أظهرت دراسة جديدة من جامعة كامبريدج مشاكل كبيرة في أداء خوارزمية تعلم عميق بمجال معالجة الصور الطبية ما قد ينتج عنه أخطاء كارثية في التشخيص.

2020-05-16 17:30:42

16 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: المعهد القومي للأمراض عبر أنسبلاش

دخلت خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ مجال التشخيص الطبيّ بهدف تحسين القدرات التي توفرها التقنيات المتوافرة في الوقت الحاليّ ومساعدة الأطباء على اتخاذ قراراتٍ تشخيصية أكثر دقة بما يُفضي بالنتيجة لرفع كفاءة نظام الرعاية الصحية ككل. بشكلٍ أكثر دقة، حصل مجال التصوير الشعاعيّ على دعمٍ كبير من خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ من أجل تحسين جودة الصور لإظهار تفاصيل أعضاء جسم الإنسان بشكلٍ أفضل من ذي قبل، وهو الأمر الذي من شأنه المساعدة على رفع دقة الكشف عن الأورام الخبيثة، أو حتى إمكانية تمييز الكتل الورمية الحميدة من تلك الخبيثة.

بشكلٍ عام، يستخدم مصطلح خوارزميات التصنيف (Classification Algorithms) لنمطٍ من الخوارزميات القادرة على التعرف على أمورٍ محددة ضمن الصور واستخلاص معلوماتٍ معينة منها، وبحالة التشخيص الطبي، يتم استخدام خوارزميات التصنيف المعتمدة على الذكاء الاصطناعيّ على نطاقٍ واسع من أجل تحليل الصور الطبية والتوصل لقرارٍ تشخيصي سليم، أو لنقل بأقل احتمالية ممكنة من الخطأ. وقد أثبتت البرمجيات المعتمدة على الشبكات العصبونية (أحد أنماط الذكاء الاصطناعي) قدرةً ممتازة في مجال تصنيف الصور واستخلاص المعلومات منها، وهو ما أسهم في تشجيع الباحثين على استخدامها في مجالٍ آخر مرتبط بالتشخيص وتحسين رفع جودة الرعاية الصحية، وهو مجال: إعادة تركيب الصور (Image Reconstruction). 

تلعب تقنيات إعادة تركيب (أو إعادة تكوين) الصور دوراً هاماً في مجال التصوير الطبي، فهي توفر طرقاً وآليات تتيح رفع دقة وجودة الصورة الطبية وجعلها واضحة وذات تفاصيل كثيرة، وبالتالي يمكن عبر هذه التقنيات إدخال صورة ذات جودة منخفضة والحصول منها على صورةٍ ذات جودة عالية؛ هذا يعني أن الصورة المُحسنة ستمتلك تفاصيل ومعلومات أكثر مقياساً بالصورة الأصلية، وهو الأمر الذي من شأنه مساعدة الأطباء في عملية التشخيص.

على صعيدٍ آخر، وبحالة التصوير الشعاعي، فإن الزمن اللازم عادةً لأخذ صورةٍ باستخدام جهاز التصوير بالرنين المغناطيسيّ (MRI) قد تستغرق وقتاً يصل حتى ساعتين، وبشكلٍ عام، فإن مدة بقاء المريض ضمن الجهاز ستساعد على استشعار معلوماتٍ أكثر من قِبل الحساسات الخاصة بالجهاز، وبالتالي تجعله قادراً على تكوين صورٍ ذات دقةٍ عالية باستخدام برمجيات إعادة تركيب الصور. إن إطالة مدة التصوير ستنعكس سلباً على القدرة على أخذ صورٍ لمقاطع مختلفة من الجسم، وبالتالي من أجل التقاط صورٍ متعددة يجب تقصير مدة التصوير، وهنا يأتي دور خوارزميات إعادة تركيب الصور التي تستطيع أن تعوّض عن قصر زمن التصوير عبر رفع دقة الصور النهائية.

ولكن ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟ ألا يمكن أن يستخدم في مجال إعادة تكوين الصور للحصول على نتائج عالية الدقة، بما يساهم في تقصير زمن التصوير مع المحافظة على جودةٍ مرتفعة في الصور الناتجة؟ إن كان الذكاء الاصطناعيّ قادراً على تقديم أداءٍ ممتاز في مجال تصنيف الصور واستخلاص المعلومات منها، ألن يكون أيضاً قادر على إعادة تشكيلها بشكلٍ جيد؟ يجب ألا ننسى أمراً هاماً: تعتبر قابلية التعلم أحد أبرز خصائص خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبونية، بمعنى أن البرنامج سيكون قادراً على تحسين دقته وقدراته مع مرور الوقت وفي كل مرة يتم عبرها إدخال بيانات جديدة. ألا تعتبر هذه الخاصية أمراً يضمن تفوّق برمجيات الذكاء الاصطناعيّ على برمجيات إعادة تركيب الصور التقليدية؟ هذه الأسئلة كانت محور عمل بحثي جديد تم إجراؤه بالتعاون بين جامعتي كامبريدج وجامعة سيمون فرايزر. الهدف هو تقييم أداء برمجيات الذكاء الاصطناعيّ والتعلم العميق في مجال إعادة تشكيل الصور، وتم نشر نتائج البحث في مجلة (Proceedings of the National Academy of Sciences).

قام الفريق البحثي المسؤول عن الدراسة بإجراء سلسلةٍ من الاختبارات تهدف لإعادة تركيب وتشكيل الصور الطبية اعتماداً على خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبونية، وذلك بدلاً من استخدام الخوارزميات الرياضية التقليدية، وتم تنفيذ ذلك لصورٍ طبية ملتقطة باستخدام أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وأجهزة التصوير الطبقي المحوري (CT) والرنين المغناطيسي النووي (NMR) ولأجزاء مختلفة من جسم الإنسان، ومن ثم مقارنة نتائج عمل خوارزميات التعلم العميق وتحليلها.

أظهر الفريق أن خوارزميات التعلم العميق قد أدت إلى توليد صورٍ ذات أخطاء وتشوّهات متنوعة وكثيرة، والتي تظهر في الصور النهائية وكأن هناك كتلاً حيوية جديدة بالكامل، أو حتى إزالة كتل حيوية كانت موجودة أصلاً، أو قد تمتلك الصور ضجيجاً يجعلها غير واضحة عند النظر إليها.

الصورة التالية تظهر بعض الأخطاء التي أنتجتها خوارزميات التعلم العميق؛ ففي أعلى يسار الصور يظهر الشكل الأصلي، والأشكال الأربعة الأولى السفلية تظهر الصور التي تم تشكيلها باستخدام التعلم العميق، ويمكن ملاحظة وجود مشاكل متنوعة فيها، من ضجيج وعدم وضوح التفاصيل (كما في الصورة الأخيرة) إلى ظهور كتل غريبة غير موجودة أصلاً، والتي تشير إليها الأسهم الحمراء في الصورة الثانية من أسفل اليسار:

بهذه الصورة، خلص الباحثون إلى أن خوارزميات التعلم العميق التي استخدموها تتصف بكونها: غير مستقرة (Instable)، وبأنها ذات حساسية عالية لأي تغيراتٍ صغيرة، وأمر بسيط مثل حركة المريض أثناء عملية التصوير قد يؤدي لتشوّهات وأخطاءٍ جسيمة في الصورة النهائية، وقام الباحثون بربط الأداء غير المستقر لخوارزمية التعلم العميق بالعديد من العوامل، وأهمها أثر الحركة أثناء التصوير وعدد العينات التي تم استخدامها لكل حالة (أشار البحث إلى أن استخدام عدد كبير من عينات الصور أدى إلى إنتاج صورة نهائية ذات خصائص منخفضة). المثير بهذا الصدد أن هذه التشوّهات والأخطاء لا تظهر عادةً عند استخدام آليات إعادة تركيب الصور التقليدية التي لا تمتلك ميزات التعلم العميق، أي قابلية تحسين الأداء عبر التعلم من الخبرة.

أكثر ما يثير القلق -في حال الاعتماد على خوارزميات مثل هذه في المجال الطبي- هو الحالات التي تقوم فيها الخوارزمية بتوليد صورة ليظهر فيها كتلة لم تكن موجودة من قبل، أو تحذف كتلة كانت موجودة بالفعل. هذه الأمور قد تؤدي لأخطاء كارثية في التشخيص؛ حيث ستدفع الأطباء إلى اعتبار أن مريضاً ما لديه ورم خبيث، في حين أنه ليس لديه في الواقع، وهو ما يعرف باسم السلبية الخاطئة (False Negative)، أو اعتبار المريض ليس لديه ورم خبيث في حين أنه لديه في الواقع، وهو ما يعرف باسم الإيجابية الخاطئة False Positive).

يمثل هذا البحث مؤشراً هاماً على ضرورة اكتساب فهمٍ أكبر لكيفية عمل خوارزميات التعلم العميق والتأكد من أدائها ودقتها بشكلٍ جيد قبل تضمينها في مجالاتٍ حساسة مثل صحة البشر. وقد أشار الباحثون إلى أمرٍ هام، وهو أن الحماسة المرتبطة بالذكاء الاصطناعيّ وميزاته كبيرة جداً، وهذا يجعل البعض يعتقد أن نجاحه في مهمةٍ ما هو دليلٌ على إمكانية نجاحه في أي مهمةٍ أخرى، وهو افتراض تم إثبات خطأه عبر البحث الجديد. لا يعني البحث بأي حالٍ من الأحوال أنه لا يجب استخدام خوارزميات التعلم العميق في مجال إعادة تركيب وتكوين الصور، ولكنه يشير إلى ضرورة فهم هذه الخوارزميات على نحوٍ أفضل ورفع أدائها قبل تبنّيها.


شارك