Article image
الصورة الأصلية: إيردمان سبيكر | تعديل: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية



التنظيف على هذا المستوى مستحيل باستخدام مكنسة كاملة، لذا فقد تضطر إلى استخدام شيء بحجم شعرة واحدة مستدقة الطرف. هذا إن استطعت أن تمسك بها بالطبع!

2020-04-21 14:57:24

21 أبريل 2020

قد يشكل التلوث مصدراً للمشاكل والعوائق التي تواجه أي تجربة علمية، أو عملية تقنية، أو حتى تحقيق قضائي يجري بحثاً عن أدلة، ناهيك عن أنه مصدر إزعاج وقلق دائم لنا في المنزل، خاصة في ظل ظروف الحجر المنزلي أو ظروف العمل الميداني بشروط وقائية استثنائية، التي نعايشها في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي بعد انتشار وباء فيروس كورونا. ولذلك يتم العمل باستمرار على تحسين مستوى النظافة وإجراءات التنظيف، ومناقشتها في معظم مجالات العلوم والتكنولوجيا.

وهناك العديد من الأمثلة على عمليات التنظيف هذه، تتراوح من تنظيف الرقاقات في عملية تصنيع أنصاف النواقل، إلى تجنب تلويث عينات الأدلة التي تحمل الحمض النووي في علم التحليل الجنائي، وصولاً إلى تعقيم المركبات الفضائية أثناء السفر بين الكواكب لتجنب انتشار أشكال الحياة القائمة على كوكب الأرض إلى العوالم الفضائية البعيدة.

في علم المواد، أصبحت النظافة واحدة من أبرز المسائل مع ظهور المواد ثنائية الأبعاد، التي بسببها أصبح من الضروري إعادة تقييم ما هو “نظيف” ضمن مستويات غير مسبوقة.

هنا يأتي دور فريق من العلماء في جامعة إيرلانج نورنبيرج، حيث تمكن من تطوير طريقة ميكانيكية جديدة لتنظيف السطوح على المستوى النانوي. وباستخدام هذه الطريقة، نجح الباحثون في إزالة أصغر الملوثات وصولاً إلى مستوى الذرة، وحققوا مستوى غير مسبوق من النظافة. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة -التي قادها البروفسور إيردمان سبيكر من قسم علم المواد في الجامعة- في مجلة نيتشر كومينيكيشنز Nature Communications المرموقة.

أصغر مكنسة في العالم

استلهم الباحثون طريقتَهم من الحياة اليومية، وتحديداً من التنظيف باستخدام المكنسة. وبطبيعة الحال، فإن التنظيف على هذا المستوى مستحيل باستخدام مكنسة كاملة، فاكتفى الباحثون بشعرة واحدة على شكل عصية معدنية مستدقة الطرف. يتم ضغط “الشعرة” على السطح، وتُحرك جيئة وذهاباً لمسحه، بشكل يشابه استخدام المكنسة العادية إلى حد يدعو للاستغراب؛ حيث إن المكنسة تقوم بإزالة الجسيمات الحرة مثل الغبار أو فتات الخبز، ولا يختلف الأمر كثيراً على المستوى النانوي. أما الاختلاف الوحيد فهو أنه لا يمكن التحكم في هذه “المكنسة” باليد، بل باستخدام مقبض تحكم يقوم بتسيير محرك كهرضغطي صغير. علاوة على ذلك، تُستخدم مجاهر إلكترونية عالية الاستطاعة لمراقبة عملية التنظيف والتحكم بها في الزمن الحقيقي.

تصور فني عن مقاربة التنظيف:

آلية التنظيف باستخدام مكنسة انتقلت إلى المستوى النانوي.

تصبح المكنسة طرفاً معدنياً مستدقاً يفصل طبقة التلوث الممتزّة (أو المدمصّة) عن طبقة الجرافين التحتية.

يقوم الطرف المستدق بتفكيك الروابط الضعيفة من نوع فان دير فالس القائمة بين المواد الملوثة والطبقة التحتية، بينما تبقى روابط الطبقة الداخلية للجرافين سليمة.

التركيب الداخلي للمجهر الإلكتروني الماسح: يتم استخدام اثنين من أذرع التشغيل الميكروية المستقلة ثلاثية المحاور، حيث كل واحدة مخصصة للتعامل مع جانبي الغشاء المعلق. في المجهر الإلكتروني النافذ، تتواجد ذراع تشغيل وحيدة فقط.

نظراً لقيود الحجم، فإن ذراع التشغيل هذه مجهزة بطرف على شكل هلال للوصول إلى كلا جانبي الأغشية المعلقة.

نموذج عينة وذراع تشغيل داخل حامل المجهر الإلكتروني النافذ (في الأعلى)، وصورة فوتوغرافية لطرف مزدوج مستدق (في الأسفل).

تنظيف أرقّ نافذة في العالم

بتنظيف الجرافين، تمكن الفريق من تطبيق هذه الطريقة على أرق مادة في الوجود، حيث يتكون الجرافين من طبقة واحدة فقط من ذرات الكربون. وقد شكل تنظيف كلا وجهي الجرافين -بشكل مشابه لتنظيف ألواح النوافذ الزجاجية- تحدياً كبيراً للفريق، فقد كان من الضروري النظر عبر المادة بشكل دائم باستخدام المجاهر الإلكترونية، وذلك لكشف البنية الذرية. وعلى الرغم من أن الجرافين يشتهر بتماسكه الميكانيكي، فإنه من المفاجئ للغاية أن تتمكن طبقة واحدة من الذرات من تحمل القوى الميكانيكية لعملية التنظيف دون التعرض لأية أضرار، وهو أمر يصعب تصديقه في الواقع.

الغبار النانوي: لا شيء يبقى نظيفاً إلى الأبد

بعد تنظيف السطوح على المستوى النانوي، أصبح بإمكان الباحثين مؤلفي هذه الدراسة البحث أيضاً في أسباب وآليات عودة التلوث على المستوى النانوي؛ حيث يؤدي ترك عينة نظيفة في الهواء إلى تجمع سريع للغبار على سطحها، وهو أمر مألوف بالنسبة للجميع في المنازل، ولا سبب يدعو لاختلاف الوضع على المستوى النانوي. وبالإضافة إلى التلوث الهوائي، اكتشف الباحثون أيضاً وجود الانتشار السطحي عندما تُوضع عينة نظيفة في بيئة مخلاة من الهواء، وهي ظاهرة غالباً ما تحدث أثناء التجارب العلمية.

التجميع الجزيئي

أخيراً، استخدم الفريق البحثي السطوح النظيفة ذرياً كأساس للتجميع الموجّه لطبقةٍ بسماكة ذرة واحدة مؤلفة من كتل بناء جزيئية. وقد تم تطبيق جزيئات البورفيرين المُصَنّع على السطوح النظيفة وتلحيمها في مكانها باستخدام شعاع إلكتروني عالي الاستطاعة، وبهذا توصل الباحثون إلى بناء طبقة بسماكة ذرة واحدة، بشكل شبيه بالجرافين، ذات بنية نانوية بلورية.

ماذا عن فيروس كورونا؟

من وجهة نظر العلماء، فإن الفيروسات تعتبر عضويات نانوية، حيث تحمل على سطحها أدوات خاصة مصمَّمة لعبور حواجز الخلايا المضيفة. ولكن هل يمكن مواجهتها من خلال تقنية التنظيف النانوية التي تناولناها في هذا المقال؟

بالرغم من أن التقنية الجديدة التي يطرحها البحث تفتح المجال أمام تطوير عمليات تنظيف أوسع نطاقاً، ولكن من الأفضل عدم التسرع في الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الراهن، فالتركيز حالياً منصبّ بنسبة أكبر على تصنيع معدات وألبسة وقائية (كالكمامات المصنوعة من الألياف النانوية)، واختبارات كاشفة وعلاجات أيضاً بالاعتماد على تقنيات النانو، وهي موضوعات بعيدة نوعاً ما عن مسألة التنظيف بحد ذاتها. 

بعض الحسابات

بالمناسبة، لا شك أن فكرة تنظيف المنزل بمكنسة نانوية تبدو مجنونة، ولكن ماذا عن الوقت الذي يتطلبه مثل هذا العمل لو افترضنا أنه ممكن؟ وفقاً للورقة البحثية، فإن رقعة مساحتها 28 ملم مربع (قطرها 3 مليمترات) استغرق تنظيفها نحو 6 دقائق، مع عامل تأخير تسبب فيه التقاط صور للعملية خلال فترات زمنية متساوية، ولنفترض من باب التقريب أن كل رقعة بمساحة 30 ملليمتر مربع تستغرق 6 دقائق لتنظيف الوجهين معاً، فهذا يعني أن أرضية غرفة بمساحة 3 أمتار مربعة (1 متر مربع = مليون ملليمتر مربع) سيحتاج تنظيف وجه واحد منها فقط إلى 300 ألف دقيقة، أي ما يعادل 5,000 ساعة، أي نحو 208 يوماً. أي أن تنظيف غرفة بمساحة 3 متر مربع ستحتاج إلى نحو 7 أشهر من العمل دون توقف. هل ما زلتم متحمسين للفكرة؟ ربما يحتاج الأمر إلى جيش من المكانس النانوية التي تعمل بشكل متزامن!

يمكننا القول في الختام إن العدو غير المرئي بحاجة لمعارك غير مرئية أيضاً، وربما يكون الانتصار في الحلبات النانوية هو الذي سيرسم ملامح مستقبل البشرية.

المرجع الأساسي: http://dx.doi.org/10.1038/s41467-020-15255-3
التنظيف الميكانيكي للجرافين باستخدام المجهر الإلكتروني في موقع العمل.