X
Article image
ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لكلاودفلير.
Article image

ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لكلاودفلير.

قضايا منوعة حب

قامت كلاودفلير بطرد موقع إيت تشان، فغيرت بذلك من التوقعات إزاء الالتزامات الأخلاقية للشركات التكنولوجية.

بعد ثماني ساعات فقط، تمكن موقع إيت تشان 8chan -وهو منتدى مجهول المصدر ومليء بالكراهية، ومرتبط بثلاث مجازر بالأسلحة النارية، بما فيها المجزرة التي وقعت مؤخراً في تكساس– من العودة إلى العمل، وذلك بعد أن قامت شركة كلاودفلير التي تزوده بالحماية برفعها عنه في ليلة 4 أغسطس. وأثناء كتابة هذه الكلمات، كان الموقع معطلاً، بعد أن قُطعت الخدمة عن شركته المستضيفة الجديدة -إيبيك Epik- ولكن ليس لدى الكثيرين شكوكٌ في أن الموقع سيعود إلى الظهور في نهاية المطاف.

وهنا يمكن أن نتساءل: هل يُعتبر إجراء “الطرد الإلكتروني” الذي تتخذه شركات مثل كلاودفلير غير مفيد في الحرب ضد خطاب الكراهية على الإنترنت؟ الجواب: كلا؛ حيث تشير الأبحاث إلى أن الطرد الإلكتروني يتسبب في أذى فعليٍّ للتجمعات على الإنترنت، حتى لو عادت للظهور لاحقاً. كما أن قرار كلاودفلير -وهي من أهم الشركات في سوق حماية مواقع الويب- أدى إلى تغيير التوقعات إزاء الالتزامات الأخلاقية للشركات التكنولوجية.

بعد أن قامت مجموعة من الشركات التكنولوجية بطرد أليكس جونز مؤسس إنفو وورز من منصاتها، تزايد الاهتمام به بشكل حاد في البداية، ولكنه أصبح بعد سنة بحكم المختفي. وقد وجدت دراسة من 2017 أن قرار موقع ريديت بحظر المجموعات التي تعلن كراهيتها لفئات محددة من الناس، مثل “r/fatpeoplehate” و”r/CoonTown”، أدى إلى تراجع خطاب الكراهية على الموقع، وذلك كما يقول أحد المؤلفين المشاركين في الدراسة إيشوار تشاندراسيكاران، وهو مرشح لدراسة الدكتوراه في معهد جورجيا للتكنولوجيا. أما السبب، فهو أن المستخدمين شديدي الإخلاص لمجموعة أو شخصية ما سيتبعونها إلى أي مكان جديد، في حين أن الأفراد الأقل حماساً سيتخلون عن الأمر برمته.

وبشكل مشابه، كان موقع النازيين الجدد ديلي ستورمر نقطة تنظيم مركزية لليمين المتطرف، ولكن بعد أن طردته شركة استضافة الويب جودادي منذ سنتين، ضعف تأثيره ضمن الحركة إلى حد كبير، حسبما تقول بيكا لويس، وهي باحثة تدرس الثقافات السياسية الفرعية على الإنترنت، وتضيف: “إذا بقي إيت تشان معطلاً، فهذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن التنظيم على الإنترنت في حركة اليمين المتطرف تعرض لضربة كبيرة”.

أما منتقدو الطرد الإلكتروني فيقولون إن هذا قد يقود إلى الانزلاق نحو تشديد الرقابة. وقد قالت كلاودفلير في البداية إنها لن تحظر إيت تشان لأنها “خدمة إنترنت حيادية إلى حد بعيد“. وكما أشار الناقد التكنولوجي زينيب توفيكي، فإن غياب العملية القانونية التي تضمن الحقوق يتيح للشركات فعل أي شيء، مثل طرد السياسيين الذين يدعون إلى إغلاق ثغرات قوانين الضرائب التي تستغلها الشركات الكبيرة. هذه المشاكل عميقة وفائقة التعقيد، ويقترح توفيكي وجوب التعاون بين المشرعين والمنصات والمستخدمين لبناء نظام واضح يضمن حق المستخدمين بالاعتراض على حظر المنصات لهم.

لن يظهر هذا النظام قبل وقت طويل على الأرجح، وفي هذه الأثناء، سيواصل مرتكبو المجازر نشر بياناتهم. ولهذا فإن تارلتون جيليسبي، وهو باحث أساسي في قسم الأبحاث في مايكروسوفت ومؤلف كتاب Custodians of the Internet  (حراس الإنترنت)، يرى أن قرار كلاودفلير بحد ذاته أشبه بعملية قانونية، حيث يقول: “لو طردت كلاودفلير موقع إيت تشان لأنه يضم مجموعة من المحافظين العبوسين أو المتحررين الراديكاليين، لرأينا كثيراً من المواقع تستنكر هذه الفعلة، وتدعو إيت تشان للانضمام إليها”. غير أنه يوجد إجماع شبه كامل على أن إيت تشان تجاوز كل الخطوط الحمراء بشكل لا يقبل الشك، وهو ما سيساعد على تأسيس معيار جديد لما هو متوقع من شركة مثل كلاودفلير.

قد يعني هذا أننا نشهد نقلة مماثلة لما رأيناه في منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك؛ فقد مرت فترة كانت هذه المنصات تصر فيها على أنها منصات حيادية ولا يمكن أن تتحمل مسؤولية مراقبة خطاب الكراهية بأي شكل كان. غير أن هذا الزمن مضى إلى غير رجعة، حيث تُوظف فيسبوك الآن 30,000 مراقب محتوى. ولكن حتى الآن، كان هناك اتفاقٌ ضمني على أن شركات الاستضافة مثل كلاودفلير -التي لا تنشر أي محتوى بنفسها- يمكن أن تبقى حيادية، غير أن هذا لم يعد صحيحاً بعد الآن.

لا يقول جيليسبي بأن الرأي العام يجب أن يحل محل القواعد الفعلية، وهناك بطبيعة الحال الكثير من التعقيدات الأخرى، ولكنه يقصد أنه قد يكون من الضروري أن نعتمد على النقاشات العامة الخرقاء التي تتطور إلى توقعات جديدة حول أنواع الخطاب التي لا يمكن تحملها، والإجراءات التي يجب أن تتخذها الشركات. ومن الجدير بالملاحظة أن الحذر ضروري للغاية في هذه المسألة، فقد أظهر بحثٌ من مؤسسة داتا أند سوسايتي أن بعض أنواع التبليغات يمكن أن تدعم رغبات اليمين المتطرف وتساهم في تحقيقها.

ولا تمثل التكنولوجيا بطبيعة الحال سوى جزء صغير من مشكلة المجازر بالأسلحة النارية< حيث إن تساهل قوانين الأسلحة ونقص الإرادة السياسية لتغييرها في الولايات المتحدة مشكلة أكبر بكثير. وعلى كل حال، فقد أدى قرار كلاودفلير إلى تغيير حسابات نوع جديد من الشركات التكنولوجية، فشركة الاستضافة أو الحماية التي تواصل خدمة موقع مثل إيت تشان ستُعتبر ذات اتجاه سياسي واضح، لأن الحياد لم يعد حياداً بعد الآن.

المزيد من المقالات حول قضايا منوعة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!