أحياناً يستجيب الجهاز المناعي بشكل مريب لفيروس كورونا، في ظاهرة علمية يطلق عليها "عاصفة السيتوكين". فكيف تحدث هذه العاصفة؟

2020-04-15 19:22:28

07 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: ريتشارد كاتاباي عبر أنسبلاش

تأخذنا عدة دراسات طبية إلى أهمية جهاز المناعة في محاربة فيروس كورونا، فقد تحدثت دراسات عدة عن تمكن جهاز المناعة لدى عدد من الأشخاص من مكافحة فيروس كورونا، مما دفع دولاً عديدة -من بينها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية- إلى إصدار نسخة جديدة من الاختبارات المناعية لرصد الأشخاص الذين تمكن جهاز المناعة لديهم من محاربة الفيروس.

ولكن ثمة أبحاث طبيّة صدرت عن صحيفة إنتينسيف كير ميديسن (Intensive Care Medicine) الصينية، أثارت جدلاً واسعاً بعدما أشارت إلى مساوئ استجابة جهاز المناعة للفيروسات التاجيّة، فمن المرجح أن الاستجابة السلبية قد أدت إلى موت عدد من المصابين.

يُطلق على هذه الظاهرة الطبية اسم “عاصفة السيتوكين”، وقد دفعت صحفاً مرموقة إلى الحديث عنها بعد أن سُجِل وفاة أشخاص نتيجة عاصفة مناعية قامت بها أجسامهم أثناء محاربة فيروس كورونا. وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد وثقت حادثة في أحد مستشفيات فرنسا مع مريض شَهِد جسده على عاصفة السيتوكين، مما أدى إلى وفاته. وأشارت الصحيفة إلى أن عاصفة السيتوكين تحولت إلى ظاهرة يعاني منها المصابون بفيروس كورونا.

وقد أجرى باحثون صينيون دراسة على 150 شخصاً توفَّوا بفيروس كورونا، وأظهرت نتائجها أن عدداً من المصابين ماتوا بسبب عاصفة سيتوكين، بعدما أدت الاستجابة المناعية العنيفة إلى تلف عضلة القلب وتدمير نسيج الأعضاء التنفسية. كذلك كشف فحص عيِّنات الدم العائدة لبعض المرضى عن وجود كمية كبيرة من خلايا الدم البيضاء، والسائل الليمفاوي، والصفائح الدموية، والبروتين التفاعلي (CRP)، ومادة مايوجلوبين. 

ما هي عاصفة السيتوكين؟

عاصفة السيتوكين عبارة عن تحفيز شديد السلبية يقوم به جهاز المناعة خلال محاربته للفيروسات؛ وكثيراً ما تحدث هذه العاصفة مع مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج المناعي، حيث تظهر لديهم طفرة جلديّة أو قد تؤدي الجرعة المناعية إلى تحفيز الخلايا التائية والبائية -المنوط بهما محاربة السرطان- بشكل عشوائي، مما يؤدي إلى تلف بعض الخلايا السليمة.

يتكون جهاز المناعة من النخاع العظمي المسؤول عن إنتاج النسيج الأصفر الذي يتحول لاحقاً إلى خلايا الدم، ويتألف أيضاً من الطحال المسؤول عن إنتاج الخلايا البيضاء. وتُعد العقد الليمفاوية من أبرز عناصر جهاز المناعة؛ لكونها مسؤولة عن إنتاج السائل الليمفاوي المناعي الذي يتكون من تركيبة كيميائية معقدة تحتوي على الأجسام المضادة لمحاربة الفيروسات.

وقد كشفت دراسة -تمحورت حول استجابة جهاز المناعة لفيروس كورونا- أن الأجسام المضادة هي من نوع “CD8″ و”CD38″ و”CD16” بالإضافة إلى مادة السيتوكين، وجميعها مواد كيميائية ينتجها الجهاز المناعي لمحاربة فيروس كورونا. 

لا يتكون السيتوكين من نوع واحد؛ بل إنه عبارة عن أسرة تحتوي على مجموعة كبيرة من البروتينات التي تنتجها الخلايا الليمفاوية التائية والبائية بكميات كبيرة في حال رصد الجهاز المناعي وجود فيروس، ومن أنواع السيتوكين: الإنترفيرون، والإنترولوكينات، والليمفوكينات. 

وقد أجرت إم آي تي تكنولوجي ريفيو لقاء مع الطبيبة أمل ناصر المتخصصة في علاج سرطان الثدي وسرطان الغدد الليمفاوية الذي يصيب العقد الليمفاوية، وهي العنصر الأهم في جهاز المناعة البشري. وخلال مسيرتها الطبية، قامت د. ناصر بوصف الجرعات المناعية لعدد من المرضى وشرحت لنا كيف تحدث عاصفة سيتوكين في الجسم حين يكتشف جهاز المناعة وجود فيروس تاجي.

تقول د. ناصر: “الفيروس كائن غير حي، ولا يمكنه البقاء إلا من خلال احتلال الخلايا السليمة، فعندما يدخل الفيروس إلى الجسم يبقى ضائعاً ويبدأ بالبحث عن مكان يسمح له بالحفاظ على استمراريته”.

يمتلك الفيروس حمضاً نووياً ريبياً محمياً بغشاء يتكوّن من البروتينات، وينشط حمضه النووي عندما تجد البروتينات الموجودة على سطحه بيئة مناسبة في الخليّة المضيفة له.

ومتى دخل الفيروس إلى الخليّة المضيفة يحتل مواردها البيولوجية، فتبدأ البروتينات الموجودة على سطحه بالتفاعل مع بروتينات الخليّة، وعبر هذه العملية يتمكن الفيروس من اختراق الخلية. وفي اللحظة التي يخرق بها الفيروس جدار الخلية، تتنبه أجهزة الاستشعار المناعية إلى أن شيئاً خطيراً قد حدث على مستوى “معقد التوافق النسيجي الكبير”.

وتضيف: “عندما يلحظ الجهاز المناعي وجود فيروس، ينقسم عمله إلى مستويين. المستوى الأول يحدث عندما يبدأ معقّد التوافق النسيجي الكبير، بإجراء عملية مسح دقيقة لكافة خلايا الجسم، بأسلوب يشبه إلى حد بعيد عملية الرصد التي تقوم بها أجهزة الاستشعار التابعة للغواصة البحرية”.

يتألف مُعقد التوافق النسيجي الكبير من بروتينات تتواجد على سطح سيتوبلازم الخلية. يبدأ مُعقد التوافق النسيجي بتمييز الخلايا السليمة عن الخلايا المصابة بالفيروس، إلى أن يكتشف وجود التصاق خطير بين بروتينات الخلايا السليمة مع بروتينات غريبة.

أما المستوى الآخر من عمل جهاز المناعة، فيبدأ عندما ينطلق الأخير في عملية رصد دقيقة يتعرف من خلالها على “الأنماط الجزيئية المصاحبة لمسبب المرض”، وبعد أن يتعرف الجهاز المناعي عليها يطلق مادة الأنتروفيرون، التي ترسل إشارات إلى الخلايا التائية لمهاجمة الخلايا التي تستضيف الفيروس أو الورم.

متى يصبح السيتوكين قاتلاً؟

يعد السيتوكين مادة سامة، ولهذا تنظم الخلايا التائية طريقة إنتاجه في عملية بيولوجية يطلق عليها اسم: الاستجابة المناعية المتكررة. تقول د. ناصر: “خلايا الجهاز التنفسي هي الخلايا المضيفة لفيروس كورونا، فعندما يغزو كورونا خلايا الجهاز التنفسي الذي يتألف من القصبة الهوائية والرئتين، يبدأ بنسخ نفسه بشكل سريع داخل الخلايا”.

يؤدي النسخ السريع لفيروس كورونا إلى حدوث فوضى ضخمة في عمل الجهاز المناعي، وقد لاحظ الأطباء المتخصصين في علاج أمراض الغدد حدوث تضخم في العقد الليمفاوية المحيطة بالرئة والقصبة الهوائية، مما يشير إلى جهد كبير قامت به العقد الليمفاوية خلال محاربتها للفيروس.

عاصفة السيتوكين: انتحار الساموراي

تصف د. ناصر عاصفة السيتوكين بأنها أشبه بانتحار الساموراي؛ أي الانتحار المُشرف الذي يقوم به الساموراي بعد تلقيه هزيمة كبيرة في معركة ضخمة.

فثمة حرب حقيقية تحدث بين الجهاز المناعي والفيروس، وخلال الحرب يقوم الجهاز المناعي بمناورات ومراوغات حقيقية عبر إطلاقه استجابات مناعية مختلفة؛ فخلال التصدي لفيروسات لا يمتلك الجهاز المناعي ذاكرة عنها، يجري الأخير مناورات مناعية لم يجريها من قبل، وقد تحدث هذه المناورات المتتالية بشكل غير منظم وسريع جداً وتؤدي إلى عواقب وخيمة. وتضيف د. ناصر: “لقد أشارت دراسات إلى احتواء عينات الدم المأخوذة من المرضى على مادة الإنترلوكين 6 المصنف على أنه سام جداً”.

تمكنت الطييبة من خلال قراءتها لتاريخ الفيروسات أن تلاحظ نجاح فيروس كورونا في تطوير بروتينات تشبه إلى حد بعيد تلك الموجودة في المعقد التوافق النسيجي الكبير، وتعتبر ذلك تحدياً كبيراً في ميدان العلاجات المناعية واللقاحات. فعندما يحدث تشابه كبير بين البروتينات السامة والبروتينات السليمة، تبدأ الخلايا التائية والبائية بقتل بروتينات الخلايا السليمة وإتلافها، وتعبر د. ناصر عن رأيها قائلة: “من المؤكد أن عدداً كبيراً من الأشخاص ماتوا نتيجة الاستجابات المناعية الفوضوية، وهو أمرٌ مؤسف ومؤلم جداً”.