Article image




يقول أحد الخبراء إن إعادة فتح المرافق الخدمية للذين تم تطعيمهم باللقاح فقط قد يؤدي إلى تفاقم أوجه الظلم والتفاوت وانعدام الثقة في مسؤولي الصحة.

بقلم

2020-12-24 19:00:42

24 ديسمبر 2020

يناقش الخبراء الإيجابيات والسلبيات الناجمة عن جوازات التطعيم بلقاح كوفيد-19، أو أي نوع آخر من الشهادات، في خضم محاولاتهم لإعادة فتح المرافق العامة. تبدو الفكرة بسيطة في ظاهرها: الأشخاص الذين تلقوا لقاح كوفيد-19 سيتمكنون من التنقل والعمل وفعل أشياء لا يستطيعها أولئك الذين لم يتلقوا اللقاح.

هناك دليل مبكر على أن اللقاحات المرخصة من قبل إدارة الغذاء والدواء للاستخدام الطارئ ذات فعالية عالية. وتكشف الشركات الطبية والتكنولوجية الستار عن اقتراحات باستخدام التطعيم كشرط مسبق للمشاركة في العديد من النشاطات العامة، لكن هذا المفهوم يثير كثيراً من الأسئلة حول صحة المجتمع، والعدالة، ومقدار ما نعرفه حقاً عن حصانة كوفيد-19.

نيتا فرَحاني هي خبيرة بارزة في مجال تأثير التكنولوجيا والعلوم الحيوية على المجتمع. وهي أستاذة القانون والفلسفة في جامعة ديوك، حيث تعمل أيضاً مديرة “مبادرة العلم والمجتمع”. وكانت عضواً في لجنة رئاسية تختص في أخلاقيات علم الأحياء بين عامي 2010 و2017.

جرى تكثيف وتحرير هذه المقابلة لأغراض التوضيح.

هل نعرف ما يكفي عن علم كوفيد-19 لاستخدام نظام جوازات التطعيم ونحن واثقين بأنه سيمنع انتقال العدوى؟

نحن حقاً لا نملك إلا قدراً محدوداً من المعلومات المبكرة من دراسات لقاح أكسفورد-أسترازينيكا ومودرنا وبعض الدراسات الحديثة التي تشير إلى أن بإمكانه أن يحد من انتقال العدوى، لا أن يمنعه تماماً. قد يتم تطعيم شخص ما باللقاح دون أن يعاني من أعباء المرض الشديدة إذا ما مرض، وفي الحقيقة قد لا يعاني من أي أعراض، ولكن احتمال نقله للفيروس إلى أشخاص آخرين ما يزال قائماً.

نعلم الأساسيات عن بدء توزيع اللقاحات:  كيف يمكن لجواز التطعيم أن يتسبب في الظلم؟

إن الاستناد إلى تلقيك التطعيم كشرط لعودتك للمشاركة في الحياة العامة قد يرسخ أوجه عدم المساواة التي بدأنا نشهدها في بعض البلدان؛ ذلك أن ثقة الأقليات في الرعاية الصحية والمؤسسات الطبية منخفضة للغاية في الوقت الحالي، واشتراط انخراطهم في المجتمع من جديد بناءً على ما إذا كانوا قد تلقوا اللقاح أم لا -وهم أساساً لديهم سويات مرتفعة من انعدام الثقة العامة- هو أمر إشكالي على نحو عميق. أعتقد أن ذلك سيقلص الثقة أكثر، وقد يعيق سياسة التطعيم والرعاية الصحية والثقة في الصحة والعلم أكثر مما فعل حتى الآن.

إن الأشخاص الراغبين في تلقي اللقاح، والذين لديهم مستويات أعلى من الثقة، أو استطاعوا الحصول عليه مبكراً بسبب الثروة أو شبكات العلاقات، هم الأشخاص الذين سيكونون أول من ينخرط في العمل حال فتح الأعمال والنشاطات التجارية من جديد. سيكونون أول من يسمح لهم بدخول المدارس، وكافة الغرف والمقرات التي يمكن إيجادها في مختلف الأنشطة، والحصول على التذاكر لحضور المناسبات. وسينتهي بك الحال بتأثير طويل المدى ناجم عن ترسيخ مظاهر عدم المساواة التي ظهرت كجزء من الوباء.

هل هناك سوابق تاريخية لتقييد الوصول إلى الخدمات بالطريقة التي يقترحها البعض؟

أفكر في اختبارات محو الأمية التي جرب الناس في ما مضى أن يوظفوها  كطريقة لاستثناء جزء بكامله من المجتمع  من حق التصويت. وقد حصّنت أولئك الذين يملكون أساساً قدراً أكبر من الموارد، ما يتيح لهم فرصاً أفضل في التعليم. جُوبه هذا النوع من الاختبارات بالرفض التام بسبب التقسيم الطبقي والإقصاء اللذين أنتجهما.

ألا نستطيع أن نطلب من الناس أن يتلقوا اللقاح فقط؟

إن ترخيص الاستخدام الطارئ ليس مطابقاً لمنح الموافقة الرقابية الكاملة على دواء أو جهاز أو لقاح معين، والتي لا يتم منحها إلا بعد أن يُدرس ذلك الدواء لفترة أطول. إذا أراد الناس أن يختاروا الانتظار للحصول على المزيد من البيانات -ولا سيما في وقت بلغ فيه انعدام الثقة أعلى مستوياته، وباتت فيه الثقة في وكالات الصحة العامة موضع شك حقيقي في ظل هذه الجائحة- عندها في اعتقادي يجب أن نمكّن الناس من الانتظار دون أن يعانوا تبعات الإقصاء من المجتمع لاختيارهم ذلك.

أستطيع أن أتخيل أننا حالما نصل إلى المرحلة التي يصبح فيها لقاح كوفيد-19 متاحاً على نطاق واسع، ولدينا معلومات ممتازة عن استخدامه، عندها قد نحتاج إلى الاشتراط. لست أدعو لفرض حظر مطلق على حالة التطعيم، وإنما أناقش فكرة مفادها أنه لا يجدر بالأمر أن يكون ممارسة منتشرة على نطاق واسع. لم يحن الأوان بعد؛ ليس الآن.

متى يجب أن نفكر في التخلي عن التقنيات أو الأنظمة الناشئة التي اعتقدنا سابقاً أنها قد تمثل أحد الحلول؟

نحتاج الآن إلى دليل توجيهي يخبرنا بأنه لا يمكن استخدام حالة التطعيم (من عدمها) كقاعدة للتمييز بين الأشخاص، بغية مشاركتهم في العمل والمدارس والنشاطات الترفيهية حتى إشعار آخر. وهذا الموعد يمكن تحديثه متى حصلنا على بيانات أفضل، ومتى حصلت [اللقاحات] على موافقة رقابية كاملة وأصبحت منتشرةً على نطاق واسع ومتاحةً بالكامل.

[في الولايات المتحدة] تستطيع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أن تعرّف الشروط التي يأخذ المجتمع أو لا يأخذ اللقاح وفقها في الوقت الحالي. يمكنهم أن يصدروا دليلاً توجيهياً يقول إنه لا يمكنك اشتراط حالة التطعيم للمشاركة في الحياة العامة، أو بمقاربة أكثر كفاءة لذلك كما يلي: الإمكانية متاحة إذا كنت ضمن الأوضاع والأماكن التالية، والقيود مبررة في تلك الظروف.

إذن كيف نستطيع تحقيق التوازن بين العودة إلى الحياة قبل كوفيد-19 وحماية الحريات المدنية؟

أعتقد أنه يجب على صنّاع القرار أن يفكروا في آليةٍ لاستعادة ثقة الناس في العلوم العامة. وكلما استطعنا أن نستعيد ثقة الناس في العلوم العامة، زاد احتمال أن يتبنى الناس التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات والإجراءات الأخرى التي من شأنها أن تساعدنا على تجاوز الجائحة. واللقاحات هي جزء من ذلك، لكنها ليست الإجابة الشافية لكل شيء؛ فالعمل من أجل استعادة الثقة عند عامة الناس -بحيث يتمكنون من تبني الآليات متعددة الأوجه لحماية أنفسهم والآخرين- من شأنه أن يساعدنا على الخروج من هذه الأزمة بسرعة أكبر.

ما الذي قد تقولينه للأشخاص الراغبين في الحصول على اللقاح، ولديهم القدرة للقيام بذلك، ولا يرون مشكلة في اشتراط التطعيم للسماح بالمشاركة في الحياة العامة عندما تعود عجلة الحياة للدوران من جديد؟

إن طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه، ونوع المعايير التي نطورها، وذلك النوع من العدالة الاجتماعية كلها في الواقع عوامل تؤثر علينا جميعاً. وسواء أكنت أو لم تكن من الطبقة ذات الامتيازات هذه المرة؛ فإنك قد لا تكون كذلك في المرة التالية. في بدايات انتشار الجائحة، قال الكثير من الناس أشياء مثل: دعونا نطلب إلى الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر بالمرض فقط أن يبقوا في منازلهم، وليواصل بقيتنا حياتهم بسلام.  ولكن تبيّن لاحقاً أن كل واحد منا مرتبط بشخص معرض للخطر أو يعرف شخصاً معرضاً للخطر، وأن الفيروس لا يميز بين الأشخاص بالقدر الذي أمّل به الناس أو توقعوه.

إننا نقترب كثيراً من المرحلة التي سيعرف فيها كل واحد منا شخصاً أصيب بالفيروس، وسندرك أن الأمر لا يتعلق بمقدار الثروة التي تملكها، أو بجودة الدرجة الأكاديمية التي حققتها. وأن هذا النوع من المأساة الذي قد يصيبك أو يصيب أحداً تحبه يجب أن يشجعنا لكي ندرك أننا جميعاً في خندق واحد أمام هذا الوباء. وأن الطريقة الوحيدة للخروج من هذه الأزمة هي أن نخرج جميعاً يداً بيد.

هذه القصة هي جزء من مشروع تكنولوجيا الأوبئة، المدعوم من مؤسسة روكفلر.