هل ستتمكن الجهات المسؤولة عن قطاع الوقود الأحفوري من تنظيف انبعاثاته؟

6 دقائق
هل ستتمكن الجهات المسؤولة عن قطاع الوقود الأحفوري من تنظيف انبعاثاته؟
كان مشروع بتروفا المدعوم من وزارة الطاقة الأميركية في تكساس أكبر مصانع الفحم في العالم المجهزة بمعدات لالتقاط ثاني أوكسيد الكربون. وقد منع انبعاث ملايين الأطنان، لكنه توقف عام 2020
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في أول شهر له في المكتب الرئاسي، وقّع الرئيس الأميركي جو بايدن على أمر تنفيذي لدعوة البلاد إلى إزالة التلوث الكربوني من قطاع الكهرباء بحلول عام 2035، وتحقيق انبعاثات إجمالية صفرية عبر كامل القطاعات الاقتصادية بحلول عالم 2050. 

ويتضمن هذا الإجراء إعادة تعريف لمهمة مكتب الطاقة الأحفورية في وزارة الطاقة الأميركية، وهي الوكالة البحثية التي كانت تعمل على تطوير أساليب أكثر فعالية لإنتاج الوقود الأحفوري منذ نصف قرن تقريباً.

فقد أصبحت الآن مسؤولة عن المساعدة في تنظيف هذه الصناعة. 

اقرأ أيضاً: وفقاً لتقرير الأمم المتحدة: إزالة الكربون لم تعد ترفاً بل ضرورة ملحة

ففي يوليو/ تموز، قامت الوكالة، والتي يعمل فيها ما يقارب 600 موظف بميزانية 900 مليون دولار تقريباً، بإضافة "وإدارة الكربون" إلى اسمها، في إشارة إلى عنصر فائق الأهمية في مهمتها الجديدة: المساعدة على تطوير التكنولوجيا وبناء الصناعة التي تستطيع منع إطلاق ثنائي أوكسيد الكربون من محطات الطاقة والمصانع، وشفطه من الهواء، ونقله، وتخزينه بشكل دائم. 

ويواصل مكتب الطاقة الأحفورية وإدارة الكربون (اختصاراً "إف إي سي إم" (FECM)) بتشغيل فرع بحثي يركز على إنتاج النفط والغاز والفحم. ولكنه الآن يحمل اسم مكتب استدامة الموارد، وتتلخص مهمته الأساسية بتخفيف الآثار الناجمة عن إنتاج هذه الأنواع من الوقود الأحفوري، كما تقول الباحثة المختصة بإزالة الكربون، والتي انضمت إلى المكتب في بداية إدارة بايدن، جينيفر ويلكوكس. وحالياً، تشغل منصب نائب الأمين المساعد الأساسي في "إف إي سي إم"، حيث تشرف على قسمي البحث والتطوير مع براد كرابتري، الأمين المساعد للمكتب. 

وسيتم دعم جهود "إف إي سي إم" بسلسلة من القوانين الفيدرالية الحديثة، بما فيها قانون خفض التضخم، والذي سيؤدي إلى تعزيز كبير في الدعم الضريبي لالتقاط الكربون وإزالته وتخزينه. أما قانون العلوم وبناء الحوافز المفيدة لإنتاج أنصاف النواقل، والذي تم توقيعه ليصبح قانوناً نافذاً في أغسطس/ آب، فهو يمنح الصلاحية لتخصيص مبلغ مليار دولار (ولكنه لا يخصص هذا المبلغ فعلياً) للبحث والتطوير في مجال إزالة الكربون في "إف إي سي إم". وعلى وجه الخصوص، فإن قانون الاستثمارات والوظائف في البنى التحتية، والذي أصدره بايدن في 2021، سيخصص مبلغ 12 مليار دولار تقريباً لأعمال التقاط الكربون وإزالته، بما في ذلك خطوط الأنابيب ومنشآت التخزين. 

وسيقوم "إف إي سي إم" بدور أساسي في تحديد كيفية توجيه أغلب هذه الأموال.

اقرأ أيضاً: الضجة المثارة حول إزالة الكربون باتت مصدراً خطيراً للإلهاء

هل ستتمكن الجهات المسؤولة عن قطاع الوقود الأحفوري من تنظيف انبعاثاته؟
تشغل جينيفر ويلكوكس، وهي باحثة بارزة في مجال إزالة الكربون، منصب نائب الأمين المساعد الأساسي لمكتب الطاقة الأحفورية وإدارة الكربون في وزارة الطاقة.

وبعد إقرار قانون البنى التحتية، أعلنت وزارة الطاقة عن استثمار 2.5 مليار دولار لتسريع وسائل التخزين الآمن لثنائي أوكسيد الكربون في التشكيلات الجيولوجية تحت الأرض والمصادقة عليها، إضافة إلى 3.5 مليار دولار لتمويل المشاريع التجريبية والأولية التي تهدف إلى المنع شبه الكامل لإصدار الانبعاثات الكربونية من محطات الطاقة والمنشآت الصناعية التي تعمل بالوقود الأحفوري، مثل تلك التي تنتج الإسمنت، وعجينة الورق والورق، والحديد والفولاذ. كما قررت المضي قدماً ببرنامج بقيمة 3.5 مليار دولار لتطوير 4 مراكز إقليمية لمشاريع الالتقاط الهوائي المباشر، وهو مشروع يهدف إلى تطوير المصانع التي تستطيع شفط مليون طن من ثنائي أوكسيد الكربون من الهواء سنوياً. 

ومؤخراً، تحدثت مع ويلكوكس ونائب الأمين المساعد لإدارة الكربون في "إف إي سي إم"، نوا ديتش، حول التوجه الجديد لوزارة الطاقة في إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع مختلفة، والمنهج المعتمد في السعي للتعامل مع المخاوف حول التقاط الكربون والأضرار المتواصلة التي يتسبب بها الوقود الأحفوري.

اقرأ أيضاً: هذه الألواح الشمسية المرنة قد تقربنا إلى التخلص من الوقود الأحفوري

"يجب أن نستثمر الآن"

توجد أمام ويلكوكس وديتش معضلة صعبة تنطوي على عوامل متضاربة.

فهناك الكثيرون من مختصي البيئة ومناصري العدالة الاجتماعية وأعضاء الأوساط المناخية ممن يخشون أن يؤدي الدعم الحكومي والتمويل لالتقاط الكربون إلى إطالة أمد الاعتماد على محطات الوقود الأحفوري، وإبطاء الانتقال إلى مصادر الطاقة الخالية من الكربون، وتقديم دعم اجتماعي لمواصلة عمليات استخراج النفط والغاز. إضافة إلى هذا، فهناك العديد من مشاريع التقاط الكربون التي توقفت في نهاية المطاف، على الرغم من حصولها على تمويل كبير من وزارة الطاقة.

ولكن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد إلى درجة كبيرة على محطات الغاز والفحم. ووفقاً لتأكيدات ويلكوكس وديتش، فإن "إف إي سي إم" يقوم بتمويل المشاريع التجريبية والأولية ودعمها سعياً إلى تخفيف مخاطر وتكاليف أدوات التقاط الكربون التي يمكن أن تخفض بدرجة كبيرة من الانبعاثات التي تصدرها الولايات المتحدة وتخفف من الأخطار المناخية المتزايدة. ويأمل المسؤولون عن هذا العمل أن يؤدي إلى دفع المزيد من مؤسسات القطاع الخاص إلى تنفيذ مشاريع مماثلة. إضافة إلى ذلك، فهما يلحظان أن استثمارات "إف إي سي إم" في المؤسسات ستخضع جميعها إلى مجموعة صارمة من المعايير، بما في ذلك التزامات العدالة البيئية الموضحة في وثيقة سابقة.

تقول ويلكوكس إن هذه الانتقادات تحمل بعض الجوانب المحقة، فالتقاط الكربون وتخزينه في محطات الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي "يؤدي إلى رفع إنتاج الغاز". 

وتضيف: "ولكن ليس لدينا خيار آخر. ويجب أن يكون هذا الأسلوب جزءاً من مجموعة أدواتنا، ويجب أن نستثمر الآن حتى يكون هذا الخيار متاحاً".

ويعود هذا إلى وجود مجموعة هائلة من محطات التوليد التي تعمل بالغاز الطبيعي والفحم في كافة أرجاء الولايات المتحدة، والكثير منها جديد نسبياً، على الرغم من النمو في مجال البدائل النظيفة مثل الرياح والشمس.

وتضيف: "تقول الوقائع إن عدم الاستثمار في هذا الحل سيؤدي إلى ظهور المزيد من محطات الطاقة".

وتضيف قائلة إن التقاط الكربون أساسي لتنظيف العديد من العمليات الصناعية، والتي تعتمد على حرارة الأفران التي تعمل بالوقود الأحفوري، وحيث يتم إطلاق ثنائي أوكسيد الكربون كمنتج ثانوي في أغلب الأحيان، مثل عمليات إنتاج الإسمنت والفحم. وفي هذه الحالة أيضاً، لا توجد طريقة سوى تعديل المحطات والمصانع المكلفة الموجودة مسبقاً.  

وتشير ويلكوكس إلى وجود 91 مصنع إسمنت تضخ ما يقرب من 70 مليون طن من ثنائي أوكسيد الكربون سنوياً، كما أن الكثير من هذه المصانع مزودة بأفران إنتاج حديثة، وجميعها تقدم منتجات من نوعية محددة فائقة الأهمية للعملاء وسلامة المنشآت المبنية باستخدامها.

اقرأ أيضاً: لماذا يمثل الهيدروجين الأخضر بديلاً جذاباً للوقود الأحفوري؟

وبالتالي، فإن إضافة تجهيزات التقاط الكربون إلى هذه المنشآت أمر بالغ الأهمية. 

وتقول: "هذا هو الحل الذي يؤمّن أقل قدر من العوائق لاعتماده من قبل الصناعة. إنه تعديل على منشأة موجودة مسبقاً وتم الاستثمار فيها من قبل".

هناك عدة /% والإسمنت وغيرها من المنتجات الصناعية، بشكل يسمح لهذه القطاعات بالتخلص من الانبعاثات بشكل مباشر. ويقول ديتش إننا بحاجة إلى الاستثمار في هذه الحلول ودعمها، ولكنه يلاحظ أن تطويرها واختبارها ورفع مستوى إنتاجيتها قد يستغرق عقوداً من الزمن.

ويقول: "ليس لدينا ما يكفي من الوقت للانتظار، خصوصاً بوجود حلول لإدارة الكربون بتقنيات نعتقد أنها قابلة للتطبيق خلال السنوات القليلة المقبلة بطريقة قابلة للتحقيق فنياً، وتتميز بجدوى اقتصادية جيدة، ومتوافقة مع المسؤوليات الاجتماعية".

ولكن إضافة تجهيزات التقاط الكربون إلى المنشآت ليست سوى جانب واحد من العمل. حيث تركز ويلكوكس وفريقها أيضاً على إزالة الكربون الموجود في الغلاف الجوي. وقد نال هذا الأسلوب نصيبه من الانتقادات أيضاً، بما في ذلك المخاوف من تسببه بأخطار أخلاقية، حيث يغري الحكومات والشركات بالاعتماد عليه على حساب تخفيف الانبعاثات.

ولكن ويلكوكس تقول إن إزالة الكربون ستكون أداة أساسية لتحقيق حيادية الانبعاثات الصادرة عن قطاعات اقتصادية لا يمكن تخفيف اعتمادها على الكربون بسهولة، مثل الطيران والشحن البحري والزراعة. وقد وجدت العديد من الدراسات أيضاً أن العالم قد يحتاج إلى إزالة المليارات من الأطنان سنوياً بحلول منتصف القرن لمنع احترار الكوكب بأكثر من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أو إعادته إلى ما دون هذه العتبة.

يعمل "إف إي سي إم" على تحقيق أهداف بايدن المناخية بعدة أساليب أخرى أيضاً، بما في ذلك دعم تطوير الأشكال النظيفة من الهيدروجين، والأدوات الضرورية لمراقبة انبعاثات الميثان، وأساليب مستدامة أخرى لاستخراج المواد المعدنية المهمة التي ستكون أساسية في عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة.

اقرأ أيضاً: ليست لدينا أي فكرة حتى الآن عن كيفية التخلص من أكثر من ربع انبعاثات الطاقة

مخاوف العدالة الاجتماعية

يؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى إطلاق ملوثات أخرى إلى جانب ثنائي أوكسيد الكربون يمكن أن تؤذي صحة الإنسان. وتؤثر هذه الملوثات بشكل خاص على التجمعات السكانية الفقيرة التي غالباً ما توجد في محيط محطات الطاقة وغيرها من المنشآت الصناعية، ما يثير المخاوف حول مسائل العدالة الاجتماعية.

وتلاحظ ويلكوكس أن محطات التوليد التي تعمل بالغاز الطبيعي ومعامل الإسمنت ستضطر إلى تطبيق عمليات إضافية للتخفيف من بعض الملوثات، بما فيها أكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت، وذلك كخطوة أولى تتيح لتكنولوجيا التقاط الكربون العمل بفعالية. وتضيف أنه يجب على الجهات المسؤولة عن المشاريع المقترحة أن تراقب هذه الملوثات وغيرها. 

ويقول ديتش إن فرص التمويل تستوجب من الشركات أيضاً التواصل مع المجتمعات، والالتزام بتطوير القوى العاملة المحلية، وتقييم الانبعاثات المناخية عبر كل من دورة الحياة وسلاسل التوريد الخاصة بتكنولوجياتها. كما يُتوقع من الشركات أن تقوم بتحديد الأخطار المحتملة لهذه المشاريع ومعالجتها وضمان توزيع الفوائد على نحو عادل، والاستعداد لإلغاء هذه المشاريع في حال رفضتها المجتمعات المحلية.

ويقول: "سنضمن أن تُقام هذه المشاريع في أماكن لا تتعرض فيها إلى رفض المجتمعات المحلية".

هل ستتمكن الجهات المسؤولة عن قطاع الوقود الأحفوري من تنظيف انبعاثاته؟
نوا ديتش هو نائب الأمين المساعد لإدارة الكربون في مكتب الطاقة الأحفورية وإدارة الكربون.

ومن خلال دعم المشاريع التي تأخذ هذه المسائل بعين الاعتبار وتبرهن قدرة تكنولوجياتها على تخفيف الانبعاثات بدرجة كبيرة، يأمل المسؤولون بإحداث نقلة في الحوار حول التقاط الكربون وتبديد الرفض القاطع له في بعض الأوساط، كما يقول.

ومن التساؤلات المهمة الأخرى المطروحة للنقاش: مدى استعداد قطاع الطاقة وشركات الغاز والنفط والصناعات الثقيلة للمضي قدماً بهذه المشاريع المكلفة، نظراً للتكاليف والمخاطر، ونقص القوانين الإلزامية.

اقرأ أيضاً: 6 طرق لإعداد خطط الوصول إلى صافي صفري من الانبعاثات

وأجابت ويلكوكس بأن هذه القطاعات ماضية في هذه المشاريع منذ الآن، وأشارت إلى مشاريع حظيت بتمويل "إف إي سي إم" على مدى السنتين الماضيتين، والتي تتضمن دراسات تصميمية لتعديل عدة مصانع للإسمنت. هناك أيضاً العشرات من مخططات مشاريع التقاط الكربون في الولايات المتحدة ضمن قاعدة البيانات التي يشرف عليها المعهد الدولي لالتقاط الكربون وتخزينه، بما فيها منشآت تعمل بالغاز الطبيعي والإيثانول.

ويقول ديتش إن الشركات بدأت تشعر منذ الآن بتزايد الضغوط من العملاء الذين يرغبون بتخفيف الانبعاثات عبر سلاسل التوريد الخاصة بهم، وأن الشركات بدأت تستشعر التغيرات التي تشهدها توجهات الأعمال والقوانين الناظمة. وقد بدأت بعض الشركات باتخاذ الخطوات اللازمة حتى تبدأ بالعمل وجني الأرباح في 2050.

ويقول: "من يبدأ بالتحرك أولاً سيحصل على الأفضلية، وسيحصل على رأس المال التقني والبشري لبناء هذه المشاريع بتكلفة أقل وسرعة أكبر وفعالية أعلى. إنه رهان ذكي على المدى البعيد".