تقوم المختبرات عالية الأمان بإصابة الخلايا الرئوية البشرية المصنّعة في المختبر بفيروس كورونا.

2020-06-14 14:09:45

11 يونيو 2020
Article image
مصدر الصورة: صور جيتي

داخل مختبر السلامة البيولوجية من المستوى 4 في المختبرات الوطنية للأمراض المُعدية الناشئة (NEIDL) في جامعة بوسطن، يرتدي الباحثون ثلاث طبقات من الكفوف ويتنفسون الهواء من خلال أنابيب تدخل بدلاتهم الشبيهة ببدلات رواد الفضاء. وتوجد أمامهم تحت غطاء بلاستيكي خلايا سنخية رئوية بشرية مزروعة من أنسجة مشابهة للأعضاء، وهي مجموعة من الخلايا تحاكي الأعضاء.

والآن، حان الوقت لإصابتها بفيروس كورونا.

ما يحدث بعد ذلك يمكن أن يسلط الضوء على التأثيرات الغريبة والقاتلة لفيروس كورونا؛ لأن الفيروس ليس هو المهم فقط، وإنما استجابة الجسم له أيضاً. يتعرض الناس للوفاة بسبب هذه الاستجابة، ويمكن لهذه الأنسجة المشابهة للأعضاء أن تساعد في تحديد المكان الذي يتضرر بأسوأ صورة. فقد حددت النماذج الخلوية الدقيقة بالفعل كيفية دخول الفيروس إلى الجسم، والمكان الذي يتسبب فيه بالضرر الأكبر، وسوف تساعد في البحث عن العلاجات.

يعمل العديد من علماء الفيروسات على بيانات الحاسوب، أو مع الفيروسات البديلة التي يُدخلون أجزاء من فيروس كورونا داخلها، أو في بعض الأحيان عن طريق إصابة خلايا القرود التي تفضّل الفيروسات النمو فيها. لكن تلك البدائل لا يمكنها إخبارك بتأثير الفيروس الحقيقي على أنواع معينة من الخلايا البشرية. تقول إلكي مولبرجر، عالمة الأحياء الدقيقة في المختبرات الوطنية للأمراض المُعدية الناشئة، التي تديرها جامعة بوسطن: “إذا عملت مع الفيروس الحقيقي، فستحصل على نتائج حقيقية. وإذا كنت مهتماً باستجابة المضيف، فلن تكون البدائل مفيدة”.

باحثون في جامعة بوسطن يعملون مع فيروسات قاتلة في مختبر السلامة البيولوجية من المستوى 4.
مصدر الصورة: المختبرات الوطنية للأمراض المُعدية الناشئة

يعدّ اختبار أدوية فيروس كورونا أحد المجالات التي يمكن للأنسجة الرئوية البشرية المصنّعة في المختبر أن تؤتي ثمارها فيها؛ فقبل تجربة أي دواء محتمل مضاد للفيروسات على الأشخاص، يختبر الباحثون قدرته على تثبيط الفيروس في المختبر. ولكن بعد سنوات من التكيّف مع أطباق بتري في المختبر، أصبحت الخلايا المختبرية التقليدية بعيدة عن وضعها الطبيعي. وتقول مولبرجر: “لقد فقدت قدرتها على القيام بوظيفتها كرئة أو كبد، وأصبحت لا تستجيب للإنترفيرون، فهي مختلفة تماماً عن الخلايا الحقيقية. إنها لا تفعل الكثير غير تعرضها للإصابة بالعدوى”.

الخلايا المأخوذة من الأنسجة المشابهة للأعضاء تعدّ مختلفة.

أعضاء صغيرة

تعد الأنسجة المشابهة للأعضاء عبارة عن أنسجة صغيرة معقدة تم إنتاجها من الخلايا الجذعية. تُترك هذه الخلايا الرئيسية لتتكاثر وتنتظم بشكل ذاتي حتى ينتهي بها الأمر بإنشاء كتل صغيرة يمكن أن يكون لها التراكيب -والوظائف- الخلوية الأساسية للعضو الحقيقي. هناك الأمعاء المصغرة التي تحتوي على تجاعيد دقيقة، وكتل دماغية تنبعث منها موجات كهربائية، وهياكل تبدو كالأجنة الحقيقية بشكل مدهش.

خلايا رئوية بشرية وهي تنمو كأنسجة ثلاثية الأبعاد شبيهة بالأعضاء. تتم إصابة خلايا من هذه “الحويصلات الهوائية” بفيروس كورونا لمساعدة الباحثين على فهم الآلية التي يؤدي بها إلى الوفاة.

ظهرت الأنسجة المشابهة للأعضاء كحل للفيروسات لأول مرة خلال جائحة زيكا، عندما أظهرت إصابة الأدمغة المختبرية الصغيرة أن الفيروس يفضل الخلايا العصبية الصغيرة النامية. وقد قدم ذلك تفسيراً لسبب إحداث تلك الفيروسات التي ينقلها البعوض لعيب خلقي -صغر الرأس- عند بعض الأطفال حديثي الولادة في البرازيل.

وقد تساعد الأنسجة المشابهة للأعضاء أيضاً الباحثين على دراسة الفيروسات الحيوانية التي لم يدرسوها جيداً حتى الآن لأنها أظهرت صعوبة زرعها في بيئة المختبرات. وفي شهر مايو، قام علماء في هونغ كونغ بزراعة أمعاء مصغرة من خفافيش حدوة الحصان -وهي النوع الذي يعتبر أصل تفشي فيروس كورونا- التي تؤوي الآلاف من الفيروسات التي لا نعرف عنها سوى القليل.

خلايا رئوية

يستخدم البحث الذي يتم إجراؤه في جامعة بوسطن أنسجة رئوية يتم إنتاجها في العديد من مختبرات المنطقة، بما فيها بعض الأنسجة التي تتطابق مع أجزاء من الأسناخ الرئوية، وهي أكياس الهواء المنتفخة التي يحدث فيها تبادل الأكسجين في الرئة، والتي تتأثر بشكل كبير في الحالات الشديدة من مرض كوفيد-19.

قام فين هوكينز، طبيب الأمراض الرئوية الذي يدير أحد مختبرات الأنسجة المشابهة للأعضاء، للتو بإنهاء عمله في رعاية مرضى فيروس كورونا في وحدة العناية المركزة.  وقال: “لم أشهد أمراً كهذا من قبل. الشيء المفاجئ بالنسبة لي هو الدرجة التي يسبب بها التلف الرئوي الشديد عند بعض المرضى. وهو ليس مثل الإيبولا، الذي يصاب فيه الجميع بالمرض”.

تعاني الحالات الخطيرة من نفس الأعراض الغامضة. فمن المفترض أن يتم فصل المرضى عن أجهزة التنفس الصناعي، ولكن يتعرّض بعضهم لما يسمى: عاصفة السيتوكين، وهي استجابة التهابية خارجة عن السيطرة يرافقها حمى لا تزول. ما يؤدي إلى وفاة معظم مرضى فيروس كورونا هو أنهم يصلون إلى مرحلة لا يمكنهم فيها التنفس على الإطلاق. يقول هوكينز: “تزداد مؤشراتهم الحيوية، ويحتاجون إلى الأكسجين. هذا التفاقم المفاجئ هو أمر لم يسبق أن شهدته من قبل، ولكني أراه الآن مراراً وتكراراً. وعندها تبدأ بالتساؤل عما يحدث، وعن الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الحالة”.

يقول هوكينز إن بعض الخلايا الرئوية والتنفسية المحددة يمكن أن تجيب على مسألتين، الأولى هي الخلايا التي تسمح للفيروس بالدخول إلى الجسم، والثانية هي الخلايا الأساسية لحدوث التأثيرات المدمرة. ويقول إن الجمع بين الخلايا الرئوية المشتقة من الخلايا الجذعية مع القدرة على تسلسل وتتبع الجزيئات داخل الخلايا الفردية تكون نتيجته هي “دقة مذهلة”. ويضيف: “يمكنك الحصول على معلومات يستحيل الحصول عليها بغير ذلك”.

فعلى سبيل المثال، لمعرفة الخلايا الأكثر عرضة للإصابة، استخدم فريق في ولاية كارولينا الشمالية مجموعات من خلايا مجرى الهواء عند الإنسان لتشكيل طبقات تنمو بين السائل والهواء. وتوصلوا إلى أن الخلايا الهدبية -التي تقوم شعيراتها، التي تتحرك مثل لوامس شقائق النعمان البحري، بنقل البلغم إلى الأعلى والخارج- تحتوي على مستويات مرتفعة من الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2، وهو المستقبل الموجود في الخلية البشرية، والذي يستولي عليه الفيروس. وأشارت النتائج التي توصلوا إليها إلى الأنف باعتباره المكان الأكثر احتمالاً لدخول الفيروس.

قد يكون العلماء قادرين على استخدام هذه المعلومات للتوصل إلى دفاعات فيروسية؛ إذ اقترح أحد مقاطع الفيديو على يوتيوب تصميم سدادة أنفية مضادة لفيروس كورونا من مشبك الورق. إذا كان الفيروس يدخل عن طريق الأنف، فهذه الفكرة ليست جامحة تماماً. يقول هوكينز: “إذا كان بإمكانك فهم الأنواع التي تتعرض للإصابة بالعدوى وآلية ذلك، فسوف تتمكن من التوصل إلى إستراتيجيات لمنعها أو تخفيفها”.

يتمثل السؤال التالي للنماذج الرئوية في تحديد كيفية استجابة أنواع معينة من الخلايا للعدوى. ويقول هوكينز: “نشك في أن الفيروس يحفز شيئاً ما. ما يهمنا رؤيته حقاً هو العواقب المحتملة لدخول الفيروس إلى الخلية”. ويعتقد بعض الأطباء أن تلف نظام تبادل الغازات في الرئة -أي الأسناخ الرئوية (الأكياس الهوائية)- هو الذي يؤدي إلى الوفاة. تكون خلايا الأكياس الهوائية التي تقوم بتبادل الأكسجين كبيرة ورقيقة، مثل أشرعة اليخت تقريباً. لكن المشكلة الحقيقية قد تكمن في الخلايا من “النوع 2″، التي تتمثل وظيفتها في إنتاج المادة التي تقلل من التوتر السطحي للسماح للأكياس الهوائية بأن تبقى مفتوحة.

خلايا رئوية تتألق باللون الأخضر بعد إصابتها بفيروس كورونا.
مصدر الصورة: مختبر كوتون

يقول هوكينز: “عند النظر إلى عمليات تشريح الجثث، نجد أن الخلايا من النوع 2 قد تضررت بشدة. ونحن نعلم بأنها تعرضت للإصابة بالفيروس. هذا النوع من الخلايا هو الأساس لإدراك ما الذي يؤدي إلى وفاة هؤلاء المرضى. تتعرض الأكياس الهوائية للانغلاق تماماً، وهذا ما يسبب مشاكل في أكسجتها. عندما ينتهي الأمر بالمريض على جهاز التنفس الصناعي، يكون من الصعب جداً تطبيق الضغط المناسب وإنقاذ هاتين الرئتين المريضتين اللتين تعرضتا للارتشاح”.

مشاهدة الخلايا وهي تموت

بينما يميل هوكينز إلى التعامل مع المرضى في أجنحة المستشفيات، تقوم جيسي هوانغ، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مختبر داريل كوتون بجامعة بوسطن، بإنتاج خلايا من النوع 2 باستخدام أنسجة مشابهة للأعضاء وإرسالها إلى جميع أنحاء الولايات المتحدة والعالم. ليس من السهل زراعة الخلايا السنخية المأخوذة من المرضى، ولكن مختبرات جامعة بوسطن  وجدت طريقة لإنتاجها، ويمكنها أيضاً إنتاج نوع من الأنسجة المشابهة للأعضاء تسمى الحويصلات الهوائية.

يتم نقل هذه الخلايا إلى المختبرات الآمنة في المدينة. وتقول مولبرجر: “الجزء الخاص بنا بسيط للغاية. لا نقوم سوى بإضافة الفيروس”.

فما الذي يحدث بعد إصابة الخلايا الرئوية بفيروس كورونا؟ تقول مولبرجر إنها تقوم بإضافة سائل يحتوي على “كمية ضئيلة من الفيروس” لتحقيق الإصابة بالعدوى. وفي غضون أيام قليلة، تظهر نوى الخلايا بشكل مجزأ، وتنفصل وتبتعد عن بعضها. وتقول: “ترى أن الخلايا لا تعمل بشكل جيد. نعتقد أن الفيروس يقتل الخلايا مباشرة، لكننا لا نعرف ذلك في الواقع”. يمكن أن يكون الأمر مرتبطاً بالإنتاج المفرط للسيتوكينات والكيميوكينات، وهي من أنواع الجزيئات الالتهابية.

تعتقد مولبرجر أن الأنسجة المشابهة للأعضاء قد تعطي أيضاً فكرة أفضل عن الأدوية التي ستعمل على منع الفيروس من التكاثر، وتقول إن هناك مركباً أوقف الفيروس في خلايا القرود، ولكنه لم يساعد الخلايا الرئوية على الإطلاق. وتضيف: “نعتقد أن استجابة الأنسجة المشابهة للأعضاء للفيروس مختلفة تماماً، وقد تسلك الأدوية سلوكاً مختلفاً أيضاً”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.