Article image




بعد عقود من الوعود، بدأت المركبات الجوية الشخصية تقترب أخيراً من الواقع التجاري. لكن امتلاكك لواحدة منها لا يزال أمراً مستبعداً نوعاً ما.

قبل أسبوعين، كنت لأقول إن السيارات الطائرة لم تبرح عالم الخيال التقني بعد، كما هو حالها منذ عقود. أما الآن، فلم أعد متأكداً تماماً من ذلك.

خلال السنوات القليلة المقبلة، من المفترض أن تظهر في الأسواق نحو 20 مركبة جوية (انظر الجدول أدناه). بعضها شبيه بالطائرات المسيرة، والتي تمتلك ما يتراوح من 4 إلى 18 مروحة تبقيها مرتفعة في الجو. معظمها من الطائرات ثابتة الجناحين والمزودة بمراوح داسرة تتجه نحو الأعلى من أجل الإقلاع والهبوط العموديين (أو اختصاراً: فيتول VTOL)، وتميل نحو الأمام من أجل التحليق.

من جهتها زعمت أوبر أنها ستبدأ بإجراء الاختبارات التجريبية في العام المقبل لتقديم خدمة بين فريسكو وتكساس ومطار دالاس-فورت وورث، وأنها تخطط لافتتاح الرحلات الجوية التجارية في العام 2023؛ هذا وتمتلك أوبر 5 شركاء من مصنّعي السيارات الطائرة.

ولكن، هل ستكون هذه المركبات الطائرة آمنة، ناهيك عن تحمل تكاليفها لغير الأثرياء؟

في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي أقيم في دافوس في يناير الماضي، أدرت ندوة نقاشية بين عدد من الخبراء الذين قدموا حججاً مقنعة بأن أمان المركبات الطائرة مسألة يمكن تحقيقها، على الرغم – لكي نكون منصفين – من أن معظم المتحدثين كان لديهم مصلحة في تقديم مثل هذه الحجج.

شملت قائمة المتحدثين كل من ديريك كارستين هوك، المدير التنفيذي لشركة إيرباص؛ روس بيروت جونيور، أحد كبار رجال الأعمال في مجال العقارات في تكساس والذي يساعد أوبر في بدء تشغيل خدمة للسيارات الأجرة الطائرة في دالاس؛ ليو فانج، المدير العام لمنظمة الطيران المدني الدولي؛ وأيون ياديرجار أوغلو، الشريك الإداري في شركة كابريكورن إنفيستمينتس، والذي يملك أسهماً في شركة جوبي أفييشن. وقد كانت الندوة النقاشية خاضعة لقاعدة تشاتام هاوس، ما يعني أنه لا يسمح لأي مشارك فيها أن ينقل المعلومات على شكل تصريحات تحدد هوية من قالها، ولكن ما ذكرته يمثل خلاصة الندوة.

لماذا سنشهد إطلاق العديد من السيارات الطائرة في السنوات القليلة المقبلة؟

يعود الفضل في ذلك إلى توفر المواد المركبة الأخف وزناً، وتحسن أنظمة الاتصالات والتوجيه، وتطوير البرمجيات القادرة على تمكين المركبات من التحليق بنفسها (من المرجح أن تكون أساسية إذا حلق الكثير منها في الجو)؛ فكل مما سبق لعب دوراً في ذلك.

وقبل كل شيء، فقد اقتربت تكنولوجيا البطاريات كثيراً من جعل الطيران بالطاقة الكهربائية أمراً ممكناً. مازلنا بعيدين بعض الشيء عن توفير كثافة الطاقة اللازمة لرحلات الطيران أياً كانت مدتها، إلا أن القيام بالرحلات القصيرة ليس مستبعداً.

ولكن مهلاً، هل هذه سيارات طائرة بكل معنى الكلمة؟

ليس تماماً. البعض منها – مثل أيروموبيل وتيرافوجيا ترانزيشن – هي سيارات يمكنك قيادتها على الطرق السريعة، ولكن معظمها أكثر شبهاً بالسيارات الشخصية الطائرة.

هل هي مروحيات إذن؟

كلا، فمعظمها يمتلك أجنحة تولد قوة رفع مثل الطائرات العادية. وعددٌ قليل منها يمتلك دوّارات متعددة مثل الطائرات بدون طيار. هذا يعني أنها في كلا الحالتين – على الأقل نظرياً – أكثر أماناً من المروحيات (انظر أدناه).

متى يمكنني شراء سيارة طائرة؟

عذراً، ربما لن تتمكن من ذلك. ففي الوقت الحالي على الأقل، عليك أن تكون طياراً معتمداً (أو توظف طياراً معتمداً لديك) للتحليق بها، إلى جانب مشكلة أخرى: أين ستركنها؟ ستكون في الغالب مملوكة لصالح إحدى الشركات، مثل شركات تقاسم ركوب السيارات وسيتم تشغيلها على مسارات ثابتة.

هل ستكون السيارات الطائرة ذاتية التحكم؟

ستكون كذلك في نهاية المطاف، فالطيارون من البشر باهظو الكلفة، وقد لا يكون استخدامهم خياراً آمناً يُعوّل عليه عندما تكون السماء شديدة الازدحام. يمثل الطيران ذاتي التحكم مشكلة تقنية أقل صعوبة من مشكلة القيادة ذاتية التحكم على الأرض، فالعوائق في السماء تبقى قليلة ويمكن رصدها بواسطة رادار بسيط، في حين تحتاج السيارة ذاتية القيادة إلى أجهزة استشعار متعددة وخوارزميات مدربة على مستوى عالٍ للتعرف على الأشخاص، والمركبات الأخرى، وإشارات المرور، والمسارات، وهلم جرا.

يمكن لنظام مؤتمت لإدارة حركة الملاحة الجوية يتوفر لديه اتصال مستمر مع جميع السيارات الطائرة أن يوجهها لتجنب الاصطدام، مع وجود     مشغلين من البشر على الأرض مستعدين لتولي التحكم عن بعد في حالات الطوارئ. ومع ذلك فإن القوانين الحالية والمخاوف التي تساور عامة الناس تشير إلى أنه سيكون لزاماً على الأرجح وجود طيارين لفترة من الوقت على الأقل، حتى لو كان مجرد إجراء احتياطي لنظام يعمل بالتحكم الذاتي.

ما هي الأماكن التي ستطير فيها السيارات الطائرة؟

في الأماكن التي يكون فيها حجم الطلب مرتفعاً، وحركة المرور على الطرق سيئة، وذلك داخل المدن الكبيرة، أو على الطرق التي تصل مراكز المدن بالمطارات. من المرجح للتنقل في المناطق الريفية وبين المدن ألا يكون مجدياً من الناحية الاقتصادية.

أين يمكنك أن تستقل واحدة منها؟

في “مواقف الطيران العمودي vertistops” و “منصات الطيران العمودي vertiports” المتوضعة على أسطح المباني، والتي ستعود على ملّاك هذه المباني ببعض الإيرادات الإضافية (وقد يكون هناك أيضاً أجهزة للشحن أو محطات لاستبدال البطاريات). هكذا سنتعامل مع مشكلة توفير المساحات في المدن المزدحمة.

ألن يكلف ركوبها مبالغ خيالية؟

نذكّر مرة أخرى أن معظم هذه المركبات ليست طائرات مروحية وإنما طائرات مجنحة، وبالتالي فإن طاقة المراوح الداسرة يتم تكريسها بالكامل لدفعها إلى الأمام بعد الإقلاع، وليس لإبقائها مرتفعة في الجو. فمقدار الطاقة التي تستهلكها مركبة فيتول كهربائية في الكيلومتر الواحد يمكن مقارنتها نظرياً بالمقدار الذي تستهلكه سيارة كهربائية.

لا بد للإنتاج بكميات كبيرة في نهاية المطاف أن يخفض من أسعار المركبات نفسها، فمشكلة التكلفة الحقيقية قد تكمن في الطيارين (خلال الفترة التي سنظل نحتفظ بهم على الأقل).

ومع ذلك، توقع ضيوف ندوتنا أن القيام برحلة مسافة بضعة كيلومترات قد تكلف الركاب ما لا يقل عن 40 أو 50 دولاراً، أي أكثر قليلاً من سيارة أجرة أرضية، إلا أنك في مدينة مزدحمة سوف تصل إلى وجهتك بسرعة أكبر بكثير.

في ورقة بيضاء عام 2016، كان لدى أوبر بعض التوقعات المتفائلة (اقرأ الصفحتين 1 و95 في هذا الملف) التي تُبين أنه بالنسبة لبعض الطرق على الأقل، سيكون أرخص بكثير، كما أنه سيكون أسرع في مرات عديدة، أن تستقل سيارة طائرة بدلاً من سيارة مدولبة.

هل من الآمن وجود المئات من السيارات الطائرة التي تئزّ فوق مراكز التجمع الحضري المزدحمة؟

لجعل الإقلاع العمودي ممكناً، تحتاج هذه المركبات إلى محركات متعددة يمكنها أن تنتج طاقة أكبر بكثير مما يحتاجه التحليق بسرعة ثابتة. هذا يعني أنه في حال تعطل واحد أو اثنين من هذه المحركات، فإن المركبة تبقى قادرة على التحليق أو الانزلاق إلى بر الأمان.

من المرجح لأنظمة إدارة حركة الملاحة الجوية الجديدة أن تعتمد بشكل أكبر في المستقبل على الخوارزميات أكثر من البشر لإدارة التوجيه، وهو سبب آخر يبرر لماذا من الأفضل للطائرات أن تحلق بمفردها.

حسناً، ولكن ماذا لو تمكن أحد الإرهابيين من الاستيلاء على إحدى سيارات الأجرة الطائرة وجعلها تصطدم بأحد المباني؟

كما هو الحال في الطائرات، يمكنك فصل مقصورة الطيار عن مقصورة الركاب لجعل عملية الاختطاف أكثر صعوبة. إذا فشل ذلك، ربما يكون هناك نظام يسمح لمسؤولي التحكم الأرضي أن يتولوا أمر التحكم عن بعد، وإيقاف الطيار الآلي، إذا ما انحرفت الطائرة عن مسارها المخطط له.

على أية حال، فإن إحدى هذه الطائرات الصغيرة من المرجح أنها غير قادرة على إحداث ما يكفي من الأضرار لجعلها هدفاً مغرياً بالنسبة للإرهابيين.

وماذا عن إمكانية استيلاء القراصنة على التحكم بها؟

يمثل هذا تهديداً أكثر مصداقية، فاتخاذ تدابير جيدة من الأمن السيبراني سيكون أمراً في غاية الضرورة.

ألن تصدر السيارات الطائرة ضجيجاً صاخباً؟

نذكر مرة أخرى أنها ليست طائرات مروحية، لذا فليس لديها شفرات ضخمة لتحدث اضطراباً في الهواء. كما أن المحركات ستكون كهربائية.

هناك دول تكاد تفقد صوابها وهي تحاول تنظيم عمل الطائرات المسيرة؛ فكيف لها أن تنظم عمل السيارات الطائرة؟

هذه مشاكل مختلفة تماماً. بما أن الطائرات المسيرة رخيصة الثمن ويمكن لأي شخص شراء واحدة منها، يتوجب على المنظمين أن يمنعوا الناس من ارتكاب أعمال خبيثة أو     غبية بها.

أما مركبات فيتول وطياروها من الناحية الأخرى، فيمكن الاعتماد عليها من أجل السلامة بشكل مشابه جداً للطائرات العادية، لذا فإن القوانين الناظمة الحالية قد لا تحتاج إلى الكثير من التعديل. سيكون السؤال الأكبر هو ما إذا كانت المدن كل على حدة ستقرر السماح لها بالعبور في مجالها الجوي.

كم سننتظر من الوقت قبل أن تصبح سيارات الأجرة الطائرة من المشاهد الشائعة في المدن الكبرى؟

تراوحت التقديرات خلال الندوة النقاشية بين “عامين إلى 5 أعوام (مع ترجيح أكبر للرقم 5)” إلى “10 أعوام”.

هل هذا معقول؟ بافتراض حدوث طفرة كبيرة في سعة البطارية، فمن المرجح أن تكون المشكلة الأكبر هي الجانب المتعلق بالقوانين الناظمة. إذا تم ترخيص السيارات الطائرة والتحليق بها بموجب القواعد نفسها المطبقة على الطائرات الأخرى، فقد تبدأ بالظهور في بضعة أماكن في وقت قريب، إلا أن إدارة عدد كبير منها سوف يتطلب مقاربة جديدة تماماً لإدارة حركة المرور الجوية.

سيتحول هذا الأمر إلى صراع حقيقي، وذلك وفقاً لتحذير صدر العام الماضي عن ندوة نقاشية أقل تفاؤلاً إلى حد ما جمعت عدداً من الخبراء.


شارك