Article image
مصدر الصورة: ميس تيك/ جيتي، بيكساباي



ماذا سيحدث لو كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً بالكامل عن عملية الاختراع نفسها؟ بعض المتحمسين يحاولون تغيير القواعد.

2020-01-27 11:30:45

27 يناير 2020

في أغلب الأحيان، يمثل الذكاء الاصطناعي ببساطة أداة لمساعدة المخترعين والمبتكرين، كما يحدث مثلاً لدى تشكيل مجموعات بيانات عملاقة للعثور على عقاقير واعدة أو اكتشاف مواد جديدة. ولكن ماذا سيحدث لو كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً بالكامل عن فعل الاختراع نفسه؟

هذا ما أراد ريان أبوت اختباره، وهو محامٍ مختص ببراءات الاختراع وبروفسور لعلوم الصحة في جامعة سوري في المملكة المتحدة. يقول أبوت، وهو أيضاً أحد المحامين في مشروع المخترع الاصطناعي: “إذا كتبت وثيقة على برنامج وورد، فهذا لا يجعل من برنامج وورد مؤلفاً، واذا قمت بصياغة جدول على برنامج إكسل، فهذا لا يجعل من إكسل مخترعاً بالنسبة لبراءة الاختراع التي أعمل عليها”. ولكنه يضيف أنه توجد بعض الحالات التي يجب أن نعتبر فيها أن المخترع هو البرنامج أو الخوارزمية.

في أغسطس، قدم خبراء المعهد الأميركي للفيزياء طلبات براءات اختراع لاختراعين –ضوء تحذيري ومستوعب غذائي– بالنيابة عن ستيفن ثيلر، وهو الرئيس التنفيذي لشركة إيماجينيشن إنجنز. وبدلاً من وضع اسم مؤلف بشري على الطلبات، وُضع اسم دابوس إيه آي، وهو نظام ذكاء اصطناعي أمضى ثيلر أكثر من عقد في بنائه، وقد توصل دابوس إيه آي إلى الاختراعات بعد تلقيمه بمعلومات عامة حول الكثير من المواضيع. قد يكون ثيلر هو الذي قام بتصميم دابوس، ولكنه لا يتمتع بأية خبرة في ابتكار الأضواء أو المستوعبات الغذائية، ولن يتمكن من التوصل إلى هذه الأفكار وحده. ولهذا يقول فريق المعهد إن دابوس نفسه هو المخترع الحقيقي.

اعتبر مكتبا براءات الاختراع البريطاني والأوروبي أن الاختراعات نفسها جديرة بالحصول على براءات، ولكن كلا المكتبين رفضَ الطلبات مؤخراً؛ لأن “المخترع” ليس بشرياً. ولهذا، فإن هذه الأجهزة ليست محمية ببراءات اختراع. أما مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأميركي فما زال يدرس الطلب، وقد طلب التعليق على أسئلة متعلقة بالذكاء الاصطناعي وقانون حماية الملكية الفكرية.

يخطط أبوت للاعتراض على القرارات. ويعتقد أننا سنشهد المزيد من الحالات التي يجب أن نعتبر الذكاء الاصطناعي فيها بمنزلة المخترع الحقيقي، وأن القانون يجب أن يأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، ويقول: “إن مستقبل الابتكار يتوقف على نتيجة هذا النقاش”، ويضيف أن عدم الاعتراف بالذكاء الاصطناعي كمخترع لا يمثل مشكلة أخلاقية وحسب، بل قد يقود إلى عواقب غير محسوبة.

ما تفاصيل الحجج المطروحة بالضبط؟
أولاً، لا أحد يقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يمتلك براءة الاختراع. فمن الشائع أن يكون المخترع فرداً، وأن تعود ملكية الاختراع في نفس الوقت إلى الشركة التي توظّف المخترع. وفي هذه الحالة، يقول أبوت إن المخترع هو دابوس وأن المالك هو ثيلر.

قد يبدو هذا بسيطاً، غير أن قانون براءات الاختراع ينسب الملكية بشكل محدد للغاية؛ حيث يجب أن يكون المخترع موظفاً أو متعاقداً مع الشركة الأساسية. ولكن الذكاء الاصطناعي لا ينتمي إلى أي من هاتين الفئتين القانونيتين، كما يشرح بيتر فيني، وهو خبير في الملكية الفكرية في شركة بوتر كلاركسون القانونية. وهذا وحده يمثل سبباً كافياً لرفض الطلبات؛ وذلك حتى قبل الوصول إلى الشروط الأخرى التي تقتضي أن يكون المخترعون أفراداً و”أشخاصاً طبيعيين”. ومن الجدير بالذكر أن قانون حقوق النشر لا يسمح أيضاً بأن تحمل الحيوانات حقوق الملكية الفكرية، كما حُدد في قضية “القرد الذي التقط صورة سيلفي“.

أما المشكلة الأكبر فهي أننا لم نقترب حتى من تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، ولهذا فلن يصدق الكثيرون أن الذكاء الاصطناعي هو المخترع الحقيقي، ويضيف فيني أن الفكرة الأكثر شيوعاً لدى الشركات هي “الابتكار بمساعدة الحاسوب”.

إضافة إلى ذلك، فإن لقب المخترع يستوجب بعض المسؤوليات. يقول كريس مامين، وهو محامٍ مختص بالملكية الفكرية في شركة وومبل بوند ديكنسون القانونية: “إذا كان الذكاء الاصطناعي مخترعاً، فيجب أيضاً أن يكون قادراً على توقيع العقود”، ويجب أيضاً أن يكون قادراً على الترخيص ورفع الدعاوى القانونية، غير أن الذكاء الاصطناعي غير قادر على أي مما سبق. ومنذ بضع سنوات، ناقش صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي مسألة تعريف فئة جديدة، وهي “الشخصية الإلكترونية”، غير أن هذا النقاش اضمحلَّ بسرعة، ويعود ذلك جزئياً إلى هذه الاعتبارات العملية.

يقول مامين: “لن أنفي القدرة الكبيرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي على حل المشاكل بأساليب جديدة ومختلفة عما يمكن أن يتوصل إليه البشر. ولكن من وجهة نظر السياسات، فأنا لست متأكداً من أن نظام براءات الاختراع هو الأداة الصحيحة لمكافأة تطوير هذا النوع من الحلول”، ويضيف أن من الممكن أن نتخيل أوضاعاً لا يقدم فيها البشر أية مساهمات كبيرة في الابتكار، ولكننا “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”.

قضية نظام الذكاء الاصطناعي المخترِع
بالنسبة لأبوت، فإن عدم وصولنا إلى هذه المرحلة جزء هام من المسألة؛ لأن المجتمع يجب أن يحل هذه المعضلة بشكل مسبق.

يقر أبوت أن نظام الذكاء الاصطناعي لا يظهر إلى الوجود من تلقاء نفسه، فيجب أولاً أن يُبرمج ويُدرب ويلقم بالبيانات الضرورية، ولكن هذا لا يقتضي بالضرورة أن ننسب كل ما يبتكره نظام الذكاء الاصطناعي إلى البشر. فقد اشترك مئات أو آلاف البشر -على الأرجح- في برمجة الحاسوب الخارق واتسون من آي بي إم لإكسابه قدرات عامة على حل المشاكل، ولكن “إذا قام واتسون باستخدام هذه القدرات لحل مشكلة معينة بطريقة تستحق براءة اختراع، فليس من الممكن أن نحدد ما إذا كانت مساهمة أي من هؤلاء البشر تؤهله حتى يكون مخترعاً”، كما يقول أبوت.

ولكن إذا لم نستطع إدراج البشر كمخترعين لأنهم لم يساهموا بشكل مباشر وعميق، ولم نستطع إدراج الذكاء الاصطناعي كمخترع أيضاً، فقد يكون من المستحيل منح الاختراع وثيقة براءة اختراع، وهو ما يمثل مشكلة كبيرة كما يقول أبوت. فقد يمنع الشركات من استثمار الأموال في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، ويعيق التوصل إلى إنجازات في مجالات مثل اكتشاف العقاقير. ويضيف أنه قد لا توجد فوائد اجتماعية تستحق الذكر لمنح الحقوق للذكاء الاصطناعي، ولكن سيكون من المفيد تغيير قوانين حماية الملكية الفكرية للاعتراف بمساهمته.

سيُنشر القرار الخطِّيّ الكامل لمكتب براءات الاختراع الأوروبي في نهاية يناير، وقد قال ناطق باسم المكتب إن من المرجح أن يُعتبر الذكاء الاصطناعي في المستقبل المنظور بمنزلة أداة بدلاً من اعتباره مخترعاً. ووفقاً لجيريمي سميث، وهو محامٍ مختص بالملكية الفكرية في شركة ماثيس أند سكواير القانونية، فمن الممكن أن يتغير القانون لصياغة حق جديد شبيه ببراءة الاختراع، ويأخذ الذكاء الاصطناعي بعين الاعتبار، أو أن البشر سيجدون ببساطة طريقة لإدراج اسم إنسان كمخترع في كل مرة. ولكنه يشير إلى أن المشرّعين يعملون ببطء شديد.

يتفق أبوت مع وجهة النظر هذه؛ حيث إن الاعتراض المقدم إلى مكتب براءات الاختراع البريطاني -الذي يقول إن رفض الطلب سيؤدي في نهاية الأمر إلى دفع مُقدمي الطلب إلى الكذب حول هوية المخترع- لن يُدرس على الأرجح قبل بضعة أشهر إضافية، وكما يقول: “لن تُحل هذه المسألة قريباً”.