Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | الصور الأصلية: ماكس12ماكس إكس، ويكيميديا كومونز، أسوشييتد برس، بنك التسويات الدولية



العملات الرقمية المستقرة -وخصوصاً خطط فيسبوك لإطلاق إحداها- تفرض نفسها، وتجبر البنوك المركزية على السعي للَّحاق بالركب.

زعمت البنوك المركزية القوية لسنوات أنها تدرس العملات الرقمية، وقد ترك معظم هذه البنوك الباب مفتوحاً أمام إمكانية إطلاقها عملات رقمية خاصة بها يوماً ما. وقد يكون فجر هذا اليوم قد حان في موعد أبكر مما توقعه الجميع.

وفي منشور مدونة حديث، قام الاقتصاديان في بنك النقد الدولي، توبياس أدريان وتوماسو مانسيني-جريفولي، بمطالبة صانعي السياسات باتخاذ “إجراءات تنظيمية فورية” من أجل التصدي “للمخاطر الملحوظة” التي تطرحها العملات الرقمية الصادرة من القطاع الخاص، والمُسماة عملات مستقرة، والتي تم تصميمها للحفاظ على قيمة مستقرة لها. وبكلام أكثر دقة، قد يتوجب على البنوك المركزية أن تبدأ بإصدار عملاتها المستقرة.

وفي وقت سابق من هذا العام، كانت تبدو إمكانية ظهور عملات رقمية مدعومة من قِبل الدولة احتمالاً بعيداً؛ حيث إن أوجستين كارستينس، وهو المدير العام لبنك التسويات الدولية الذي يُعرف باسم البنك المركزي للبنوك المركزية، لم يكنْ مُتحمِّساً  لهذا الأمر، فقد قال في خطاب ألقاه في مارس: ” لم تنجح الأبحاث والتجارب حتى الآن في بناء قضية مقنعة، ولا ترى البنوك المركزية اليوم أية قيمة في المغامرة باستثمار أموالها في مجال مجهول المعالم”.

ولكن في يوليو، غيَّر كارستينس موقفه تماماً، حيث قال في حديث لفاينانشال تايمز: “ربما ينشأ سوق لهذه العملات في وقت أبكر مما نعتقد ويجب علينا أن نتمكن من إصدار عملات رقمية خاصة بالبنك المركزي”.

ما الذي تغير؟ في يونيو، كشفت فيسبوك عن خططها لإطلاق عملة رقمية مستقرة جديدة تسمى ليبرا، وسيتم دعمها باحتياطي مُكوَّن من عدة عملات نقدية مستقلة. كما أنَّ الفكرة المتمثلة في إمكانية صدور عملة رقمية غير مستقلة -بل حتى يمكن أن تصل بشكل فوري إلى مليارات الناس على امتداد العالم ممن يستخدمون منتجات فيسبوك- قد فرضت نفسها ودفعت بالبنوك المركزية إلى السعي للحاق بالركب.

ليبرا في مواجهة الدولة
وقد كان بنك الصين الشعبي سبَّاقاً إلى هذا الأمر. وفي الحقيقة، كان هذا البنك جاداً حول موضوع العملة الرقمية منذ أن بدأ يدرس هذه التقنية في عام 2014، كما أن لديه مركز أبحاثٍ مكرساً لهذا الغرض على وجه التحديد. وقد قال وانج كسين، مدير مكتب الأبحاث في بنك الصين الشعبي، في يوليو إن البنك كان يولي درجة عالية من الاهتمام لمشروع العملة الرقمية ليبرا، التي تريد فيسبوك إطلاقها العام المقبل. وفي أغسطس، قال مو شانجشان، نائب مدير قسم المدفوعات في بنك الصين الشعبي، أنهم على وشك إصدار نسخة رقمية من عملة الصين، الرينمينبي، التي ستحل محل العملات النقدية في الدفعات المالية للمستهلكين.

ولم تسبِّب ليبرا ضجةً في الصين فقط، ولكن أيضاً في فرنسا وألمانيا اللتين أعلنتا تعهدهما بحظرها، قائلتين إنها تهديد محتمل “للاستقلال المالي”. كما قال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي بينوا كوريه الشهرَ الماضي إن العملات المستقرة أدت إلى ظهور مخاطر جدية، وإن ليبرا كانت تمثل إنذاراً لأخذ الحذر، وأضاف: “نحتاج إلى تسريع جهودنا بالتفكير في عملة رقمية يُصدرها البنك المركزي”. كما أشار اثنان من المُشرِّعين الأميركيين هذا الأسبوع إلى المخاطر التي تسببها ليبرا في خطاب يحثُّ البنك الاحتياطي الفيدرالي على النظر في مسألة إصدار نسخة رقمية من الدولار الأميركي.

خوف وإلهام
ما هي بالضبط المخاطر الناجمة عن العملات المستقرة الخاصة؟ بالإضافة إلى المخاوف المعتادة مثل غسيل الأموال وتمويل الإرهابيين، فإنه يمكن تلخيص معظم النقاش بنقطة واحدة، وهي مدى إمكانية أن نأتمن شركة تقنية على أموالنا.

يمكن لمزودي العملة المستقرة من القطاع الخاص أن يحتلوا دور البنوك، التي تواجه عموماً قواعد صارمة لحماية المستهلكين، كوسيط رئيسي بين البنوك المركزية والزبائن. وربما ينطوي هذا على عواقب غير متوقعة، وفقاً لأدريان و مانسيني-جريفولي من بنك النقد الدولي، حيث يقولان: “يمكن للشركات التقنية العملاقة أن تستخدم شبكاتها لإقصاء المنافسين وتسليع المعلومات لتحقيق الدخل منها، عن طريق استخدام حق الوصول إلى المعلومات عن المعاملات المالية للزبائن”.

ويعتقد الاقتصاديان أن العملات المستقرة يمكن أن تقوِّض الاستقرار المالي، وأنَّ مُستخدميها يُخاطرون بخسارة أموالهم؛ حيث إن “مدى استقرار العملات المستقرة هو في الأساس موضع شَك”، وهذا يعتمد على درجة سلامة وتوافر الأصول الأساسية، ويعتمد أيضاً على ما إذا كانت محمية من المُودعين الآخرين في حالة إفلاس مُزوِّد العملة المستقرة.

يقول أدريان ومانسيني-جريفولي إنه ربما يتوجب على الحكومات أن تطلب من مزودي العملات المستقرة أن “يدعموا عملاتهم الرقمية بشكل كامل باحتياطات من البنك المركزي، التي تُعتبر الأصولَ المتوافرة الأكثر أماناً والأكثر سيولةً”. ويشيران إلى أن الصين تطلب بالفعل من منصات الدفع الشهيرة مثل أليباي وويتشات باي القيامَ بذلك، حيث يمكن استخدام هذه الطريقة لحماية أموال المستهلكين في حال إفلاس مزود العملة المستقرة، حسب قولهما.

كما أن الخوف من أخطارها المحتملة ليس السبب الوحيد في اعتبار محافظي البنوك المركزية لعملة ليبرا مسألة ضاغطة ويجب التعامل معها؛ فقد قال مارك كارني، حاكم بنك إنجلترا، في خطاب له مؤخراً، إن البديل الأكثر أماناً لعملة ليبرا قد يكون نسخة عامة. هذه النسخة تشبه ليبرا، من حيث أنه يمكن دعمها بعدة عملات مستقلة، لكن ستتولى البنوك المركزية تشغيل شبكتها وليس الشركات. ويضيف كارني: “حتى لو كانت الصيغ الأولية من هذه الفكرة غير مكتملة وتحتاج إلى المزيد من التطوير، فإن المفهوم بحد ذاته مثير للاهتمام”.


شارك



محرر مشارك