Article image
مصدر الصورة: ستيفاني أرنيت



تحمل مدينة تشاتانوجا في تينيسي أسوأ سجل في الولاية من حيث الحوادث العنصرية. والآن، قامت المدينة بالاستعانة بالخبراء لمراقبة ما يقال، وربما تغيير ما يحدث.

يعيش حوالي 180,000 شخص في تشاتانوجا، وهي رابع أكبر مدينة في ولاية تينيسي الأميركية. تشتهر هذه المدينة بمناظرها الخلابة وميل السكان إلى التواجد في الطبيعة، وتقع على ضفاف نهر تينيسي قرب سفوح جبال الأبالاش. وفي 2010، كانت أول مدينة تطلق الإنترنت بسرعة 1 جيجابت في الثانية، وقد أطلقت عليها صحيفة نيويورك تايمز لقب “جوهرة تينيسي المخبأة”.

ولكن في 26 يوليو 2015، أصبحت تشاتانوجا مشهورة لسبب مختلف كلياً؛ فقد انطلق المدعو محمد يوسف عبد العزيز في فورة من القتل، فأطلق النار على سبعة أشخاص في منشأتين عسكريتين أميركيتين، مما تسبب في مقتل أربعة منهم -وجميعهم من مشاة البحرية، أي المارينز- على الفور. واستنتج مكتب التحقيقات الفدرالي لاحقاً أن المجرم الذي يبلغ من العمر 24 سنة “تحول إلى التطرف تلقائياً” بعد الوقوع تحت تأثير المواد الدعائية لتنظيم القاعدة على الإنترنت مع خروج حياته عن السيطرة.

تحوي تشاتانوجا مجموعةً صغيرة ومتقاربة من السكان المسلمين. وعلى إثر الهجوم، بدأت التعليقات الغاضبة والعنصرية تظهر على صفحات الإنترنت، واستغل عدة سياسيين هذه الهجمات لأهداف انتخابية، بما فيهم دونالد ترامب الذي كان في ذلك الوقت مرشحاً عن الحزب الجمهوري. وخشي سكان المدينة المسلمون من التعرض لهجمات انتقامية.

ومنذ ذلك الحين، تفاقم الوضع نحو الأسوأ؛ فقد تصاعدت جرائم الكراهية على مستوى البلاد وفقاً لمكتب التحقيقات الفدرالي، وتحتل تينيسي المرتبة التاسعة بين جميع الولايات الأميركية من حيث إجمالي هذه الجرائم. أما تشاتانوجا، فقد سُجل فيها من الحوادث ذات الدوافع الدينية أكثر من أي مدينة في تينيسي خلال عام 2017. وفي شهر نوفمبر 2019، أطلقت المدينة مبادرة للتعامل مع المشكلة بتشجيع السكان على الإبلاغ عن خطاب الكراهية على الإنترنت. إنها أول مدينة في الولايات المتحدة تبدأ بتسجيل المعلومات حول هذه الحوادث بهذه الطريقة، ويأمل المسؤولون أن هذا سيكون بمنزلة خطوة هامة في توحيد المدينة وزيادة التسامح فيها.

الخطوات الأولى
أطلقت حكومة تشاتانوجا استمارة إلكترونية لملئها عند رؤية خطاب الكراهية أو التعرض إليه، سواء بشكل شخصي أو على الإنترنت. لا يستغرق ملء الاستمارة سوى عدة ثوانٍ، ولا يتطلب الأمر أكثر من شرح للمصطلح المستخدم، ومكان استخدامه، وما إذا كان موجهاً إليك أو إلى شخص آخر، وكيفية تعريفك للمصطلح، واللغة المستخدمة. إنها عملية مكتومة الهوية، حيث لا تُجمع أية معلومات حول الشخص الذي قام بالتبليغ.

يتم إرسال جميع البيانات -أي المصطلح المستخدم، ومكان استخدامه، وتكرار استخدامه- على الفور إلى هيتبيس، وهي شركة في تورنتو تفرعت عن مشروع سينتينيل، وهو منظمة كندية غير ربحية. قامت هيتبيس ببناء أكبر قاعدة بيانات للكلمات المستخدمة في خطاب الكراهية في العالم عبر أكثر من 200 بلد، وتتضمن لفظات عنصرية، ومصطلحات كارهة لذوي الميول الجنسية غير المعتادة، وجملاً تعبر عن التمييز الجنسي، وغير ذلك من أشكال الخطاب المهين الموجه ضد مجموعات محددة. وتحصل الشركة على تمويلها من عملها مع العملاء التجاريين، ولكنها تقدم خدماتها مجاناً للمؤسسات الحكومية.

وما أن تصل البيانات إلى هيتبيس، يتم ترتيبها وتزويدها بالشروحات آلياً، وتتضمن الشروحات مثلاً المعاني المتعددة لهذه المصطلحات، أو مستوى الإساءة التي تعبر عنها. ويمكن عرض البيانات الناتجة على لوحة قياسات تسهل على مسؤولي المدينة الاطلاع على المشكلة بشكل مرئي.

البحث عن الأنماط
ما أن تُجمَع بيانات كافية (على الأغلب خلال عدة أشهر)، ستستخدم المدينة نظام هيتبيس لمراقبة الأنماط في استخدام خطاب الكراهية عبر تشاتانوجا، وتدرس وجود أية ترابطات بين الكلمات المستخدمة ضد مجموعات معينة، وجرائم الكراهية اللاحقة. فغالباً ما يأتي العنف ضد مجموعة معينة بعد زيادة واضحة في استخدام اللغة المُهينة والمسيئة ضد هذه المجموعة، وقد استخدم مشروع سينتينيل هذا الشكل من مراقبة اللغة بنجاح لبناء نظام إنذار مبكر للصراعات العرقية المسلحة في كينيا وأوغندا وبورما والعراق.

وعلى الرغم من اختلاف السياق في تشاتانوجا، فإن الهدف لم يتغير، أي تتبع خطاب الكراهية والقضاء عليه في بداياته قبل أن يتحول إلى عنف. إن وجود كل هذه البيانات في مكان واحد يسمح للمدينة بتحديد مناطق التوتر بين التجمعات السكانية على الفور، وتحديد المصطلحات المسيئة التي تتكرر بشكل كبير، وأماكن استخدامها.

وتتضمن شراكة تشاتانوجا مع هيتبيس أيضاً التعامل مع مشكلة مستمرة في المدينة، وهي ضعف وتفكك التبليغ عن خطاب الكراهية لمؤسسات فرض القانون، مما زاد من صعوبة تحديد المشاكل المتكررة. وتأمل كيري هايز، الناطقة باسم المدينة، أن التبليغ عن خطاب الكراهية بشكل سريع ومكتوم الهوية -وإلغاء حاجة الشرائح المهمشة للتواصل مع الشرطة، التي لا تثق بها دائماً- سيغير من هذا الواقع. كما يمكن أيضاً أن يشير إلى المصطلحات الأكثر تكراراً، وما إذا كانت تظهر في الأماكن الساخنة في المدينة أم لا، وربما التوصل إلى مؤشر مبكر حول احتمال وقوع أحداث عنف.

ويخطط مسؤولو تشاتانوجا لاستخدام هذه البيانات في توجيه السياسات التي تهدف لمواجهة هذه المشاكل. وعلى سبيل المثال، قد يقومون بتعزيز الإجراءات الأمنية حول المساجد أو الكنائس المحلية، أو إطلاق برامج للجمع والتواصل ما بين هذه المجموعات، أو افتتاح مراكز اجتماعية، كما تقول هايز: “تهدف هذه العملية إلى التركيز على التعاطف والتخفيف من الانعزالية، وتطوير الروابط الاجتماعية بين هذه الشرائح”.

وقد تكون الحوادث المعزولة لخطاب الكراهية صغيرة بحد ذاتها، ولكنها يمكن أن تتراكم لتتحول إلى مشكلة أكبر بكثير، وذلك وفقاً لنيل جونسون، وهو بروفسور فيزياء في جامعة جورج واشنطن ويدرس أنماط خطاب الكراهية، ويقول: “إنها مبادرة رائعة. إنها تعتمد على البيانات، وهو أمر هام للغاية، لكونها تتجاوز الروايات السردية. ولكن يجب التركيز على الانتقال من المستوى الفردي إلى مجموعات الكراهية الشاملة، ويجب أن نتعامل مع هذه الأوضاع، لا أن نوقفها وحسب”.

غير أن الخطة ليست خالية من العيوب؛ حيث إنها لا تتضمن أية مراقبة استباقية لمنشورات التواصل الاجتماعي، وهو أمر قد يكون مثيراً للجدل ولكنه مفيد ولا شك بالنسبة لأي شخص يحاول مراقبة الكراهية العنصرية وتحولها إلى حوادث حقيقية. وفي الواقع، فإن الخطة تضع العبء كاملاً على المواطنين المحليين للتبليغ عن خطاب الكراهية، كما تُقِر هايز: “إن فعالية الخطة تعتمد بشكل كامل على السكان”.

وعلى الرغم من هذا، فإن أغلب المدن لا تراقب خطاب الكراهية على الإطلاق، وذلك وفقاً لتيموثي كوين أحد مؤسسي هيتبيس. وإذا أرادت هذه المدن وضع سياسات للتعامل مع التفرقة بين الشرائح والمجموعات المختلفة، فليس أمامها إلا التخمين.