كيف يغير الذكاء الاصطناعي من طبيعة الحواسيب؟

5 دقائق
الذكاء الاصطناعي وطبيعة الحواسيب
حقوق الصورة: أندريا داكوينو
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ها قد حل خريف العام 2021، وهو موسم يقطينات هالوين المرعبة وفطائر جوز البقان والهواتف الجديدة والجميلة. ففي كل سنة، وفي نفس الوقت تماماً، تطرح آبل وسامسونغ وجوجل وغيرها أحدث إصداراتها.

غير أن هذه المواعيد الثابتة في تقويم الإلكترونيات الاستهلاكية لم تعد تثير المفاجأة والعجب كما كانت تفعل من قبل. ولكن، وخلف كل تلك الحيل التسويقية المبهرجة، هناك شيء رائع يحدث. حيث إن أحدث منتجات جوجل، بيكسل 6، هو أول هاتف يتضمن شريحة منفصلة مخصصة للذكاء الاصطناعي بجانب معالجه الأساسي.

كما أن الشريحة التي تشغل آيفون كانت تحتوي، ومنذ السنتين الماضيتين، على ما تسميه آبل “المحرك العصبوني”، والمخصص أيضاً للذكاء الاصطناعي. وقد صُممت كلتا الشريحتين بشكل مناسب لأنواع الحسابات المتعلقة بتدريب وتشغيل نماذج التعلم العميق على أجهزتنا، مثل الذكاء الاصطناعي الموجود في الكاميرا. وهكذا، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من حياتنا اليومية، وتقريباً دون أن نلاحظ. كما أنه بدأ بتغيير طريقة تفكيرنا حول الحوسبة. ولكن ماذا يعني هذا بالضبط؟

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الحواسيب التحقق من صحة حل أي مسألة في زمن معقول؟

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي الحواسيب؟

في الواقع، لم تتغير الحواسيب كثيراً على مدى السنوات الأربعين أو الخمسين الماضية. وعلى الرغم من أنها أصبحت أصغر وأسرع، فإنها ما زالت عبارة عن صناديق مزودة بمعالجات تقوم بتنفيذ تعليمات البشر. وقد أدى الذكاء الاصطناعي إلى تغيير هذا على ثلاثة أصعدة: كيفية صنع الحواسيب، وكيفية برمجتها، وكيفية استخدامها. وفي المحصلة، سيؤدي إلى تغيير الهدف منها.

يقول براديب دوبي، وهو مدير مختبر الحوسبة التفرعية في إنتل: “لقد بدأ جوهر الحوسبة بالتغير من إجراء الحسابات إلى اتخاذ القرارات”. وبطريقة أخرى، بدأ الذكاء الاصطناعي بتحرير الحواسيب من صناديقها، كما تقول دانييلا روس، مديرة مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في إم آي تي.

 عَجَلَة أكبر، سرعة أقل: التغير الأول في كيفية صنع الحواسيب 

يتعلق التغير الأول بكيفية صنع الحواسيب، والشرائح التي تتحكم بها. فقد نتجت التطورات في الحوسبة التقليدية عن تزايد سرعة الآلات في تنفيذ العملية الحسابية تلو الأخرى. وعلى مدى عقود كاملة، استفاد العالم من تزايد سرعة الشرائح بوتيرة منتظمة نتجت عن مجاراة صانعي الشرائح لقانون مور. ولكن نماذج التعلم العميق التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية تتطلب مقاربة مختلفة، فهي بحاجة إلى تنفيذ عدد هائل من الحسابات الأقل دقة في نفس الوقت.

وهذا يعني الحاجة إلى نوع جديد من الشرائح، والتي تستطيع تحريك البيانات بسرعة عالية، بحيث تكون متاحة في الوقت والمكان المناسبين عند الحاجة. عندما دخل التعلم العميق إلى المشهد التكنولوجي بشكل انفجاري منذ حوالي عقد من الزمن، كانت هناك شرائح حاسوبية متوافرة بمواصفات مناسبة له، وهي وحدات المعالجة الرسومية “GPU”، والتي صُممت لعرض أعداد هائلة من البيكسلات على الشاشة دفعة واحدة لعدة عشرات من المرات في الثانية الواحدة.

يمكن لأي شيء أن يصبح حاسوباً. وبالفعل، فإن معظم الأغراض المنزلية، من فراشي الأسنان إلى مفاتيح الإنارة وصولاً إلى الأجراس، أصبحت متوافرة بنسخ ذكية. والآن، بدأ صانعو الشرائح، مثل “إنتل” (Intel) و”آرم” (Arm) و”إنفيديا” (Nvidia)، والذين قدموا الكثير من وحدات المعالجة الرسومية التي استُخدمت في البداية، بالانتقال إلى تصنيع عتاد صلب مصمم خصيصاً للذكاء الاصطناعي.

أيضاً، بدأت شركتا “جوجل” (Google) و”فيسبوك” (Facebook) باقتحام هذا المجال للمرة الأولى، وذلك في سباق للعثور على أفضلية في حقل الذكاء الاصطناعي عن طريق العتاد الصلب. وعلى سبيل المثال، فإن الشريحة ضمن بيكسل 6 هي نسخة جديدة ومحمولة من وحدة المعالجة التنسورية (TPU) من جوجل.

وعلى عكس الشرائح التقليدية، والمصممة خصيصاً لتنفيذ الحسابات الدقيقة بسرعة فائقة، فإن وحدات المعالجة التنسورية مصممة لتنفيذ حسابات بحجم هائل ودقة منخفضة، وهو النوع المطلوب للشبكات العصبونية. وقد استخدمت جوجل هذه الشرائح بنفسها منذ 2015، فهي تقوم بمعالجة صور البشر وعمليات البحث باللغة الطبيعية. كما تستخدمها الشركة الشقيقة لجوجل، “ديب مايند” (DeepMind)، في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وفي السنتين الماضيتين، أتاحت جوجل هذه الشرائح للشركات الأخرى، وبدأت هذه الشرائح، إضافة إلى شرائح مماثلة طورتها شركات أخرى، بالتحول إلى الخيار الافتراضي ضمن مراكز البيانات في العالم. بل إن الذكاء الاصطناعي يساعد على تطوير بنية الحوسبة الخاصة به. ففي 2020، استخدمت جوجل خوارزمية تعلم معزز، وهو نوع من الذكاء الاصطناعي الذي يتعلم كيفية حل المشاكل بالتجربة والخطأ، لتصميم مخطط وحدة معالجة تنسورية جديدة.

وفي نهاية المطاف، توصل الذكاء الاصطناعي إلى تصاميم جديدة وغريبة لم يكن أي بشري ليفكر بها، ولكنها ناجحة.
ويمكن لهذا النوع من الذكاء الاصطناعي أن يساعد يوماً ما على تطوير شرائح أفضل وأكثر فعالية.

اقرأ أيضاً: جي بي تي 3: هل اقتربت الحواسيب من اجتياز اختبار تورنغ؟

لا تخبرني، بل أرِني: التغير الثاني حول طريقة توجيه الأوامر والتعليمات إلى الحواسيب

يتمحور التغير الثاني حول طريقة توجيه الأوامر والتعليمات إلى الحواسيب. فقد كنا نقوم طوال السنوات الأربعين الماضية ببرمجة الحواسيب، أما في السنوات الأربعين المقبلة فسوف ندربها، كما يقول كريس بيشوب، رئيس قسم الأبحاث في شركة “مايكروسوفت” (Microsoft) في المملكة المتحدة.

فإذا أردنا من حاسوب أن يقوم بشيء مثل التعرف على الكلام أو تحديد الأجسام في صورة، فإن الطريقة التقليدية للقيام بهذا تكون في وضع قواعد محددة يجب على الحاسوب أن يتبعها. ولكن، بوجود التعلم الآلي، لم يعد المبرمجون بحاجة إلى وضع القواعد. وبدلاً منها، يقومون ببناء شبكات عصبونية تتعلم هذه القواعد بنفسها. إنها طريقة تفكير مختلفة جذرياً.

وقد أصبحت الأمثلة عليها شائعة للغاية، حيث يُعتبر التعرف على الكلام وتحديد محتوى الصور من الميزات القياسية الجديدة في الهواتف الذكية. كما تمكنت بعض الأمثلة الأخرى من تحقيق ضجة إعلامية كبيرة، كما حدث عندما تمكن برنامج “ألفا زيرو” من تعليم نفسه كيفية ممارسة لعبة “غو” بمستوى أفضل من البشر.

وبشكل مماثل، تمكن “ألفا فولد” من حل مسألة بيولوجية، وهي كيفية انطواء البروتينات، وهي مسألة حيرت البشر لعقود طويلة.
وبالنسبة لبيشوب، فإن الإنجازات الكبيرة التالية ستكون في مجال المحاكاة الجزيئية، أي تدريب الحواسيب على التلاعب بخصائص المادة، ما قد يسمح بتحقيق قفزات نوعية يمكن أن تغير العالم بأسره في استخدام الطاقة، وإنتاج الغذاء، والتصنيع، والطب.

غالباً ما تُطلق وعود ضخمة صعبة التحقيق كهذه. ولكن من الصحيح أيضاً أن التعلم العميق لديه ماضٍ حافل في إدهاشنا بالمفاجآت. وقد أدت اثنتان من أكبر القفزات من هذا النوع حتى الآن، أي جعل الحواسيب تتصرف وكأنها تفهم اللغة، والتعرف على محتويات الصور، إلى تغيير طريقتنا في استخدامها.

الحاسوب يعرف ما يجب فعله: التغير الثالث

على مدى عقود كاملة، كان تنفيذ شيء باستخدام الحاسوب يعني طباعة أمر، أو النقر بالفأرة على زر ما. ولكن الآلات لم تعد بحاجة إلى لوحة مفاتيح أو شاشة حتى يستطيع البشر التفاعل معها. ولكن، ومع انتشار هذه التكنولوجيات، فسوف نرغب في إضاعة وقت أقل على تحديد وتوضيح مهامها. ويجب أن تكون قادرة على تحديد حاجاتنا بنفسها دون أن يخبرها أحد بذلك. وهذه هي النقلة التي كان يتحدث عنها دوبي، أي من الحسابات إلى اتخاذ القرار، والتي ينظر إليها على أنها ستمثل الملمح المميز للحقبة الجديدة من الحوسبة.

أما روس فترغب بأن نعتنق الدعم الإدراكي والمادي الذي يمكن أن تقدمه هذه الحواسيب. وتتخيل أن الحواسيب ستخبرنا أشياء نحتاج إلى معرفتها في الوقت المناسب، وتتدخل عندما ترى أننا بحاجة إلى المساعدة. وتقول: “عندما كنت صغيرة، كان “تلميذ الساحر The Sorcerer’s Apprentice ” هو المشهد السينمائي المفضل لدي في العالم بأسره، ففي ذلك المشهد، استدعى ميكي ماوس المكنسة حتى تساعده في ترتيب المكان. ولكننا لن نكون بحاجة إلى السحر لتحقيق هذا في المستقبل”.

ونعرف جميعاً إلام أدى هذا. لقد فقد ميكي السيطرة على المكنسة، وتسبب بفوضى عارمة. والآن، ومع تفاعل الآلات مع البشر ودخولها في عشوائية العالم الواسع، فقد أصبح كل شيء عرضة للتغير والتقلب. ولكن، من المؤكد أن الحواسيب خرجت من صناديقها.

 

 

Content is protected !!