين في نهاية السنة الماضية، منتشراً بسرعة حول الكوكب خلال الشهرين الماضيين.

انتقل الفيروس إلى سنغافورة في مرحلة مبكرة، بوصفها أحد أهم الشركاء التجاريين للصين. خلال بضعة أسابيع من أول اكتشاف رسمي للفيروس، والذي كان يحمل اسم “إنفلونزا ووهان”، ظهرت حوالي 12 حالة في سنغافورة. ولكنها أدركت بسرعة أن الموضوع ليس مجرد إنفلونزا موسمية، واتخذت إجراءات سريعة. تسلحت سنغافورة بخبرتها مع فيروس سارس في عامي 2002 و2003، وبدأت بتتبع الحالات بدقة لكشف الصلات بينها. خلال يوم أو يومين من اكتشاف كل إصابة جديدة، كانت السلطات تتوصل إلى تحديد سلسلة الانتقالات المعقدة التي أدت إليها، من شخص لآخر، وكأنها محقق عبقري مسلح بقاعدة بيانات. بدءاً من فبراير، فُرض على كل شخص يدخل مبنى حكومياً أو مبنى شركة أن يقدم معلومات مفصلة حول المعارف والعائلة وطرق الاتصال من أجل تسريع هذه العملية.

لم يقتصر تميز سنغافورة في التعامل مع الفيروس على قدرتها على كشف الحالات وتحديد سبب حدوثها، بل قامت أيضاً بتطوير مجموعات اختبارات الحمض النووي بسرعة، وتوزيعها على جميع نقاط الدخول إلى البلاد. خلال ثلاث ساعات، وأثناء تواجد الأفراد ضمن الحجر الصحي في نقطة الدخول، يستطيع المسؤولون تأكيد إصابتهم أو عدم إصابتهم بالفيروس قبل السماح لهم بالدخول.

من ناحية أخرى، استجابت الولايات المتحدة بطريقة مغايرة تماماً. منذ البداية، افترض معظم الناس أن هذا الفيروس كان مشكلة “صينية” أو ربما “آسيوية”، لأن الأوبئة لا تضرب الولايات المتحدة. بسبب وجهة النظر المتعالية تلك، تراخت السلطات الصحية في التعامل مع هذه المشكلة. سُمح للعشرات من المصابين، وربما أكثر، بالدخول إلى الولايات المتحدة، وسُمح للمصابين بالذهاب إلى العمل وهم مرضى، بل تم تشجيعهم على ذلك أيضاً، ما أدى إلى تسريع انتشار الفيروس.

عندما أًصيب بعض هؤلاء الأشخاص بأعراض كوفيد-19 وطلبوا إجراء الاختبارات، رُفض طلبهم لعدم وجود صلة مباشرة بينهم وبين الصين، أو لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة متقدمة من المرض. غير أن هذا لم يكن هاماً على أي حال، لأن مجموعة الاختبار التي تم تطويرها وتوزيعها من قبل مركز السيطرة على الأمراض كانت سيئة التصميم وغير صالحة للاستخدام. نظراً لهذا التأخير الجائر والمروع في إجراء الاختبارات، إضافة إلى حرمان 25% من الأميركيين من إمكانية أخذ إجازة صحية، اضطر الناس إلى العودة إلى عملهم، ما أدى إلى تسريع إضافي في انتشار الفيروس.

مع انتهائي من كتابة المقالة، وصلت إلى أعلى النهر في الجزء الجنوبي النائي من بورنيو، قرب مخيم ليكي، وهو مركز الباحثة بيروتي جالديكاس لدراسة قردة الأورانجوتان، والذي يعود إلى خمسين سنة مضت. لقد كنت مقطوعاً عن العالم الخارجي لمدة يومين، وسأقوم بنشر هذه المقالة عبر الأقمار الاصطناعية. عندما غادرت، كانت الأمور سيئة في الولايات المتحدة، وكما هو متوقع، فقد أدى الفيروس إلى زيادة الاستقطاب في هذه البلاد التي تعاني في المقام الأول من انقسامات حادة. غير أن الفيروسات لا تكترث بالأحزاب السياسية أو الحدود الوطنية أو القيمة المالية. كل ما تكترث به الفيروسات هو التكاثر والانتشار. ويبدو هذا الفيروس بارعاً على وجه الخصوص في هذا الأمر.

عندا قررت أن أواصل تنفيذ مخططاتي في السفر إلى جنوب شرق آسيا، قال لي الكثيرون أنني أصبت بلوثة عقلية. وقال لي البعض، اعتماداً على إحصائيات الإصابات منذ عدة أسابيع: “أنت تطير إلى عين العاصفة!”. والآن، لا أستطيع إلا أن أشعر بنفس القدر من التفاجؤ والرعب إزاء ما يحدث في موطني أميركا. لقد أصبحت عين العاصفة في الولايات المتحدة وأوروبا. حظاً سعيداً لنا جميعاً!