Article image
مصدر الصورة: دين موتاروبولوس/ جيتي


هذا القسم يأتيكم بالتعاون مع:


يمكن الحد من استهلاك الطاقة المطلوب للذكاء الاصطناعي بالاعتماد على التكنولوجيات الجديدة في الشرائح الإلكترونية، وحتى الذكاء الاصطناعي نفسه.

في مؤتمر عُقد مؤخراً في سان فرانسيسكو، صعد جاري ديكرسون على المسرح وأطلق توقعاً جريئاً. يشغل ديكرسون منصب الرئيس التنفيذي لشركة أبلايد ماتيريالز التي تُعتبر من كبار المزودين في صناعة أنصاف النواقل، وقد حذَّر من أن ضعف الابتكار في المواد وتصنيع وتصميم الشرائح الإلكترونية قد يؤدي إلى زيادة استهلاك مراكز البيانات للكهرباء -بسبب عمل الذكاء الاصطناعي- إلى عُشر الاستهلاك العالمي بحلول العام 2025.

وحالياً تستهلك الملايين من مراكز البيانات حول العالم أقل من 2%، ويشمل هذا الرقم جميع أنواع العمل الذي تعالجه مخدمات هذه المراكز. ووفقاً لتقديرات أبلايد ماتيريالز، فإن المخدمات التي تشغّل الذكاء الاصطناعي حالياً تستهلك حوالي 0.1% فقط من الكهرباء على مستوى العالم.

وقد بدأ رؤساء تنفيذيون آخرون في المجال التكنولوجي بإطلاق التحذيرات أيضاً، حيث يعتقد أنديرز أندراي من هواوي أن مراكز البيانات قد تصل في استهلاكها إلى عُشر الاستهلاك العالمي بحلول العام 2025، غير أن هذا التقدير يغطي كافة أنواع العمل، لا الذكاء الاصطناعي وحسب. أما جوناثان كومي، وهو المستشار الخاص لكبير العلماء في معهد روكي ماونتن، فهو أقل تشاؤماً؛ حيث يتوقع أن يبقى استهلاك مراكز البيانات ثابتاً نسبياً على مدى السنوات القليلة المقبلة، على الرغم من الارتفاع الحاد في النشاط المتعلق بالذكاء الاصطناعي.

وتشير هذه التوقعات المتباينة إلى حالة من الحيرة إزاء تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الحوسبة واسعة النطاق، والآثار النهائية على استهلاك الطاقة.

تصورات أكثر شمولية
لا شك في نهم الذكاء الاصطناعي للكهرباء؛ حيث إن تدريب وتشغيل أشياء مثل نماذج التعلم العميق يتطلب معالجة كميات هائلة من البيانات، مما يعني عبئاً ثقيلاً على الذواكر والمعالجات. وتقول دراسة من المجموعة البحثية أوبن إيه آي إن استطاعة الحوسبة المطلوبة لعمل نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة بدأت تتضاعف كل ثلاثة أشهر ونصف الشهر.

وتقرُّ أبلايد ماتيريالز بأن تقديراتها تمثل سيناريو الحالة الأسوأ، وذلك لمعرفة ما يمكن أن يحدث إذا لم نغير تفكيرنا حول ما نستخدمه من العتاد الصلب والبرمجيات. ويقول سانديب باجيكار، وهو مدير إستراتيجية الأعمال ومعلومات السوق في الشركة، إن هذه التقديرات تفترض وجود نقلة في تركيبة المعلومات المستخدمة لتدريب الذكاء الاصطناعي بعد فترة من الزمن، بحيث تزداد نسبة الفيديوهات وغيرها من الوسائط التي تتضمن الصور بالمقارنة مع البيانات النصية والصوتية؛ حيث إن البيانات المرئية أشد تعقيداً وتتطلب المزيد من الحوسبة، أي المزيد من الطاقة.

أيضاً سيكون هناك المزيد من المعلومات التي يمكن للنماذج معالجتها؛ وذلك بفضل ظهور تكنولوجيات جديدة مثل السيارات ذاتية التحكم والحساسات المدمجة في أنظمة ذكية أخرى. كما أن انتشار الاتصال بالشبكات اللاسلكية من الجيل الخامس سيزيد أيضاً من سهولة نقل البيانات من مراكز البيانات وإليها. يقول باجيكار إن هذه التوجهات وغيرها تؤكد مدى حاجتنا إلى ما تسميه شركته “مجموعة أساليب جديدة” بمجالات المواد والتصنيع في حقبة الذكاء الاصطناعي. ويعتقد بعض الباحثين أن تعطُّش الذكاء الاصطناعي للطاقة قد يتحول حتى إلى مصدرٍ لمتاعب بيئية جمة، فقد نشر فريق من جامعة ماساتشوستس أمهيرست مؤخراً دراسة تبين أن تدريب عدة نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة وذائعة الصيت يُنتج ما يقارب خمسة أضعاف الانبعاثات التي تصدرها سيارة أميركية متوسطة طوال فترة عملها.

المراهنة على الأساسيات
من ناحية أخرى، فإن التوقعات المتشائمة تتجاهل عدة تطورات هامة يمكن أن تخفف من حدة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة، مثل ظهور مراكز البيانات “الفائقة” التي طوّرتها شركات مثل فيسبوك وأمازون.

وتعتمد مراكز البيانات هذه على مجموعات هائلة من المخدمات الأساسية المصممة لمهام محددة، وهي أكثر فعالية في استهلاك الطاقة من المخدمات في مراكز البيانات التقليدية، التي تضطر للتنقل باستمرار بين العديد من الوظائف المختلفة. وإذا استمر الانتقال نحو مراكز البيانات الفائقة، إضافة إلى التطورات في تكنولوجيا التبريد وغيرها، فسوف يساهم هذا إلى حد كبير في معاكسة أثر استهلاك مراكز البيانات الجديدة للطاقة بسبب تحسين فعالية الاستهلاك على مدى السنوات القليلة الماضية.

كما أن ظهور أنواع جديدة من الشرائح سيكون له تأثيرٌ إيجابي أيضاً؛ حيث تفترض تقديرات أبلايد ماتيريالز استمرار تشغيل الذكاء الاصطناعي باستخدام العتاد الصلب الحالي، الذي ستتحسن فعاليته تدريجياً على مدى السنوات القليلة المقبلة. ولكن هناك مجموعة من الشركات الناشئة، والشركات الكبيرة مثل إنتل وإيه إم دي، تعمل على تطوير أنصاف نواقل تعتمد على تكنولوجيات مثل الضوئيات لتشغيل الشبكات العصبونية وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي بمقدار أقل من الطاقة.

ويقول كومي إن التوقعات المتشائمة تتجاهل أيضاً مسألة أخرى، وهي أنه يمكن الاكتفاء بخرج تقريبي من النماذج في بعض مهام الذكاء الاصطناعي، مثل التعرف على الأنماط؛ أي أنه لا داعي لاستهلاك الطاقة من أجل حساب النتائج بدقة مئات المراتب العشرية بعد الفاصلة.

ومن المفارقة أن أكبر عامل يمكن أن يساعد في ضبط استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة هو الذكاء الاصطناعي نفسه؛ فقد بدأت جوجل باستخدام تكنولوجيا طورتها شركة ديب مايند -التي استحوذت جوجل عليها في 2014- لتبريد مراكز بياناتها بفعالية أكبر. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي الشركة على تخفيف إنفاقها على التبريد بنسبة 40% بتقديم الاقتراحات إلى المشغلين البشريين، ويقوم حالياً بإدارة أنظمة التبريد في المراكز بشكل مستقل تماماً.

وسيُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء عمليات أخرى في مراكز البيانات أيضاً. وكما حققت جوجل انتصاراً في مجال التبريد، ستصل فائدة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى جميع المهام الأخرى أيضاً. وهذا لا يعني طبعاً أن مراكز البيانات لن تبتلع المزيد في نهاية المطاف بسبب تزايد الطلب على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ولكنه سبب إضافي يزيد من صعوبة هذه التوقعات.


شارك