Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر بكسلز



بالرغم من أن هذا الأمر يمثل مشكلة بالنسبة للمناخ، إلا أن الحل لا يكمن في أن نطلب من الناس التوقف عن تناول اللحوم.

2021-05-05 06:13:31

04 مايو 2021

تصدّر بيل جيتس عناوين الصحف، في وقت سابق من هذا العام، عندما قال -في مقابلة مع إم آي تي تكنولوجي ريفيو للحديث عن إصدار كتابه الجديد “كيف نتجنب كارثة مناخية“- إنه “يتعين على جميع الدول الغنية أن تنتقل إلى تناول لحوم أبقار اصطناعية بنسبة 100%”. وعلى الرغم من إدراكه للصعوبات السياسية التي تكتنف إخبار الأميركيين بأنهم لا يستطيعون تناول المزيد من اللحوم الحمراء، قال جيتس إنه يرى إمكانات حقيقية في البدائل ذات الأصل النباتي التي تنتجها شركات مثل بيوند ميت (Beyond Meat) وإمبوسبل فودز (Impossible Foods).

ومع ذلك، فإنه من المتوقع أن يتناول العالم المزيد من اللحوم في 2021 أكثر من أي وقت مضى. وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) أن يرتفع الاستهلاك العالمي للحوم بنسبة تتجاوز 1% هذا العام. وسيحدث النمو الأسرع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي ترتفع مستويات الدخل فيها باطراد.

استهلاك العالم للحوم وتسجيل رقم قياسي

سيؤدي هذا إلى زيادة انبعاثات غازات الدفيئة؛ حيث من المتوقع أن ترتفع الانبعاثات العالمية الناجمة عن إنتاج الغذاء بنسبة 60% بحلول عام 2050، ويرجع ذلك بنسبة كبيرة إلى زيادة الإنتاج الحيواني.

بيد أن محاولة توجيه أذواق الناس بعيداً عن اللحوم لن تؤدي على الأرجح إلى عكس مسار هذا الاتجاه. فبعد عقود طويلة من حملات الصحة العامة في الولايات المتحدة، انخفض الاستهلاك الفردي للحم البقري بشكل كبير، إلا أنه لا يزال أعلى من أي بلد أخر تقريباً.

وبدلاً من ذلك، ينبغي أن يدعم صنَّاع السياسات والجماعات المعنية بالبيئة الجهود الرامية إلى استحداث مصادر بروتين بديلة وأساليب منخفضة الأثر لتربية الماشية. فالابتكارات في كلا المجالين ستمنحنا أفضل فرصة للحد من الأثر البيئي للزراعة سريعاً، مع السماح في الوقت نفسه للناس في كل مكان بتناول ما يريدون.

أثر محدود لبدائل اللحوم

كان بيل جيتس محقاً في أن اللحوم البديلة قادرة على تخفيف حدة بعض المشاكل الناتجة عن تربية الماشية، فالبصمة الكربونية للحوم ذات الأصل النباتي أقل من تلك التي تنتجها لحوم الأبقار والخنازير، وتماثل تقريباً بصمة الدجاج وغيره من الدواجن. صحيح أن البصمة الكربونية للحوم المصنعة من الخلايا (التي يشار إليها أيضاً باسم اللحوم المزروعة أو اللحوم المُستولدة في المختبر أو اللحوم ذات الأصل الخلوي) لا تزال غير واضحة، إلا أن الأدلة المبكرة تشير إلى أنها ستمثل مصدر غذاء أقل إنتاجاً للكربون من اللحم البقري، وأنها يمكن أن تماثل الدجاج إذا تم إنتاجها باستخدام طاقة نظيفة.

يجب ألا نعلق آمالنا على احتمال توقف مليارات البشر عن أكل اللحوم في آن واحد.

كما أن هناك فوائد أخرى أيضاً؛ فاللحوم البديلة عموماً تقلل من استخدام الأراضي وإزالة الغابات، وتحمي التنوع البيولوجي، وتخفض معدلات تلوث الهواء والماء، وتخفف من مخاطر مقاومة المضادات الحيوية والأوبئة حيوانية المنشأ، وتقلل الأعباء الملقاة على عاتق سلطات الصحة العامة والمرتبطة باستهلاك اللحوم الحمراء، وتحد من المخاوف المتعلقة برعاية الحيوانات.

ومع ذلك، فإن اللحوم البديلة مثل بيوند سوسدج (Beyond Sausage) وإمبوسبل برجر (Impossible Burger) لا يمكنها إلا أن تقلل الإنتاج الحيواني نسبياً. ببساطة، لأنه لا توجد بدائل ذات أصل نباتي أو خلوي تتشابه من حيث المذاق والشكل والملمس مع قطع اللحم الكاملة، مثل لحم الخاصرة (الفوفيليه أو بيت الكلاوي). وهذه القطع الكاملة تشكل حصة كبيرة من استهلاك اللحوم؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمثل القطع الكاملة نحو 40% من استهلاك اللحم البقري ومعظم الدجاج الذي يتناوله الناس.

يمكن للاستثمارات التي يضخها القطاعين العام والخاص في اللحوم البديلة أن تحفز تطوير بدائل للقطع الكاملة. وقد خصصت بلدان مثل كندا وسنغافورة بالفعل تمويلاً حكومياً لمثل هذه الأبحاث. ورغم أن البروتينات البديلة لا تزال جديدة تماماً، إلا أن نجاحها المبكر يشير إلى أنها يمكن أن تخلف تأثيراً إيجابياً على المدى الطويل، لا سيما وأن التقدم التكنولوجي يخفض الأسعار ويحسن الجودة.

ماشية غير ضارة بالمناخ

بالرغم من ذلك فإن الاستثمار في اللحوم البديلة لا يمثل سوى جزء من الحل، وإيجاد طريقة لتربية الماشية دون توليد قدر كبير من الانبعاثات يشكل جزءاً آخر بالغ الأهمية.

من المتوقع أن تستحوذ اللحوم البديلة والحليب ذو الأصل النباتي وغيرها من البروتينات البديلة على أقل من 25% من سوق البروتين العالمي بحلول عام 2035. وحتى في ظل أكثر سيناريوهات تبني اللحوم البديلة تفاؤلاً، فإن تزايد الطلب العالمي على اللحوم وغيرها من أنواع البروتين يعني أن الإنتاج الحيواني سيظل على الأرجح قريباً من مستوياته الحالية. وحتى لو تراجع الطلب، فإن الأساليب الأقل تأثيراً ستظل تساعد على الحد من التلوث وتحسين صحة الإنسان.

وتعمل الشركات بالفعل على إيجاد بعض الطرق الواعدة التي تمكن منتجي اللحوم من خفض الانبعاثات. على سبيل المثال، تطور شركة موترال (Mootral) السويسرية موادَّ تضاف إلى الأعلاف، مُصنعة من مصادر من بينها حشائش الليمون (الإذخر) والأعشاب البحرية الحمراء، التي يمكنها أن تقلل معدلات تجشؤ الأبقار لغاز الميثان (أحد غازات الدفيئة القوية). وقد أعلنت شركات مثل برجر كنج دعمها لمثل هذه الطرق.

ويتهم بعض المنتقدين مؤيدي هذه الشركات بممارسة “الغسل الأخضر” [أي: تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية للشركة أو الفوائد البيئية لمنتج أو خدمة ما]. وهم يزعمون -على أساس صائب- أن إطعام الماشية أنواعاً مختلفة من العلف أو التأكد من أنها “تتغذى على العشب” لا يمكن أن يؤدي إلى خفض الانبعاثات إلى الصفر، بل إن الأبقار التي تتغذى على العشب تصدر عادةً انبعاثات أعلى من نظيراتها التي تتغذى على الحبوب. كما أن هذه الخيارات بالتأكيد لا تستطيع أن تحل المشاكل الأخرى، مثل إزالة الغابات أو معاناة الحيوانات.

ومع ذلك، فإن هذه الجهود ضرورية أيضاً لإزالة الكربون من الزراعة بسرعة، حيث يمكن للمواد التي تضاف إلى الأعلاف، كتلك التي تنتجها شركة موترال أو الأعشاب البحرية الحمراء، أن تقلل من انبعاثات الميثان التي تطلقها الماشية بشكل فوري، كما يمكنها أن تضيف المزيد من الدهون والبروتينات إلى أنماطها الغذائية. كذلك فإن تكثيف إنتاج الماشية عن طريق توفير أعلاف معتمدة على المحاصيل الزراعية مثلاً أو رفع إنتاجية المراعي يمثل إحدى أعظم الفرص المتاحة أمامنا للحد من استخدام الأراضي الزراعية والانبعاثات العالمية.

إن تحسين نوعية الأعلاف الحيوانية وتكثيف إنتاج الماشية واستكشاف سبل أخرى للحد من آثارها المناخية كلها أمور تتطلب استثمارات حكومية حتى يتسنى لها النجاح. لكن العديد من هذه الخيارات لا تزال باهظة التكلفة حتى الآن، أو لم يتم بحثها أو فهمها بشكل جيد من قبل مربي الماشية. وفي بعض البلدان مثل الولايات المتحدة، تمول المصادر الحكومية معظم الأبحاث التي تُجرى في قطاع الثروة الحيوانية. وتضطلع الوكالات التي تدير هذا التمويل بدور رئيسي بالفعل في مساعدة المزارعين على تربية ماشية أكثر صحة وإنتاجية. لذا، فإنها يجب أن تكون مسؤولة أيضاً عن تمويل الأبحاث الخاصة بتربية الماشية منخفضة الميثان.

كما أن الاستثمار الفدرالي الذي يستهدف تحقيق تقدم في الممارسات المتبعة لتخفيف آثار النغير المناخي في جانب العرض -مثل تحسين المواد المضافة إلى الأعلاف- من شأنه أن يُكمل عمليات التحول بعيداً عن اللحوم التقليدية التي تتم في جانب الطلب. وكخطوة أولى، ستتيح زيادة التمويل الإجمالي لبرامج البحث والإرشاد والتعليم التي تنفذها وزارة الزراعة الأميركية المزيد من الأموال لهذه الجهود التي تُبذل على جانب العرض دون تخفيض التمويل البحثي المقدم لغيرها من الأولويات الزراعية الهامة.

ورغم أن إدارة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن نادراً ما ناقشت مسألة خفض الانبعاثات الصادرة عن الثروة الحيوانية، إلا أنها تعهدت بزيادة التمويل المخصص لأنشطة البحث والتطوير الزراعي بمقدار 647 مليون دولار، وهي أكبر زيادة في عام واحد منذ 30 عاماً على الأقل. ينبغي لهذا الاستثمار أن يتواكب مع تمويل للبرامج التي تحفز المزارعين على تبني تقنيات غير ضارة بالمناخ في تربية الماشية، سواء كان ذلك من خلال توسيع نطاق برنامج حوافز الجودة البيئية (Environmental Quality Incentive Program) أو إنشاء “بنك الكربون” الذي اقترحه وزير الزراعة الأميركي توم فيلساك.

إنجاز المزيد بموارد أقل

“قلل وتيرة القيادة، قلل وتيرة الطيران، تناول كمية أقل من اللحوم”… اقترح دعاة حماية البيئة منذ فترة طويلة إجراء تغييرات سلوكية للتصدي للتحديات التي تواجهنا اليوم. ومع أن العديد من هذه التغييرات ستكون مفيدة بشكل كبير، إلا أنها لا تزيد في الكثير من الأحيان عن كونها مجرد تخيلات خضراء تتجاهل الاتجاهات العالمية التي تخرج إلى حد كبير عن سيطرتنا.

إن تناول كميات أقل من اللحوم، خاصة اللحم البقري ولحم الضأن، هو بالتأكيد تغيير يمكن للكثير من الناس القيام به لخفض بصماتهم الكربونية. ولكن يجب ألا نعلق آمالنا على احتمال توقف مليارات البشر عن أكل اللحوم في آن واحد، بل ينبغي أن نستخدم جميع الأدوات المتوافرة لدينا. وهذا يعني دعم التغييرات الغذائية والبروتينات البديلة والماشية منخفضة الأثر وغير ذلك من النُهُج الرامية إلى الحد من سلبيات إنتاج اللحوم ومنحنا خيارات أكثر استدامة لما نتناوله.


شارك