Article image
مصدر الصورة: أسوشييتد برس/ نوا بيرجر



ومن المرجح أن الولاية ستواجه مصاعب متصاعدة في تحقيق تخفيضات أكبر في الانبعاثات.

تمكنت كاليفورنيا من ترسيخ صورتها بصفتها نموذجاً عالمياً في القضايا المناخية؛ حيث تعج شوارعها بسيارات تسلا الكهربائية، وتنتشر المزارع الشمسية على امتداد واديها المركزي الذي تغمره أشعة الشمس.

أطلقت هذه الولاية أول برنامج على مستوى الولايات المتحدة للمتاجرة بالانبعاثات، وطبقت معايير قاسية على فعالية استهلاك الوقود في السيارات، كما فرضت مجموعة من القواعد والقوانين الخاصة بالتلوث المناخي، بما فيها القانون الشهير في عام 2018 الذي يفرض إنتاج كامل الطاقة الكهربائية في الولاية من مصادر غير كربونية بحلول العام 2045.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الإنجازات التي تحققت في مجال القوانين والأنظمة، فإن كاليفورنيا تمثل دراسة حالة تبين صعوبة تحقيق تقدم ملموس في المسألة الوحيدة المهمة فعلياً، وهي: تخفيف الانبعاثات.

فوفقاً لأحدث إصدار من دليل الابتكار البيئي في كاليفورنيا، فقد انخفض التلوث المناخي في الولاية بنسبة 1.15% فقط في 2017. وعلى هذه الوتيرة، فإن كاليفورنيا لن تحقق هدف تخفيض الكربون للعام 2030 (الذي يتلخص في تخفيض الانبعاثات إلى نسبة 40% تحت مستويات العام 1990) قبل حلول العام 2061، ولن تحقق هدف العام 2050 (وهي نسبة 80% تحت مستويات 1990) حتى العام 2157.

وإذا كانت هذه الولاية -التي تبذل جهوداً كبيرة لتخفيض انبعاثاتها- تسير على الطريق نحو الفشل في تحقيق أهدافها بفارق قرن كامل، فهذا يعني مصيراً أسوأ للكثير من المناطق حول العالم حيث لا يتجشم أحد مشقة اتخاذ أي إجراء يستحق الذكر. وتقول اللجنة المناخية في الأمم المتحدة، وبشكل ينذر بالخطر، إن العالم ككل يجب أن يحقق انبعاثات “معدومة إجمالياً” بحلول العام 2050 لإيقاف وصول الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، أو بحلول العام 2070 لإبقائه تحت درجتين مئويتين.

ماذا حدث؟
ازدادت انبعاثات النقل -وهي المصدر الأكبر للانبعاثات في الولاية- بشكل متواصل منذ 2013، وذلك مع تحسن الوضع الاقتصادي الذي أدى إلى تزايد عدد السيارات على الطرقات والطائرات في السماء، كما أن الانبعاثات الصادرة عن المخلفات في مدافن النفايات بدأت تزداد منذ إطلاق عمليات استخراج الغاز من داخلها. وفي نفس الوقت، ظهرت زيادة حادة في غازات الدفيئة قوية المفعول الناتجة عن الرذاذات، والمواد الرغوية، والمميعات المستخدمة في البرادات ومكيفات الهواء.

وقد أدت هذه الزيادات إلى تعويض تخفيضات الانبعاثات في قطاع الكهرباء في الولاية، التي حظيت بالكثير من الضجيج الإعلامي، حيث ازدادت نسبة الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة مثل الطاقة الريحية والطاقة الشمسية، وانخفضت الانبعاثات من توليد الكهرباء داخل الولاية بنسبة 35% منذ العام 2000.

وتبيِّن الحسابات الجديدة في التقرير أن كاليفورنيا أصبحت الآن في حاجة إلى زيادة تخفيضات الانبعاثات إلى 4.51% سنوياً لتحقيق أهداف 2030، أو 5.34% سنوياً لتحقيق أهداف 2050. وبطبيعة الحال، فإن هذه الأرقام ستزداد في كل سنة تفشل فيها الولاية في تحقيق هذه النسب. وتكمن المشكلة في أن تحقيق كاليفورنيا لهذه الزيادات سيصبح أكثر صعوبة، لا أكثر سهولة. وحتى نفهم السبب، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاث مسائل.

1- تباطؤ التقدم في مجال المصادر المتجددة
في الواقع، يمثل قطاع الكهرباء الجزء الأسهل في عملية تخفيض الكربون، ويعود ذلك إلى وجود عدة مصادر غير كربونية رخيصة وموثوقة نسبياً، مثل الطاقة الريحية والشمسية، والطاقة الحرارية الأرضية. ولكن الطلب على المشاريع الجديدة من مؤسسات الخدمات في الولاية مثل PG&E و SDG&E، التي تعود ملكيتها إلى المستثمرين، كان تقريباً شبه جامد على مدى السنوات الثلاث الماضية. ويقول التقرير إن هذا يعود بشكل رئيسي إلى نجاح شركات الخدمات في تحقيق أهداف الولاية للعام 2020 في مجال الطاقات المتجددة قبل عدة سنوات من موعدها.

إجمالي سعة التوليد بالطاقات المتجددة للمنشآت التي طلبتها شركات الخدمات ذات الملكية الاستثمارية في الولاية، سواء في حالة التشغيل أو قيد التطوير.
السعة الدنيا المتوقعة (مقدرة بالجيجا واط ساعي كل سنة).

المصدر: شركة الخدمات العامة في كاليفورنيا ومنظمة نيكست 10تم بناء الشكل التوضيحي باستخدام داتا رابر

غير أن مراقبي مجال الطاقة يؤكدون على بدء ظهور مشاكل أكثر عمقاً في قلب النظام، حيث إن شركات الخدمات في الولاية بدأت تخسر أعداداً كبيرة من الزبائن لصالح برامج الخيارات الجماعية، وتسمح هذه البرامج للتجمعات السكانية المحلية، مثل مارين وبيركلي، بشراء الكهرباء من مصادر داخل أو خارج الولاية نيابة عن السكان وأماكن العمل، ولكنها تعتمد على البنية التحتية التابعة لشركة الخدمات من أجل نقل وتوزيع الطاقة.

وهكذا، أصبح لدى شركات الخدمات فائض من محطات توليد الطاقة، وبالتالي لم يعد هناك ما يدعوها لعقد صفقات جديدة مع المطورين لبناء منشآت لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة. وفي الواقع، فقد تقطع هذه الشركات فترة طويلة من الزمن في العقد المقبل من دون إضافة عقود لمزارع شمسية أو ريحية جديدة، وتبقى متوافقة مع معايير الطاقات المتجددة الصارمة في الولاية، كما يقول ماثيو فريدمان المحامي في شبكة إصلاح الخدمات -وهي مجموعة للدفاع عن قضايا المستهلكين- والمحاضر في مدرسة القانون في جامعة كاليفورنيا بيركلي.

وباختصار، فقد تمر عدة سنوات قبل أن تشهد الولاية زيادة حقيقية في مشاريع الطاقات المتجددة ثانية. وفي محاولة لحل المشاكل المتزايدة الناتجة عن هذا التشتت في نظام الطاقة للولاية، فقد اقترح بعض مشرعي كاليفورنيا تكليف وكالة حكومية بمهمة ضمان المستويات الضرورية من تطوير الكهرباء النظيفة.

2- القطاعات التي تمثل مشاكل صعبة الحل
قد تكون زيادة التخفيضات في قطاعات أخرى أكثر صعوبة حتى.

فيما يتعلق بقطاع النقل، يوجد بصيص أمل يتمثل في زيادة نسبة السيارات الكهربائية في مبيعات السيارات الجديدة، فقد كادت تصل إلى 8% في السنة الماضية. ولكن بحسب التقرير، ما تزال هذه السيارات تشكل 1.5% فقط من السيارات المُسجلة في الولاية، مع وصول السيارات الهجينة إلى نسبة 3.4%. وفي الوقت نفسه، ازدادت النسبة الإجمالية للملكية الخاصة للسيارات، وتراجع استخدام وسائل النقل العام، وما زال المستهلكون ينتقلون إلى استخدام الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي التي تبتلع كميات هائلة من الوقود. كما أن السيارات غير الكهربائية التي بيعت في العام الماضي، والتي تبلغ نسبتها 92%، ستبقى وسطياً على الطرقات لأكثر من عقد من الزمن.

ومن المرجح أن تسريع الانتقال إلى سيارات أكثر رفقاً بالبيئة سيحتاج إلى سياسات أكثر صرامة، ودعم حكومي أكثر سخاء إلى حد بعيد، وسيارات كهربائية أقل تكلفة، وعملية بناء واسعة النطاق للبنى التحتية المخصصة لشحن السيارات. بل إن جهود كاليفورنيا لرفع متوسط فعالية استهلاك الوقود في السيارات المباعة في الولاية تعرضت إلى تعقيدات قانونية أثارتها إدارة ترامب.

كما ابتكرت كاليفورنيا بعض البرامج الجديدة للمساعدة على تخفيض الانبعاثات في قطاعات أخرى، بما فيها الزراعة. ولكن ببساطة، لا تكفي التقنيات الحالية لإلغاء الانبعاثات كلياً من بعض المصادر الأخرى للانبعاثات في الولاية، بما فيها الطيران.

3- حرائق البراري
أخيراً، يتسبب تفاقم حرائق البراري في كاليفورنيا بإعاقة جهودها لتخفيض الانبعاثات؛ لأن احتراق الغابات يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من غازات الدفيئة المخزنة داخل نباتاتها وأشجارها. كما أن كلاً من ارتفاع درجات الحرارة وانزياح أنماط الهطولات المطرية قد أدى إلى إطالة موسم الحرائق بمقدار 75 يوم على كامل مساحة سلسلة سييرا نيفادا الجبلية.

وتسببت حرائق البراري في 2018 بإطلاق حوالي 45 مليون طن من ثنائي أكسيد الكربون، أي ما يقارب تسعة أضعاف تخفيضات الانبعاثات في الولاية في السنة الماضية. كما أن المسؤولية القانونية عن الحرائق في السنة الماضية دفعت بأكبر شركات الخدمات في الولاية، PG&E، إلى الإفلاس. وفي المستقبل المنظور، ستركز الشركة على استعادة قدراتها المالية وإيفاء التزاماتها، ومنع خطوطها الكهربائية المتقادمة من إطلاق الشرارات وإشعال المزيد من الحرائق. وهو ما سيؤدي بلا شك إلى زيادة تكاليف النظام، وتحويل التركيز والموارد عن مهمة تنظيف الشبكة.

وقد تزداد المنطقة المعرضة للاحتراق في الولاية بنسبة 80% بحلول نهاية القرن، مما سيزيد من الانبعاثات وخطر الحرائق في حلقة مفرغة خطرة. ولهذا من المرجح أن تشهد كاليفورنيا نفس سيناريو العام 2018 يتكرر مرات ومرات في السنوات المقبلة، مدمراً الإنجازات المناخية التي حققتها بشق الأنفس خلال بضعة أشهر لاهبة.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو