أظهرت نظم التعلم العميق إمكانات غير مسبوقة في العديد من المجالات، لكن التحديات الحالية تثير التساؤلات حول الحدود التي يمكن الوصول إليها.

2020-03-16 15:13:52

16 مارس 2020
Article image

هل تساءلت يوماً عن الكيفية التي يتعرف بها موقع فيسبوك على صورك الشخصية أو على صور أحد أصدقائك ليقترح عليك الإشارة إليه فيها؟ أو كيف يمكن لشركة معينة أن تقترح عليك شراء منتج أو خدمة في نفس الوقت الذي كنت تفكر فيه في الأمر؟ إليك الطريقة.

تكمن إجابة التساؤلات السابقة في مفهوم التعلم العميق (Deep Learning)، وهي الطريقة التي يتمكن بها الكمبيوتر من “تعلم” محاكاة طريقة تفكير البشر، القائمة على التدريب واكتساب الخبرة. وبالتالي فإن برامج الكمبيوتر تتمكن من تطوير خبراتها مع مرور الوقت في مجالات معينة، مثل فهم محتوى الصور (الرؤية الحاسوبية) أو الأصوات، بنفس الطريقة التي يفهمها بها الدماغ البشري.

وقبل الخوض في تفاصيل التعلم العميق واستخداماته، ينبغي القول بأن الأمر يلتبس في كثير من الأحيان على غير المتخصصين في فهم الاختلافات بين التعلم العميق والتعلم الآلي وعلاقتهما بالذكاء الاصطناعي. لذا، تجدر الإشارة إلى أن التعلم العميق هو إحدى صور التعلم الآلي (Machine Learning)، الذي يعد بدوره أحد فروع الذكاء الاصطناعي. ويعتمد التعلم الآلي على خوارزميات يمكن تغذيتها ببيانات منظمة فتقوم بتحليلها للوصول إلى استنتاجات، أما التعلم العميق فيتميز بوجود مستويات مختلفة من الخوارزميات، التي تكّون شبكات عصبية اصطناعية (ANN)، لديها القدرة على فهم البيانات غير المنظمة والأنماط المعقدة، مثل اللغات والصور والكلام.

كيف يعمل التعلم العميق؟
يعتمد التعلم العميق على معالجة كمية ضخمة من البيانات، من خلال تمريرها عبر ما يعرف بالشبكات العصبية العميقة (DNN)، لتدريبها على استخراج معلومات مفيدة من هذه البيانات. وتماماً كما في الشبكات العصبية الموجودة لدى البشر، تتكون هذه الشبكات الاصطناعية من خلايا عصبية (يطلق عليها أحياناً عصبونات) تضم عدة طبقات، تبدأ بطبقة لإدخال البيانات وتنتهي بطبقة لإخراج النتيجة، وبينهما عدة طبقات للتحليل والاستنتاج، يطلق عليها الطبقات الخفية.

تلتقط كل طبقة في هذه الشبكة معلومات محددة أو نمطاً محدداً من البيانات، وتنقلها إلى طبقة أخرى للتدرب عليها باستخدام خوارزميات تعلم، ثم تحليلها، لتنتج في النهاية نموذج يمكن الاستفادة منه. ولكل عصبون في الشبكة وزن، وهذا الوزن هو ما يحدد أهمية كل عنصر بالنسبة لباقي العناصر، ومع تزايد حجم البيانات المُدخلة يتم تعديل أوزان العناصر مراراً وتكراراً، بهدف زيادة دقة النتيجة النهائية.

وأحد أشهر أنواع الشبكات العصبية العميقة المستخدمة يُعرف باسم الشبكات العصبية الملتفة (CNN)، وهذا النوع من الشبكات هو الذي يُستخدم غالباً في معالجة الصور. ويزداد عمق الشبكة وقدراتها بازدياد عدد طبقاتها، وتصل أعداد هذه الطبقات أحياناً إلى 150 طبقة.

تطبيقات عملية
لا يقتصر استخدام التعلم العميق على التعرف على الصور والأصوات فقط، بل يُستخدم في العديد من المجالات العلمية، من ضمنها تحليل بيانات الأرصاد الجوية والأبحاث البيولوجية. وأحد الأمثلة التي يمكن ذكرها هنا هو تمكن فريق في جامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس)، عام 2016، من تطوير جهاز يتكون من مجهر وبرنامج تعلم عميق؛ حيث يقوم المجهر بتصوير الخلايا الموجودة في عينات الدم بسرعة فائقة، دون الحاجة إلى إلحاق الضرر بالخلايا وجعل العينات غير صالحة للاستعمال في التحليلات المستقبلية. وبعد ذلك يجري تحليلها باستخدام برنامج التعلم العميق لتحديد الخلايا السرطانية، وقد بلغت نسبة دقة هذا التحليل أكثر من 95%.

كما بدأ مؤخراً استخدام شبكة عصبية ملتفة تُدعى الصورة العميقة السابقة (Deep Image Prior) لاستعادة وتلوين الصور والأفلام القديمة أو التالفة. ويمكن رؤية العديد من الأمثلة العملية على هذه التقنية على صفحة مطوري الشبكة، بموقع جيت هاب من هنا.

وعلاوة على ما سبق، تُستخدم العديد من التقنيات المعتمدة على التعلم العميق في مجال التسويق واختيار الجمهور المستهدف من الإعلانات؛ فشركة التجارة الإلكترونية أمازون، على سبيل المثال، تمتلك نظام تعلم عميق قائم على خوارزمية للتعلم الذاتي، يدعى نظام “الشحن الاستباقي”، الذي يمكنه تحديد أنماط شراء العملاء بدقة فائقة، والتنبؤ بنطاق السعر المتوقع والمنتج الذي سيتم شراؤه. وبالتالي، يمكن لأمازون شحن المنتجات إلى مراكز التوزيع قبل أن يقوم العملاء بتقديم طلباتهم من الأساس.

كما تُستخدم شركة جوجل نوع متقدم من الشبكات العصبية في خدمة الترجمة الآلية الخاصة بها، يُدعى الشبكة العصبية المتكررة (RNN)، التي تعتمد على البحث عن جمل كاملة وليس فقط كلمات فردية، كما تتوقع الكلمات التي يجب أن تظهر في اللغة التي يتم الترجمة إليها.

تحديات صعبة
على الرغم من التفوق الذي تتمتع به تقنيات التعلم العميق في العديد من المجالات، إلا أن هناك عدداً من التحديات التي تواجه استخدامها على نطاق واسع. أولها محدودية القدرة على جمع ما يعرف بالبيانات الضخمة (Big Data) في مجالات معينة، مثل المجالات الصناعية، وذلك على عكس الوضع في المجالات الاستهلاكية.

إضافة إلى ذلك، أصبح من المعروف على نطاق واسع أن من السهل نسبياً خداع نظم الذكاء الاصطناعي عموماً والتعلم العميق خصوصاً، سواء بشكل متعمد أو تلقائي. فعلى سبيل المثال، أشارت ورقة بحثية في دورية نيتشر إلى إمكانية خداع نظام تعلم عميق في سيارة ذاتية القيادة عن طريق وضع ملصقات معينة توحي للسيارة بأن لوحة تحمل كلمة “توقف” تعني تغيير السرعة، وخداع نظم للتعرف على الوجوه باستخدام أشكال مطبوعة على النظارات أو القبعات، وخداع نظم للتعرف على الأصوات باستخدام ضوضاء وهمية.

وبالتالي، فإن هذه التقنية على الرغم من كل مميزاتها، يمكن أن تؤدي إلى أخطاء جسيمة وغير متوقعة عندما تواجه موقفاً غير مألوف بالنسبة لها أو “تعتقد” أنها يجب أن تفسر بيانات غير واضحة بشكل كافي أو لا تتبع الإطار العام للنماذج التي تدربت عليها.

وأخيراً، من شأن المحاولات المتسارعة للتغلب على العوائق السابقة أن تتيح لنا تقييم نقاط القوة والضعف في بنية الشبكات العصبية، وربما لن يطول الوقت قبل أن يجد التعلم العميق حلولاً للتحديات الكبرى التي استعصت على عقولنا البشرية لفترة طويلة. بيد أن هذا التقدم دون قيود يدفع البعض للتعبير عن مخاوفه من أن يدفع البشر ثمناً فادحاً إذا وصل التعلم العميق إلى قدرات تتيح له هزيمة العقل البشري بشكل عام؛ إذ إن ذلك قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تربط مجتمعاتنا، عن طريق دفع البشر إلى البطالة أو حتى العبودية.