Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر جيتي



تسبب الوباء في خروج مفهوم الدخل الأساسي العام من وادي السيليكون، وتحوله إلى فكرة ثورية.

2021-06-08 18:28:36

08 يونيو 2021

فكرة الدخل الأساسي العام

منذ عدة سنوات، وعندما سمعت إليزابيث سوفتكي لأول مرة بفكرة الدخل الأساسي العام، شعرت إزائها ببعض الشك؛ فقد كانت في ذلك الوقت معلمة في مدرسة حكومية، وكانت تدري مدى صعوبة إقناع الآخرين بدعم الحوافز المالية مهما كانت متواضعة، مثل زيادة الرواتب لزملائها. حيث قالت: “أيعني هذا تقديم الأموال للناس؟  لم أستطع أن أستوعب الفكرة. لا يمكنك أن تقدم الأموال للناس هكذا ببساطة”.

ولكن بعد ذلك، شُخصت إصابتها بسرطان القولون، وخضعت لعلاج كيميائي مكثف جعلها عاجزة عن العمل ودفع الأجرة، فتم إخراجها من منزلها في ريدوود سيتي بكاليفورنيا، وانتقلت إلى ملجأ للمشردين في المنطقة. وبعد ذلك، تلقت اتصالاً هاتفياً يقول إنها قُبلت للمشاركة في برنامج يعرض دفعات شهرية بقيمة 500 دولار لمدة 6 أشهر لخمسة عشر شخصاً مشرداً.

كان ذلك في ديسمبر من العام 2020، وكانت قد دُعيت للمشاركة في برنامج تجريبي تديره منظمة ميراكل ميسجز غير الربحية، والتي تؤمِّن دخلاً مضموناً للمشاركين، أي تحويلات نقدية مباشرة دون أي شروط. وبالنسبة لسوفتكي، كان ذلك أشبه بحبل نجاة. وتقول: “منذ زمن طويل، كانت تلك المرة الأولى التي تنفست فيها الصعداء، وبدأت بالتوفير، وأصبح من الممكن أن أتخيل مستقبلاً لنفسي”.

بدأت فكرة “تقديم الأموال للناس هكذا ببساطة” بالظهور بين الحين والآخر في الأخبار منذ أصبحت القضية المفضلة لدى الكثيرين من رواد الأعمال في وادي السيليكون، مثل جاك دورسي من تويتر، والمشاركان في تأسيس فيسبوك مارك زوكربيرج وكريس هيوز (كل على حدة)، وبيتر ديامانديس من جامعة سينجيولاريتي. فقد اقترحوا الدخل الأساسي العام كحل لفقدان الوظائف والصراع الاجتماعي الناجمين عن الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وهي ذات التكنولوجيات التي تطورها شركاتهم.

وعلى الرغم من أن هذا الموضوع ما زال يحظى باهتمام عدة أسماء بارزة في المجال التكنولوجي، خصوصاً فيما يتعلق بتمويل المشاريع، فإن طبيعة هذا الحوار تغيرت؛ حيث تغير طابعه من “دخل أساسي عام” يهدف إلى مواجهة آثار أتمتة العمل إلى “دخل مضمون” يهدف إلى معالجة التفرقة الاقتصادية والعرقية.

كيف ظهرت فكرة الدخل المضمون؟

اقتُرحت فكرة الدخل الذي تقدمه الدولة مباشرة لأول مرة من قبل فلاسفة في القرن 16، وقد نظر إليها الكثيرون على أنها أشبه ببلسم يمكن أن يخفف الكثير من المشاكل الاجتماعية. ويقول مناصرو الفكرة إن الدخل الأدنى المضمون يمكن أن يؤدي إلى تخليص المجتمع من الفقر. ومن ناحية أخرى، فإن بعض المحافظين والمتحررين ينظرون إلى الدخل الأساسي العام كبديل منخفض التكاليف لأنظمة الرعاية الاجتماعية.

وفي الولايات المتحدة، فإن مناصري الدخل المضمون كوسيلة لنشر العدالة الاجتماعية كانوا يشملون منظمة الفهود السود ومارتن لوثر كينج جونيور، في حين أن الاقتصادي التحرري ميلتون فريدمان عبَّر عن دعمه له كشكل من أشكال ضريبة الدخل السالبة. وحتى الرئيس ريتشارد نيكسون اقترح تقديم المال النقدي مباشرة إلى العائلات، دون شروط. وقد حازت خطته -التي قدمها بعد إلحاح 1000 اقتصادي في رسالة مفتوحة- على موافقة مجلس النواب مرتين، ولكنها رُفضت من قِبل مجلس الشيوخ.

يميل المناصرون من قطاع التكنولوجيا بشكل عام نحو النموذج التحرري؛ فهو يتوافق مع معتقداتهم الأساسية حول المستقبل ونظريتهم الأساسية للتغيير. قد لا يبدو هذا الحل تكنولوجياً بالمعنى الحرفي، ولكنه أيضاً يحمل ناحية تكنولوجية وفق وجهة نظر معينة. فهو أشبه بعملية قرصنة عالية المستوى تسمح بالالتفاف حول الصعوبات التي تمنع بناء سياسات رعاية اجتماعية منصفة.

إليزابيث سوفتكي

تقول إليزابيث سوفتكي إنها لم تحب فكرة الدخل المضمون “لأنني كنت مواطنة أميركية صالحة”.
الصورة تقدمة

تقول مارجريت أومارا -وهي أستاذة في جامعة واشنطن كتبت كثيراً حول تاريخ الصناعة التكنولوجية- إن هذا الشكل من الدخل “يتوافق إلى حد بعيد مع حماسة وادي السيليكون العصري إزاء تجارب وأفكار السياسات البديلة؛ حيث يرون أن الأنظمة والمؤسسات العادية لا تؤدي المطلوب منها، ولكن يمكن أن نجرب هذه الحيلة الرائعة”.

عندما بدأ مفهوم الدخل الأساسي العام بالترسخ في وادي السيليكون، بدأ المناصرون يبحثون خارج الولايات المتحدة عن دراسات حالات؛ ففي 2017، أطلقت فنلندا خطة لمدة سنتين تهدف إلى إعطاء دفعات شهرية إلى 2000 مواطن عاطل عن العمل. وفي كندا، أعلنت حكومة أونتاريو عن برنامج مماثل لثلاث سنوات، ولكنه أُوقف قبل نهايته عندما استلم الحزب المحافظ قيادة الحكومة. وقد تم إطلاق برامج تجريبية مشابهة في إيران، وإسبانيا، وهولندا، وألمانيا.

غير أن الولايات المتحدة شهدت محاولات مماثلة أيضاً؛ فعندما كان نيكسون يدرس خطته الخاصة بالدخل المضمون، كانت الدراسات تُجرى في عدة مدن مثل دنفر وسياتل. ومنذ 1982، كان صندوق ألاسكا الدائم يمنح حصة من العائدات النفطية للولاية إلى كل مواطن بالغ (بمتوسط قدره 1,100 دولار كل سنة). ويدفع عدد من القبائل الأميركية الأصلية حصة من عائدات الكازينو لكل عضو مسجل. ولم يكن لهذه الأنظمة الأميركية أي تأثير تقريباً على معدل العمالة -حيث لم يترك الناس وظائفهم، وهو أحد المخاوف المعتادة التي يطرحها منتقدو الفكرة- ولكنها أدت إلى نتائج أفضل في التعليم، والصحة العقلية، ومعدلات الجريمة.

وعلى الرغم من هذا، فإن الدخل الأساسي العام بدا مخالفاً بطريقة ما للطبيعة الأميركية. وهو ما دفع سوفتكي إلى الاعتراض عندما سمعت نقاشاً يدور حوله على الراديو؛ “لأنني أميركية صالحة”، كما تشرح. (وتعني بهذا أن الأميركي الصالح لا يقبل هبات مجانية).

وقد استوعب آندرو يانج -وهو أحد الذين حاولوا الترشح للرئاسة الأميركية- هذا الحاجز الذهني الذي يحمل طابع “الروح الأميركية” عندما اقترح الدخل الأساسي العام كمحور لحملته الانتخابية في 2020 للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي؛ فقد أدرك أن خطته الرامية إلى إرسال شيك شهري بألف دولار بالبريد إلى كل أميركي يجب أن تحمل اسماً يحدث أثراً إيجابياً لدى الأميركيين، ولهذا فقد عقد ورشات عمل أنتجت بضعة خيارات، قبل أن يستقر على تسمية “حصة الحرية”.

فلا شك أن الرأسمالية أصبحت مرادفة للحلم الأميركي، وما الذي يمكن أن يحمل طابعاً رأسمالياً أكثر من مفهوم الحصة؟ أما بالنسبة لكلمة الحرية… فلا داعي للشرح.

فرصة عادلة 

عندما أطلق يانج نفسه نحو حلبة المناظرات الرئاسية، كانت بعض برامج الدخل الأساسي التجريبية الأميركية قد بدأت بتوليد البيانات.

من هذه البرامج ماجنولياز موذر تراست (MMT)، وهو مشروع برنامج تجريبي للدخل المضمون في مدينة جاكسون بميسيسيبي، وهو موجه على وجه الخصوص إلى الأمهات الأفريقيات الأميركيات من ذوات الدخل المنخفض. في ديسمبر، 2018، تلقت أول مجموعة مؤلفة من 20 أم أول ألف دولار، وتلقين نفس المبلغ شهرياً لسنة كاملة (كما أُعطين حسابات توفير لأطفالهن). وبالنسبة للكثيرين، فإن مبلغ 12,000 دولار يعني عملياً مضاعفة الدخل السنوي. ومنذ ذلك الحين، أضاف البرنامج مجموعتين أخريين من الأمهات تبلغ كل منهما 110 امرأة.

عائشة نياندورو

عائشة نياندورو: “لدينا الآن أكثر مما يكفي من البيانات لإثبات نجاح استخدام المال النقدي”.
الصورة تقدمة

لقد كان التركيز على الأمهات الأفريقيات الأميركيات مقصوداً، وذلك وفقاً لعايشة نياندورو من منظمة سبرينجبورد تو أوبورتيونيتي غير الربحية، والتي نظمت برنامج MMT، حيث تقول: “عندما نتمعن في الفقر في هذه البلاد، ونبحث عن الشريحة الأكثر معاناة منه، فسنجد أنها شريحة النساء الأفريقيات الأميركيات”. أيضاً، قررت المجموعة فتح حسابات توفير للأطفال لمعالجة مشكلة انتقال الفقر من جيل إلى جيل، وهو ما يحدث في أغلب الأحيان في الولايات المتحدة.

“إذن، كيف سنضمن وصول الدعم إلى الشرائح السكانية الأكثر تهميشاً؟” سؤال تطرحه نياندورو.

وعلى الرغم من أن التحليل لم يكتمل بعد، فإن النتائج المبكرة واعدة. ومقارنة مع مجموعة المقارنة الأساسية، فإن مشاركي البرنامج التجريبي كانوا أقل عرضة للدين بسبب المصاريف الطارئة بنسبة 40%، وأقل زيارة للطبيب بنسبة 27%. ووسطياً، تمكنوا من تخصيص 150 دولاراً في الشهر لمصاريف الطعام والمنزل.

ولكن، وبالنسبة لنياندورو، فإن هذه “النتائج الرأسمالية” القابلة للقياس ليست سوى جزء من الصورة الكاملة وحسب. لقد كانت هذه النتائج مهمة، ولكن عودة الشعور بالكرامة والاستقلالية إلى المتلقين كانت مهمة أيضاً. تقول نياندورو: “بالنسبة للكثير من العائلات التي نعمل معها، لم يقل لهم أحد من قبل: ’ليس من الضروري إثبات أحقيتكم بهذه النقود. فأنتم تستحقونها وحسب‘”.

وهذا يعني أن الدخل المضمون ليس عبارة عن هبات مجانية، بل يعني أن الجميع -بدءاً من الأفراد الأكثر تهميشاً- يستحقون فرصة عادلة في الحياة.

قوة الرواية

أخذ مايكل تابز -الذي كان قد انتُخب مؤخراً عمدةً لمدينة ستوكتون في كاليفورنيا- على عاتقه أيضاً مهمة منح فرصة عادلة للجميع، وذلك عندما أطلق تجربة برنامج الدخل المضمون في مدينته في فبراير من العام 2019، وتحول إلى وجه لهذه الحركة المتجددة.

قدمت مؤسسة ستوكتون إيكونوميك إمباور ديمونستريشن، أو سيد (SEED) اختصاراً، مبلغ 500 دولار شهرياً إلى 125 مواطناً اختيروا عشوائياً على مدى 18 شهراً. وقد حازت هذه التجربة على الكثير من الاهتمام -إلى درجة ظهور تابز وعمله في وثائقي من إنتاج شبكة إتش بي أو (HBO) التلفزيونية– واجتذبت التمويل من منظمة كريس هيوز غير الربحية، ذا إيكونوميك سيكيوريتي بروجيكت. كانت النتائج مشجعة، وصُرفت معظم الأموال على الحاجات الأساسية. وقد شكل الطعام البند الذي حقق أكبر نسبة إنفاق (37%)، في حين صُرفت نسبة أقل من 1% على الكحول أو التبغ (وهي نتيجة أثارت قلق مناصري البرنامج). في هذه الأثناء، وبدلاً من ترك العمل، تمكن المشاركون من العثور على وظائف بضعف وتيرة مجموعة المقارنة.

وبعد هذا النجاح، أطلق تابز منظمة مايورز فور جارانتيد إنكوم، لتوسيع البرنامج التجريبي في مدينته. وحتى اليوم، أعلن 42 عمدة في أميركا عن مشاركتهم في هذا البرنامج، وتم إطلاق مشاريع إضافية في بلدات ومدن من هادسون في نيويورك، وجاري في إنديانا وصولاً إلى كومبتون في كاليفورنيا.

ومنذ نشر نتائج السنة الأولى في برنامج سيد في مارس، سؤل تابز عدة مرات عما تعلمه منها. وقد قال لي في مارس: “أشعر بالرغبة في أن أجيب عن هذا السؤال بأنني لم أتعلم شيئاً”.

ويقصد تابز بهذا أن البرنامج التجريبي لم يؤدِّ إلى نتيجة لم تكن واضحة له من قبل؛ فقد أدرك بخبرته الشخصية أن الكثير من التصورات النمطية حول الفقراء (خصوصاً الأفريقيين الأميركيين منهم)، لا تستند على “أسس واقعية”، كما قال لي.

لقد وُلد تابز في ستوكتون لأم مراهقة وأب سجين، ودرس في جامعة ستانفورد في منحة على أساس الحاجة، وعاد إلى منزله بعد التخرج. وبعد ذلك بفترة قصيرة، انتُخب لعضوية مجلس للمدينة، قبل أن يصبح عمدة في السادسة والعشرين من العمر وحسب.

لم يكن تابز في حاجة إلى البيانات حتى يعرف أنه يمكن أن يثق في الناس لاتخاذ قرارات مالية صائبة، ولكن خبرته ساعدته على “تعلم قوة الرواية”.

وقد أدرك أنه “في بعض الأحيان، ونتيجة للإيديولوجيا، أو العنصرية”، فإن استيعاب الناس يمكن أن يتعرض للتشويش. ويضيف أن جزءاً من عمله كعمدة أصبح “توضيح الفرق بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي”. وقد رأى الفرصة سانحة “لتبيين التصورات التي تدعمها البيانات وتلك التي تستند إلى التحيز”.

لقد كانت الحاجة إلى تغيير الرواية عبر الأبحاث والأدلة واضحة أيضاً بالنسبة لنياندورو من ماجنولياز موذر تراست؛ فقبل بضعة أيام من بدء تلقي المجموعة الثالثة للأموال، استفسرت منها عن الأسئلة البحثية التي تأمل بأن تجيب عنها هذه الحلقة الجديدة من البرنامج.

وقالت لي: “لدينا الآن أكثر مما يكفي من البيانات لإثبات نجاح استخدام المال النقدي”. والآن، لم يعد السؤال ما إذا كان المال النقدي سيؤثر على الأفراد من ذوي الدخل المنخفض، بل بالأحرى “ما هي البيانات، أو النقاط الأساسية، التي يجب أن نوصلها إلى صانعي السياسات… حتى نثير تعاطفهم؟”. ما هو الدليل الذي سيكون كافياً لتحول الدخل المضمون إلى سياسة فدرالية؟

ولكن، وكما تبين لاحقاً، فلم يكن إجراء المزيد من الأبحاث هو ما أحدث الفرق، بل الوباء العالمي.

تأثير الوباء

عندما تسببت تعليمات البقاء داخل المنزل في إغلاق الكثير من الشركات -وتدمير الكثير من الوظائف، خصوصاً بالنسبة للعاملين من ذوي الدخل المنخفض الذين كانوا في وضع حساس في المقام الأول- أصبحت هوة عدم المساواة في أميركا كبيرة لدرجة يصعب تجاهلها. امتدت طوابير الراغبين في الحصول على الطعام لأميال عديدة. وأصبح الملايين من الأميركيين عرضة للإخلاء من منازلهم. واضطر الطلاب الذين لا يمتلكون وسيلة للاتصال بالإنترنت إلى الجلوس في مواقف السيارات العامة للاتصال بالواي فاي هناك لحضور الصفوف على الإنترنت.

وقد عانى ذوو البشرة الملونة من كل هذه المشاكل بأسوأ درجاتها. وبحلول فبراير من العام 2021، تبين أن نصف النساء اللواتي فقدن عملهن بسبب الوباء ينتمين إلى شريحة ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، على الرغم من أنهن يشكلن فقط ثلث العمالة النسائية. أما الرجال من ذوي الأصول الأفريقية، فقد عانوا من البطالة بمقدار ضعف جميع المجموعات الإثنية الأخرى، وذلك وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء السكاني التي حللها مركز بيو البحثي.

وقد أدى كل هذا أيضاً إلى تغيير طبيعة الحوار حول تكاليف برامج الدخل المضمون؛ فعند المقارنة بين الدخل المضمون والوضع الحالي، كانت هذه البرامج تُعد مكلفة لدرجة تجعل من المستحيل تطبيقها واقعياً. ولكن، وفي ظل الكساد الذي تسبب به الوباء، أصبحت حزم المساعدات فجأة ضرورية لإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد الأميركي، أو على الأقل، تجنب “انحدار متسارع” مع عواقب “مأساوية”، وفقاً لتوصيف جيروم باول، رئيس مجلس إدارة نظام الاحتياطي الفدرالي.

يقول تابز: لقد بين كوفيد-19 حقاً صحة جميع الأشياء التي ندركها، نحن الذين نعمل فعلياً مع الأشخاص الذين لا يتمتعون بأمان اقتصادي، ونعمل لهم، ونرتبط بعلاقات معهم”. وتتلخص وجهات النظر هذه بأن الفقر ليس مشكلة “أشخاص. بل هي مشكلة أنظمة. وهي مشكلة سياسات”.

وقد حازت الدفعات التحفيزية وحوافز البطالة المُزادة -على شكل تحويلات نقدية مباشرة إلى الأميركيين دون شروط مسبقة- على الموافقة مع دعم شعبي هائل. وفي وقت سابق من هذا العام، تم اقتراح حسم ضريبي موسع للأطفال والمُعالين (CTC) لتأمين ما يصل إلى 3,600 دولار لكل طفل، تُدفع على شكل دفعات شهرية إلى معظم العائلات الأميركية.

وهذا الحافز الجديد -الذي يُفترض أن يدوم سنة كاملة- متاح حتى للعائلات التي لا تكسب ما يكفي من المال لدفع ضريبة الدخل، والتي كانت مُستثناة من الصيغ السابقة للحسم الضريبي. وبإرسال دفعات شهرية تصل إلى 300 دولار للطفل الواحد، بدلاً من حسم واحد في نهاية السنة، أصبح بإمكان العائلات أن تخطط وتتحكم في مصروفها بشكل أفضل. من المتوقع أن يؤدي هذا إلى تخفيض فقر الأطفال إلى النصف.

وعلى الرغم من أن واشنطن لم تستعمل لغة الدخل المضمون، فإن هذه البرامج تتوافق مع تعريفه تماماً.

كما أن ناتالي فوستر، أحد مؤسسي مشروع الأمان الاقتصادي الذي مول الكثير من برامج الدخل المضمون التجريبية، بما فيها سيد ومايورز فور جارانتيد إنكوم، تقول إن CTC “سيحدث تغييراً جذرياً”؛ حيث إنه “يمثل انقلاباً على عدة عقود من سياسات الرعاية الاجتماعية الكيدية في أميركا”، كما تقول، ويمهد الطريق أمام سياسات أكثر ديمومة.

وفي حين أن منظمتها كانت تعتقد أنها قد تحتاج إلى بيانات تمتد إلى عقد كامل من البرامج التجريبية في المدن “لتقديم معلومات كافية إلى صناع السياسة الفدرالية”، فإن CTC يعني أن الدخل المضمون قد أصبح حقيقة واقعة، على الأقل بصورة مؤقتة.

أيضاً، تدفع مشاريع القوانين التحفيزية وCTC بتابز إلى الشعور “بتفاؤل غير مسبوق” إزاء تحول الدخل المضمون قريباً إلى عنصر دائم في السياسة الفدرالية.

ويضيف: “نحن نعيش في عصر الكوارث. ولا تقتصر المشكلة على كوفيد-19؛ فهناك زلزال في الشهر المقبل، وهناك حرائق برية. وجميع هذه الأشياء أصبحت تحدث بشكل متكرر طوال الوقت، دون حتى أن نتحدث أيضاً عن تأثير الأتمتة. يجب أن يتمكن أفرادنا من بناء مناعة اقتصادية”.

مايكل تابز العمدة السابق لستوكتون في كاليفورنيا

إن مسؤولية الفقر تقع “على عاتق السياسات”، وفقاً لمايكل تابز، العمدة السابق لستوكتون في كاليفورنيا.
مصدر الصورة: صور أسوشييتد برس/ ريتش بيدرونشيلي، فايل

ولكن، وعلى الرغم من ابتعاد الحوار عن المفهوم التقني للدخل الأساسي العام، فإن اهتمام وادي السيليكون بهذه المسألة لم يتبدد؛ ففي أبريل الماضي، أعلن جاك دورسي عن مبادرة خيرية جديدة، وهي شركة ستارت سمول ذات المسؤولية المحدودة، لتقديم مليار دولار.

ويقول إن التبرعات كانت ستركز في البداية على التخفيف من آثار كوفيد-19، ومن ثم ستنتقل بعد الوباء إلى الدخل الأساسي العام وتعليم الفتيات. وكما وضّح دورسي، فإن تقديم المال لدعم هذه القضايا يمثل “أفضل حل بعيد المدى للمشاكل الوجودية التي يتعرض لها العالم”.

وعلى الرغم من أن ستارت سمول أعلنت عن التركيز على الدخل الأساسي العام، فقد أصبحت إحدى أكبر الجهات الممولة للدخل المضمون؛ فقد تبرعت بمبلغ 18 مليون دولار لمايورز أوف جارانتيد إنكوم، و15 مليون دولار لمختبر الأبحاث المفتوحة (المعروف سابقاً بتجربة الدخل الأساسي لشركة واي كومبينيتور)، و7 مليون دولار لهيومانيتي فوروورد، وهي منظمة آندرو يانج، ومؤخراً، 3.5 مليون دولار لتأسيس مختبر كاش ترانسفير في جامعة نيويورك لإجراء المزيد من الأبحاث حول هذه المسألة.

أما يانج، الذي ترشح الآن لمنصب عمدة نيويورك، فقد ابتعد عن تركيزه على الدخل العام. فبدلاً من إرسال شيكات بألف دولار شهرياً إلى الجميع، بدأ الآن يدفع نحو دخل مضمون بحد أدنى يساوي ألفي دولار سنوياً لمواطني نيويورك الذين يعيشون في الفقر المدقع.

ينسب تابز لنفسه شيئاً من الفضل في تغير وجهات النظر هذه. ويستذكر حواراً مع دورسي، حيث قال للملياردير: “سنحتاج إلى بعض الوقت من أجل الوصول إلى الدخل العام، ولكننا في حاجة طارئة إلى تحقيق الدخل المضمون، ولهذا، لن نجري اختباراً على الدخل الأساسي العام، ولكن يمكننا أن نختبر الدخل المضمون. لنبدأ من تلك النقطة”.

ويبدو من تبرعات دورسي أنه أخذ بوجهة نظر تابز على محمل الجد. ولكن، ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان دورسي وغيره من قادة الشركات التكنولوجية يعتبرون الدخل المضمون مرحلة توصل إلى الدخل الأساسي العام، أو هدفاً مستقلاً بحد ذاته. (لم يستجب دورسي أو أي من طاقم ستارت سمول لطلباتنا لإجراء مقابلة).

ويعتقد سكوت سانتينس، وهو من أوائل مناصري الدخل الأساسي، أن اهتمام القطاع التكنولوجي بالدخل الأساسي العام كحل لمشاكل العمل ما زال موجوداً وفعالاً؛ فقد أدى الوباء إلى زيادة في مبيعات الأتمتة والروبوتات، كما يقول، مشيراً إلى التقارير حول زيادة التحقيقات حول تكنولوجيا مراكز الاتصالات في أمازون، إضافة إلى زيادة مشتريات روبوتات المستودعات التي ستحل محل عمال المستودعات.

في هذه الأثناء، فإن سام ألتمان، الذي ساعد على إطلاق تجربة الدخل الأساسي العام في واي كومبينيتور قبل تركها لترأس شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة أوبن إيه آي، كتب بياناً حديثاً حول الوضع. وفي هذا البيان، يحث الجميع على التركيز على الصورة الشاملة؛ فعلى الرغم من الصدمة قصيرة الأمد التي تسبب فيها الوباء، فإن التكنولوجيا -خصوصاً الذكاء الاصطناعي- هي التي ستؤثر بأكبر درجة على العمالة مع مرور الوقت.

ودعا ألتمان إلى تمويل الدخل الأساسي العام بضريبة 2.5% على الشركات. وقد كتب: “إن أفضل طريقة لتحسين الرأسمالية هي تمكين الجميع من الاستفادة منها بشكل مباشر بوصفه مالكاً لحصة منها”.

ولكن، هل تشمل كلمة “الجميع” أصحاب البشرة غير البيضاء، ممن يتعرضون إلى مستويات أعلى من الأذى بسبب تحيز الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن لحصة مدفوعة من عوائد الذكاء الاصطناعي أن تعوض هذا الأذى؟ من الجدير بالملاحظة أن بيان ألتمان لم يذكر العرق على الإطلاق.

وعندما حاولنا الحصول على تعليق منه حول هذا الموضوع، أرسل تصريحاً عبر ممثل لشركة أوبن إيه آي، يقول فيه: “يجب أن نبني الذكاء الاصطناعي بطريقة لا تسبب المزيد من الأذى للشرائح التي تعاني تقليدياً من التهميش. وإضافة إلى بناء التكنولوجيا بطريقة تتسم بالمساواة والعدالة، يجب أيضاً أن نجد طريقة لمشاركة الفوائد على نطاق واسع. وهي مسائل مهمة بشكل مستقل”.

غير أنه لم يستجب لطلبات محددة للحصول على تعليقات حول إيذاء الذكاء الاصطناعي لشرائح الأفارقة الأميركيين، وكيف يتعرض الرجال من هذه الشرائح إلى اتهامات جرمية باطلة بسبب أخطاء في أنظمة التعرف على الوجوه.

وتلحظ مارجريت أومارا، المؤرخة التكنولوجية، أنه يوجد شيء واحد لم يتغير خلال الوباء بالنسبة للتكنولوجيين: وهو الافتراض القائل بأن التقدم التكنولوجي حتمي… وإيجابي أيضاً. وهو ما يؤدي إلى السلوك الذي “يركز على محاولة تعديل المجتمع للتكيف مع الوضع الجديد بدلاً من محاولة منع فقدان الوظائف في المقام الأول مثلاً”، كما تقول.

أما تابز، الذي شارك مؤخراً في استضافة جلسة على كلوب هاوس مع ألتمان، فلديه نظرة أكثر إيجابية -وبساطة- إلى دور وادي السيليكون في هذه الحركة.

ويقول: “أشعر بالسعادة لمشاركة التكنولوجيين في هذا الحوار؛ لأن جزءاً كبيراً من الدخل سيأتي منهم، أو من المنتجات التي يقدمونها”.

وفي نهاية المطاف، فإن الأموال التكنولوجية هي أكبر مصدر سمح له بتقديم 500 دولار إضافية إلى مشاركي برنامجه التجريبي كل شهر. ويقول: “ما أن يتم تقديم هذا المال، فإن استخدامه سيعود إلى الشخص نفسه”.

ولكن، ماذا لو كان الأذى الذي تسبب فيه القطاع التكنولوجي هو سبب حاجة المتلقين إلى هذه الهبة في المقام الأول؟

عندما أصبحت إليزابيث سوفتكي مشردة في 2018، لم تكن وحدها، فقد كانت ريدوود سيتي في أوج عملية تحسين شاملة على يد الشركات التكنولوجية وعامليها. وقد تعرضت حياتها للكثير من التغيرات السلبية والإيجابية بسبب قُوى اقتصادية خارجة عن سيطرتها.

وكما تقول سوفتكي، فقد كان هذا الوضع “رأسمالية فائقة”.

بطبيعة الحال، كانت سوفتكي ممتنة لدخلها المضمون الذي دام ستة أشهر، ولكنها كانت أيضاً مدركة للتحديات الكبيرة، التي يستحيل حلها عن طريق برنامج قصير الأمد لمنظمة غير ربحية صغيرة. وتقول سوفتكي إنها تأمل في أن المنظمة سوف توسع عملها، سواء من حيث مقدار الأموال المقدمة، أو مدة البرنامج. ولكن، سيكون من الأفضل لو قامت الحكومة بهذا أيضاً.