Article image




من الروبوتات إلى الطائرات المسيرة، يمكن للدول الغارقة في الوباء أن تتعلم الكثير من تجربة بكين للسيطرة على المرض الذي غيّر شكل العالم.

“إن مكافحة الوباء لا يمكن أن تتحقق دون دعم العلم والتكنولوجيا.. يجب التركيز على الجمع بين البحث العلمي والإجراءات الوقائية والمكافحة”، بهذه الكلمات لخَّص الرئيس الصيني شي جين بينغ، في بداية شهر فبراير الماضي، إستراتيجية بلاده لمكافحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، الذي ضرب الصين دون سابق إنذار، فقتل الآلاف وعطل الاقتصاد وأوقف المصانع وأغلق مدناً كاملة، وبدا في ذلك الوقت أنه وصل إلى مرحلة معقدة تستعصي على الحل، وأن مدى التفشي خرج عن سيطرة الحكومة.

لم تكن تلك التصريحات مجرد كلمات عابرة؛ إذ شكّلت بكين بالفعل خلال وقت قياسي منصة تكنولوجية متكاملة للدفاع عن المجتمع ضد الوباء، ودفعت بشركاتها التقنية إلى الخطوط الأمامية للمعركة، حتى تكللت جهودها بالنجاح عندما أعلن الرئيس الصيني، في العاشر من مارس الجاري، أن بلاده سيطرت عملياً على تفشي الفيروس في مقاطعة هوبي وعاصمتها ووهان، التي كانت بؤرة التفشي الرئيسية في العالم.

لم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل إنه -ولليوم الرابع على التوالي- لم يتم الإبلاغ عن أي حالة إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا في مدينة ووهان، وهو ما يمثل زيادة صفرية، على حد تعبير السلطات الصينية. كما أكدت لجنة الصحة ببلدية بكين أنه لم يتم تسجيل أي حالات إصابة جديدة محلية بالفيروس في بكين حتى يوم السبت، وهو اليوم الخامس عشر على التوالي لتسجيل “صفر إصابات”.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الصين تتعافى تدريجياً من الفيروس، يغرق العالم في الوباء الذي خرج منها. وفي هذا التقرير نرصد كيف استغلت الصين التكنولوجيا المتقدمة في معركتها ضد فيروس كورونا، وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من تجربتها لإنقاذ باقي دول العالم من هذا الوباء. 

الروبوتات في مواجهة كورونا

استغلت الصين الروبوتات في كل جوانب عملية المكافحة، بدءاً بالروبوت الممرض الذي يفحص عشرة أشخاص في وقت واحد، مروراً بروبوت توصيل الطلبات، وانتهاءً بالروبوتات المعقمة والروبوتات الجوالة التي تكشف المصابين في الشارع وتعطي نصائح صوتية للمارة.

على سبيل المثال، استخدمت شركة JD.com (سوق جينجدونج) للتجارة الإلكترونية روبوتات على شكل سيارات ذاتية القيادة لجلب الطعام والبضائع إلى العاملين في المجال الطبي بمدينة ووهان؛ من أجل تقليل فرص الإصابة إلى أدنى حد عن طريق قطع الاتصال البشري تماماً. وقال تشي كونج، رئيس إدارة القيادة الذاتية في الشركة، لشبكة (سي إن إن) الأميركية “عندما علمنا بالوضع في ووهان، كان الوقت ضيق للغاية. لم يستغرق الأمر سوى أربعة أيام للتأكد من أن الخوارزمية جاهزة للبدء، من المحاكاة إلى الممارسة”.

وأحد أبرز النماذج للاستخدام الفعال للروبوتات في المجال الطبي تمثل في “المستشفى الميداني الذكي“، الذي تم بناؤه في مركز هونجشان الرياضي في ووهان، بواسطة كلٍ من مستشفى (ووهان واشناج) وشركة (تشاينا موبايل) للاتصالات، وشركة (CloudMinds) المتخصصة في أنظمة الخدمات السحابية للروبوتات.

والمستشفى -الذي تم تنفيذ جميع الخدمات الطبية فيه تقريباً بواسطة الروبوتات وأجهزة إنترنت الأشياء- يمكنه خدمة 20 ألف مريض، حيث توصِّل الروبوتات الطعام والدواء إلى المرضى، وتقدِّم لهم المعلومات الأساسية عن الفيروس وطرق التعامل معه. في الوقت نفسه، يتم فحص المرضى بواسطة موازين حرارة متصلة بتقنية الجيل الخامس، لتنبيه الموظفين لأي ارتفاع في درجة الحرارة، كما يرتدى المرضى أساور ذكية تحتوي على أجهزة استشعار، تمت مزامنتها مع منصة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ (CloudMinds) حتى يمكن مراقبة علاماتهم الحيوية. 

طائرات مسيّرة في كل مكان

نشرت السلطات الصينية وشركات التكنولوجيا الكبرى آلاف الطائرات المسيّرة في كل مكان بالبلاد، وتحديدا في مقاطعة هوبي، للمساعدة في إجراءات مكافحة الوباء.

وأحد المساهمات البارزة خلال العملية جاءت من شركة (Shenzhen MicroMultiCopter) الصينية التي نشرت، منذ شهر يناير الماضي، أكثر من 100 طائرة مسيّرة في العديد من المدن مثل شانغهاي وقوانجتشو وتشاوتشينج وفوشان، بالإضافة إلى فرق لخدمة تلك الطائرات ضمّت نحو 200 شخص.

واستُخدمت تلك الطائرات في العديد من المجالات، منها تنفيذ دوريات مراقبة باستخدام كاميرات يمكنها تقريب الصور حتى 40 ضعفاً، وذلك للعثور على الأشخاص المخالفين الذين لا يرتدون أقنعة واقية بين الحشود، وضبط حركة المرور، بالإضافة إلى نشر التعليمات يومياً من خلال مكبرات الصوت الموجودة على متن الطائرات، التي أثبتت قدرتها على تغطية مساحة أكبر كثيراً من مكبرات الصوت التقليدية.

كذلك استخدمت السلطات طائرات مسيّرة لرش المطهرات بانتظام في مختلف الأماكن، سواء في الشوارع أو المتاجر الصغيرة. كما وفرت الطائرات إمكانية لقياس درجة حرارة الأشخاص في الأماكن العامة، باستخدام تقنية التصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء.

علاوة على ذلك، ساهمت الطائرات المسيرة بشكل كبير في عمليات نقل الإمدادات ومستلزمات الحجر الصحي وعينات المرضى بين المستشفيات ومراكز السيطرة على الأمراض، حيث ساهمت في زيادة سرعة النقل بأكثر من 50% مقارنة بالنقل البري، كما خففت الضغط على الطاقم الطبي وسيارات الإسعاف.

استخدامات متعددة للذكاء الاصطناعي

تعتمد الصين أيضاً على الحجم الهائل للبيانات المتوافر لديها عن المواطنين، وذلك من خلال خوارزمية ذكية تجمع بين السجل الصحي، والملف الجنائي، وخارطة السفر عبر وسائل النقل العامة، لتتمكن الحكومة الصينية من معرفة جميع الأشخاص الذين خالطهم أي مصاب بالمرض ومن ثمَ حجرهم صحياً.

وقد استخدمت العديد من الشركات الصينية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي تقنياتها لمواجهة تفشي الوباء، سواء عبر تحليل بنية الفيروس نفسه، أو كشف المصابين. وأحد أبرز الأمثلة هنا هي خوارزمية الطي الخطي (Linearfold Algorithm) التي طورتها شركة بايدو الصينية بالتعاون مع جامعة ولاية أوريغون وجامعة روشستر عام 2019، وإتاحتها للاستخدام من قِبل العلماء والفرق الطبية التي تعمل على مكافحة تفشي الفيروس. وتعد هذه الخوارزمية أسرع كثيراً من الخوارزميات السابقة في تحديد بنية الحمض النووي الريبوزي الثانوي للفيروس، بهدف فهم كيفية انتشار الفيروس بين الكائنات المختلفة على نحوٍ أفضل، وقد تمكن العلماء باستخدام تلك التقنية من تخفيض الزمن اللازم لتوقع البنية الثانوية لفيروس (كوفيد-19) من 55 دقيقة إلى 27 ثانية فقط، أي تسريع العملية بنحو 120 مرة.

كما طورت الشركة نظام استشعارٍ حراريّ للأشعة تحت الحمراء يعتمد على برمجيات الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في الأماكن العامة والمرافق شديدة الازدحام، لتحديد ما إذا كان أحد المارة يعاني من حمى أو حرارة مرتفعة، حيث يتم استخدام هذه التقنية حالياً في محطة سكك حديد كوانغي في بكين، وهي قادرة على فحص 200 شخص في الدقيقة الواحدة دون تعطيل تدفق الركاب.

وقد استخدمت الشرطة الصينية أيضا خوذاً خاصة تستطيع التعرف على المصابين بالفيروس عبر قياس درجة حرارة الجسم عن بُعد، علاوة على استخدام كاميرات ضوئية حرارية للتحقق من سلامة الركاب في محطات النقل، من خلال اكتشاف المصابين بفيروس كورونا وتحديد أسمائهم وأرقامهم الوطنية ومواقعهم.

كما يمكن لمعهد الأبحاث الذي تديره شركة علي بابا الصينية، والذي يُطلق عليه اسم (Damo Academy)، إجراء اختبار الإصابة بفيروس كورونا، باستخدام تقنية ذكاء اصطناعي بنسبة دقة تبلغ 96% بمجرد فحص الأشعة المقطعية للمرضى. 

تطبيقات ذكية لتصنيف المواطنين

من ضمن الأدوات الفعالة التي استخدمتها الحكومة الصينية لتصنيف الأشخاص واكتشاف المرضى، تلك التطبيقات الذكية التي طورتها بالتعاون مع عمالقة التكنولوجيا الصينية، مثل شركتي علي بابا وتينسنت.

وأحد أبرز التطبيقات التي تم استخدامها كان تطبيق “الكود الصحي” الذي يعتمد على نظام تصنيف صحي مرمّز بالألوان يمكنه تتبع ملايين الأشخاص يومياً. وبمجرد إدخال الاسم والرقم الوطني في التطبيق، يمكنك معرفة خارطة الأشخاص المشكوك في إصابتهم بفيروس كورونا في محيطك. ويستخدم التطبيق 3 ألوان هي الأخضر و​​الأصفر والأحمر، لتحديد ما إذا كان يجب عزل الشخص أو السماح بتواجده في الأماكن العامة، حيث يُسمح فقط للأشخاص الحاصلين على اللون الأخضر بالتواجد في محطات المترو والمكاتب الحكومية ومراكز التسوق، بينما يجب على ذوي اللونين الأصفر والأحمر البقاء في المنزل لفترات متباينة. وقد استخدمت أكثر من 200 مدينة صينية هذا النظام في المرحلة الأولى له، ومن المتوقع توسيع نطاقه مستقبلاً على مستوى البلاد، في حالة حدوث موجة انتشار ثانية للفيروس.

بالإضافة إلى كل تلك الوسائل التكنولوجية، اعتمدت الحكومة الصينية على تدابير استجابة فعالة وحازمة للسيطرة على المرض؛ حيث فرضت بكين -بمجرد إدراك حجم الوباء ومدى انتشاره- أكبرَ حجر صحي في العالم على نحو 60 مليون شخص، كما أنشأت مستشفيات مؤقتة مجهزة بشكل كامل في غضون عشرة أيام، تحت رقابة تكنولوجية متطورة.

في النهاية، يمكن القول بأن النموذج الصيني في حصار فيروس كورونا يُثبت أن القضاء على المرض ممكن، وأن التكنولوجيا المتقدمة قادرة على لعب دور رئيسي لتحقيق هذا الهدف، لكن الأهم أن تدفع هذه الأزمة حكومات العالم للتفكير في تغيير وتطوير أدواتها العلمية والتكنولوجية إلى أقصى حد ممكن، لتفادي مثل هذه الأزمات في المستقبل.