Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



كيف نوازن بين عودة الحياة لطبيعتها والحد من انتشار الوباء؟ يمكن أن تتيح لنا الاختبارات المُجمعة المدعومة بالتعلم الآلي إعادة فتح الاقتصادات بأمان دون وجود لقاح.

2020-07-25 15:10:22

25 يوليو 2020

من المستحيل احتواء مرض كوفيد-19 دون معرفة الشخص المصاب، وحتى يتوفر لقاح آمن وفعال على نطاق واسع، فإن إيقاف انتقال العدوى سيظل العاملَ الأكثر أهمية. وعلى الرغم من أن القدرة على إجراء الاختبار زادت، إلا أنها لا تزال بعيدة عما نحتاج إليه لفحص المرضى الذين لا تظهر عليهم أعراض، والمسؤولين عن ما يقرب من نصف حالات انتقال العدوى.

يشير البحث الخاص بنا إلى وجود فرصة قوية أمام علم البيانات لمضاعفة قدرة الاختبار الحالي على نحو فعال؛ فإذا دمجنا التعلم الآلي بالاختبارات المُجمعة، يمكننا إجراء اختبارات لأعداد كبيرة من الناس أسبوعياً أو حتى يومياً، بتكلفة منخفضة تتراوح ما بين 3 إلى 5 دولارات للفرد في اليوم.

بعبارة أخرى، يُمكن للحكومات -عن طريق اختبار بسعر فنجان القهوة- أن تُعيد فتح الاقتصاد بشكل آمن، وأن توقف الانتقال المستمر لعدوى كوفيد-19، وكل هذا دون بناء مختبرات جديدة، ودون عقاقير أو لقاحات جديدة.

يخضع معظم الناس لاختبار فيروس كورونا إذا عانوا من أعراض أو كانوا على اتصال وثيق بشخص مصاب، ولكن مع الضغوط التي تتعرض لها المكاتب والمدارس لإعادة فتح أبوابها، سيتعين على المؤسسات التعامل مع حقيقة مزعجة، وهي أن الاعتماد على ظهور الأعراض لإجراء الاختبار سيُغفل الحالات عديمة الأعراض وتلك التي لم تظهر عليها الأعراض بعد، وسيُعرِّض الجميع للخطر.

ومع ذلك فإن البدائل الحالية ليست جذابة، فالاختبارات غير المنتظمة (يبدو أن العديد من المقترحات تدعو لإجرائها بشكل شهري) والفحوص العشوائية تسمح للحالات النشطة بنشر الفيروس لعدة لأسابيع قبل اكتشافه. كما أن سعرها لا يزال مرتفعاً؛ إذ يتراوح ما بين 100 إلى 200 دولار أو أكثر لكل اختبار.

يُمكن للاختبارات المُجمعة، الموجهة بواسطة خوارزميات التعلم الآلي، أن تُغير هذه الحسابات جذرياً؛ ففي الاختبار المُجمع، تُدمج العينات المأخوذة من العديد من الأشخاص في عينة واحدة. وإذا لم يتم اكتشاف وجود أي فيروس في العينة المدمجة، فسيعني ذلك عدمَ وجود مصابين في هذه المجموعة. ويمكن إجراء مسح للمجموعة برمَّتها باختبار واحد فقط.

إلا أن ثمة مشكلة: إذا كان أي شخص في المجموعة مصاباً، فستكون نتيجة الاختبار إيجابية وسيتطلب الأمرُ إجراءَ المزيد من الاختبارات لاكتشاف الشخص المصاب.

لذا، فإن جزءاً رئيسياً من معرفة كيفية التجميع هو معرفة احتمالات أن يكون بعض الأشخاص في المجموعة مصابين، وفصلهم عن البقية. ولكن كيف لنا أن نعرف بوجود هذا الخطر؟ هنا يأتي دور التعلم الآلي.

يتطور خطر الإصابة بالعدوى بسرعة في الولايات المتحدة، وقد انعكست الاحتمالات النسبية في نيويورك وفلوريدا في غضون أسابيع. كما أن معدل الخطر يختلف أيضاً اختلافاً كبيراً بين الناس، وهو ما يظهر عندما نقارن بين أخصائي رعاية صحية وموظف يعمل عن بُعد. ويُعد تقدير هذا الخطر الذي يتعرض له كل شخص مهمة مثالية للتعلم الآلي.

وباستخدام البيانات المتاحة للاطلاع العام التي جُمعت من أرباب العمل والمدارس، والبيانات الوبائية الخاصة بمعدلات الإصابة والاختبارات المحلية، والبيانات الأكثر تعقيداً سواء تلك الخاصة بأنماط السفر أو الصلات الاجتماعية أو مياه الصرف الصحي (pdf) في حال توافرها، يُمكن لمصممي النماذج التنبؤ بخطر إصابة أي شخص بكوفيد-19 على أساس يومي، الأمر الذي يسمح باتباع نُهُج تجميع عالية المرونة، ما يؤدي إلى تحقيق مكاسب هائلة من حيث الكفاءة.

غير أن هناك ميزة أخرى: فالاختبار المُجمع يصبح أكثر كفاءة عندما ينخفض معدل انتشار المرض. وإذا أُجري الاختبار لعدد من الناس -لنقل مثلاً: جميع طلاب الجامعة- يومياً، فإن خطر الإصابة بالعدوى سينخفض بشكل كبير بالنسبة لكل فرد في المجموعة، وذلك ببساطة لأن القائمين على إجراء الاختبارات يستبعدون أولئك الذين جاءت نتائجهم إيجابية اليوم من المجموعة التي ستُجري الاختبار غداً. وهذا يعني أن مجموعة الغد يمكن أن تكون أكثر عدداً، وهو ما يقلل من عدد الاختبارات اللازمة وبالتالي يقلل تكلفة إجراء الاختبار للجمهور. ومع تكرار الاختبارات، يُمكن للأشخاص المصابين الذين لا تظهر عليهم أعراض البقاءَ في منازلهم، الأمر الذي سيحدّ من انتشار المرض بشكل أكبر ويجعل الاختبارات المُجمعة أكثر كفاءة.

لذلك فإن تكلفة إجراء الاختبارات المُجمعة كثيرة التكرار، المدعومة بالتعلم الآلي، أقل بكثير مما قد يتصور المرء. ووفقاً لتحليلنا، فإن إجراء الاختبار بشكل يومي لا يُكلف سوى ضعف تكلفة إجرائه شهرياً. ويُمكن للاختبارات اليومية أن تكبح انتشار الفيروس بفعالية، في حين أن الاختبارات الشهرية لا تسمح لنا سوى بمعرفة إلى أي مدى ساءت الأمور.

وفي الواقع، يُمكن أن يكون هذا التأثير قوياً للغاية، لدرجة أن تزايد التواتر يُمكن أن يؤدي في بعض الظروف –مثل مصانع تعليب اللحوم أو دور رعاية المسنين- إلى تقليل عدد الاختبارات اللازمة، وبالتالي خفض تكلفة إجراء الاختبارات للجمهور خلال فترة زمنية معينة. نعم أنت تقرأ ذلك بشكل صحيح: إجراء الاختبار يُمكن في الكثير من الأحيان أن يكون أقل تكلفة بالنسبة لنظام الرعاية الصحية.

إن الركن الأخير من أركان الوقاية عن طريق الاختبارات يتطلب حساب انتشار الفيروس بين الناس، وبالتالي حساب المخاطر المرتبطة به. وكان استخدام التعلم الآلي لوضع نماذج للشبكات الاجتماعية محلَّ تركيز متزايد بين الباحثين في علوم الكمبيوتر والاقتصاد وغيرها من المجالات. وتتيح تلك الخوارزميات -جنباً إلى جنب مع البيانات الخاصة بالوظائف والفصول الدراسية والمساكن الجامعية والعديد من السياقات الأخرى- لأدوات التعلم الآلي تقديرَ احتمالات التفاعل بين الأشخاص المختلفين. ومعرفة هذا الاحتمال يُمكن أن يجعل الاختبار الجماعي أكثر قوة.

هل الاختبار المُجمع كثير التكرار قابل للتنفيذ في العالم الحقيقي؟ على الرغم من أننا لا نريد تقليل التحديات اللوجستية، إلا أنها تظل مجرد تحديات، وليست طرقاً مسدودة. وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية للتو على البدء باستخدام الاختبارات المُجمعة، كما تظهر الأبحاث بشكل متزايد أن هذه التقنية دقيقة بما يكفي لاكتشاف الحالات المصابة. لذا، طالما أن المختبرات مستعدة، يمكن للقائمين على إجراء الاختبارات بدءَ التجميع اليوم.

وعلى الرغم من أن البعض شكك في جدوى التجميع نظراً لحجم التفشي الحالي، إلا أن هذا الأمر لا يمثل تحدياً سوى لأننا نعتمد عادةً على تقديرات رديئة -وكما نوضح في الورقة البحثية الخاصة بنا، فإنها قد تكون تقديرات غير دقيقة أيضاً- لانتشار الفيروس بين عدد كبير من الناس. وعوضاً من ذلك، يُمكن أن يمنحنا التعلم الآلي التقديرات الدقيقة على المستوى الفردي، التي نحتاج إليها لإجراء أعمال التجميع حتى في حالات ارتفاع انتشار العدوى، من خلال تحديد أولئك الذين من المرجح أن تكون نتيجة اختباراتهم إيجابية وإبقائهم خارج المجموعات الكبيرة.

كما أن التكرار يُحقّق مردوداً كبيراً عندما يكون معدلُ انتشار الفيروس مرتفعاً، فقبل إجراء الاختبار المُجمع -لنقل مثلاً في مصنع أو مدرسة- بإمكان جميع الأشخاص إنجاز الفحص لمرة واحدة. وبينما سيبقى الأشخاص المصابون في منازلهم حتى يتعافوا، ستُبقي الاختبارات المُجمعة كثيرةُ التكرار معدلَ الانتشار منخفضاً؛ عن طريق اكتشاف الإصابة بالعدوى في وقت مبكر.

يتعين كذلك معالجة التحديات اللوجستية الخاصة بسحب العينات وتجميعها في سياقات مختلفة. وقد شجعتنا الأدلة المتزايدة على جدوى الاختبارات -التي وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على بعضها- التي تسمح للناس بسحب عينات الاختبار الخاصة بهم وإرسالها. وتعتمد إحداها على عينات اللعاب، ما يعني أنه يُمكن إبقاء تكاليف سحب العينات منخفضة حتى على نطاق واسع.

لقد حان الوقت لكي تصبح الاختبارات كثيرة التكرار جزءاً أساسياً من إستراتيجية الدول -مثل الولايات المتحدة- لمكافحة كوفيد-19 وإعادة فتح الاقتصاد. إن الاختبار المُجمع الذي يستغل قوة التعلُم الآلي لا يجعل عملية دفع التكاليف المرتبطة به أمراً عملياً فحسب، وإنما يجعلها أيضاً صفقة هائلة عندما يتم مقارنتها بالبديل الآخر المتمثل في عمليات الإغلاق طويلة الأمد.


شارك