يعاني نظام البلوك تشين من عدد كبير من المشاكل التكنولوجية الكبيرة التي يجب حلها. ولكن أولاً، يجب على مناصريه وداعميه أن يتعلموا كيف يحكمون أنفسهم بأنفسهم.

Article image
الحاضرون في ملتقى ديفكون الرابع -الملتقى السنوي الذي تنظمه منصة إيثيريوم- في براغ
مصدر الصورة: ماثيو مونتيث

في أواخر أكتوبر 2018، كان الطقس يتغير خارج مركز الكونجرس الضخم في براغ، وكان عالم العملات المشفرة يتغير أيضاً بطريقة مماثلة كما كان حاله في أغلب أوقات تلك السنة. وعلى الرغم من أن التوقعات المتعلقة بأنظمة البلوك تشين كانت تلامس السماء في 2017، فقد سقطت بسرعة مع سقوط أسعار عملاتها في 2018. ولكن في داخل المركز، كان المزاج مختلفاً تماماً، فلم يكن هناك أية مسحة من السلبية في ديفكون، “اللقاء العائلي” السنوي الذي تعقده منظمة إيثيريوم، والذي كان في ذروته في تلك الأثناء. في الواقع، فقد كان المزاج على النقيض من ذلك تماماً، حيث تخلله الكثير من العناق، والملابس ذات الرسومات الكرتونية، وشعور مشترك بالحماس إزاء المستقبل. لم يكن هذا الجمهور يبدي أدنى اكتراث لما كان يحصل في الخارج، فقد كان موضوع اللقاء يتعدى مسألة أموال سحرية على الإنترنت.

أصبحت إيثيريوم العملة الرقمية الأكثر شهرة بعد بيتكوين، وثالث أكبر العملات الرقمية قيمة. ولكنها، وعلى عكس العملات الأخرى، تهدف للعب دور منصة حاسوبية عامة الأغراض، يمكن استخدامها لبناء أشكال جديدة تماماً من التنظيم الاجتماعي، أو على الأقل هذا ما يعتقده مناصروها. وقد كان الموضوع الأساسي في ديفكون هو “إيثيريوم 2.0″، أي التحديث الجذري الذي سيسمح للشبكة بتحقيق إمكاناتها الحقيقية أخيراً.

غير أن الحقيقة التي لا يمكن التهرب منها هي أن كل هذه الإيجابية في براغ تخبئ تحتها أسئلة مخيفة حول مستقبل إيثيريوم. حيث أن الفريق المشرف على برمجياتها، والمؤلف من حفنة من المثاليين من الباحثين والمطورين والمدراء، بدأ يتعرض لضغوط متزايدة للتغلب على المسائل التكنولوجية التي تحد من نمو الشبكة. وفي نفس الوقت، فقد ظهر منافسون يتمتعون بتمويل جيد، ويزعمون أن أنظمة البلوك تشين الخاصة بهم تتمتع بأداء أفضل. وبسبب تشديد الإجراءات من قبل الجهات المختصة، والإدراك الواسع لعدم جاهزية أغلب تطبيقات البلوك تشين للعمل بشكل فعلي، فقد سارع الكثير من مستثمري العملات الرقمية إلى النجاة بأموالهم، ما أدى إلى انخفاض القيمة السوقية للإيثيريوم بالدولار بنسبة تجاوزت 90% منذ أن وصلت إلى ذروتها في يناير 2018.

أما سبب كل هذه الإيجابية في ديفكون، على الرغم من هذه الأجواء المكفهرة –طقسياً واقتصادياً- فهي أن هؤلاء المجتمعين في المبنى كانوا يفكرون بشيء أكبر، قد يؤدي في الواقع إلى تغيير العالم. ولكن لتحقيق هذا الهدف، يجب على هذه العصابة الغريبة أن تتوصل إلى حل مشكلة لا تقل أهمية أو صعوبة عن جميع التحديات التكنولوجية التي تواجهها: كيف تطبق الحوكمة على نفسها. يجب أن يجد هؤلاء طريقة لتنظيم شبكة مبعثرة على مستوى العالم من المساهمين وأصحاب المصالح، بدون التضحية بمبدأ اللامركزية، وهو المبدأ الذي تطمح إلى تحقيقه أية مجموعة تعمل في مجال العملات المشفرة، أي ألا تنحصر السيطرة بمجموعة واحدة.

المنصة في ملتقى ديفكون

ولكن هل من الممكن تحقيق هذا؟ لقد عانت الكثير من مجموعات البلوك تشين، بما فيها بيتكوين، من الصراعات الداخلية وتوقف النشاط بسبب تحديثات برمجية كبيرة من النوع الذي تخطط إيثيريوم لتطبيقه. ولم تعد مسألة تحقيق إيثيريوم 2.0 هامة فقط لمضاربي العملات الرقمية وعشاق البلوك تشين، فقد تؤثر على طريقة إدارة المجتمع نفسه.

أثر القطط المشفرة

حتى نفهم كل الضجيج المحيط بإيثيريوم، يجب أن نفهم الضجيج المحيط بالبلوك تشين بشكل عام، وما يميز إيثيريوم عن غيرها (يمكنك أن تتخطى المقاطع الأربعة التالية إن كنت تعرف مسبقاً).

نعرّف البلوك تشين على أنها قاعدة بيانات مشتركة، يتم تخزين عدة نسخ منها في عدة حواسيب حول العالم، وتعرف هذه الحواسيب باسم “العقد”، ويمكن لأي حاسوب متصل بالإنترنت أن يصبح عقدة في شبكة بلوك تشين عن طريق تنصيب وتشغيل مجموعة من البرمجيات الخاصة. أما ما يميز البلوك تشين عن قاعدة البيانات العادية، فهو أن الاستخدام المبتكر للتشفير يلغي الحاجة إلى سلطة مركزية لإدارتها، مثل بنك أو حكومة. حيث تقوم العقد بتشغيل البرامج، وتعمل بشكل مشترك على التأكد من أن كل تعامل مالي يحقق مجموعة معينة من القواعد، قبل إضافته إلى البلوك تشين.

تسمى هذه العملية بالتنقيب، وتتطلب الكثير من عمليات الحوسبة. وهو ما يصعب إلى حد كبير من التلاعب بسجل التعاملات في البلوك تشين، لأن هذا يعتمد بشكل عام على التحكم بنسبة كبيرة من قدرة التنقيب في الشبكة، وهو ما يتطلب تخصيص موارد ضخمة، ولهذا تتصف البلوك تشين المثالية باللامركزية، أي أنها تحوي عدداً كبيراً من المستخدمين، بحيث لا تتحكم جهة واحدة بالشبكة.

كان بيتكون أول تطبيق بلوك تشين، وهو نظام دفعات يعمل من نظير إلى نظير. غير أن إيثيريوم قررت أن تتخذ خطوة إضافية طموحة، فبدلاً من الاقتصار على معالجة وتخزين التعاملات بالعملة، من المفترض أيضاً أن تلعب العقد بشكل مشترك دور “حاسوب عالمي” يمكن -عن طريق لغات برمجة خاصة- استخدامه لبناء تطبيقات تشبه التطبيقات في هواتفنا من حيث المنظر وطريقة العمل، ولكنها لا تخضع إلى سيطرة أي شخص.

قد تتضمن هذه التطبيقات اللامركزية “داب dapps” أشياء مثل أنظمة للاقتراع، وأسواق التداولات، أو حتى شبكات اجتماعية (تخيل شبكة مشابهة لتويتر أو فيسبوك ولكنها ليست ملكاً لأحد). وبما أن هذه التطبيقات لامركزية، فسوف تكون من الناحية النظرية منيعة ضد محاولات التلاعب أو الإغلاق. وبالنسبة لأشد مناصري إيثيريوم، فهي تحمل إمكانية بناء مجتمع ديمقراطي من نوع جديد تماماً، حيث يصبح من الصعب للغاية تركيز الثروة والنفوذ، وإخفاء الفساد، وممارسة التأثير في الخفاء.

منذ سنة تقريباً –وهي فترة طويلة للغاية في عالم العملات المشفرة- كان المستثمرون يصبون مليارات الدولارات في مشاريع واعدة لبناء التطبيقات اللامركزية. وكانوا يستثمرون في العروض الأولية للعملات المشفرة، حيث يقوم مؤسسو شركة البلوك تشين بجمع الأموال بأسلوب التمويل الجماهيري عن طريق بيع العملات الرقمية. وكانت أسعار العملات مرتفعة للغاية، بما فيها الإيثر، عملة إيثيريوم المشفرة الخاصة. واعتقد الكثير من مشجعي هذا الاتجاه بأن البلوك تشين والعملات المشفرة ستحل سريعاً محل المؤسسات المالية التقليدية، وتزيح شركات الإنترنت الاحتكارية عن عرشها، وتؤدي إلى إضفاء اللامركزية على الويب.

ومن ثم أتت القطط المشفرة.

القطط المشفرة

من سخرية القدر أن لعبة طفولية أدت إلى القضاء على هذا الجو الإيجابي. فقد تم إطلاق القطط المشفرة في أواخر 2017، وهي قطط كرتونية ملونة، أشبه بنسخ رقمية من دمى الحيوانات المحشوة التي كان الكل يجمعونها في التسعينيات. وعلى شاكلتها، فإن كل واحدة من القطط المشفرة تتميز عن غيرها بشيء ما، غير أنها قادرة على “التكاثر”، على عكس تلك الدمى بطبيعة الحال. يتم تعريف وتوثيق فرادة كل قطة على شبكة إيثيريوم للبلوك تشين باستخدام عملة من نوع خاص، ويمكن للاعبين شراؤها أو بيعها أو “استيلادها” باستخدام الإيثر.

بدأت المشاكل عندما ازدادت شعبية القطط المشفرة إلى حد كبير وبسرعة كبيرة، وكما في حالة الدمى المحشوة، أصبحت بعض هذه القطط باهظة الثمن، ووصل سعرها إلى ما يكافئ 170,000 دولار من الإيثر. وأدى الاندفاع الجنوني نحو استيلادها إلى زيادة فجائية بمقدار ستة أضعاف في حجم التداولات، ما أدى بدوره إلى اختناق الشبكة وإبطاء إيثيريوم لدرجة التوقف الكامل. وهكذا انكشفت الحقيقة: ما زالت هذه التكنولوجيا فجة، وغير قادرة على التعامل مع حجم العمل الذي تتطلبه التطبيقات اللامركزية الكبيرة.

يقول جايمي بيتس: “أعتقد أنهم استبقوا الأمور بعض الشيء”. كنا نجلس جانباً في ديفكون، والذي قامت منظمة إيثيريوم اللاربحية –التي يعمل بيتس فيها- في سويسرا بتمويله وتنظيمه. لا تعتمد المنظمة كثيراً على الألقاب والمناصب، ولكن بيتس أقرب ما يكون إلى إداري. فهو يساعد على تطبيق التطويرات التكنولوجية على برمجيات إيثيريوم، وهو عمل يتطلب الكثير من الانتباه والعناية، مثل تربية مجموعة من القطط الحقيقية.

يتصف بيتس بالتأمل والهدوء في الكلام، وقد كان مختصاً بتطوير الويب، وهو من المؤمنين الحقيقيين بإيثيريوم منذ أن اطلع لأول مرة على الملخص الأولي الذي وضعه فيتاليك بوتيرين في 2013 (تنطلق كل عملة مشفرة بملخص أولي يحدد الخطوط العريضة لمبادئها التكنولوجية). غير أنه ينظر إلى قدراتها الحالية بطريقة واقعية بدون الانقياد خلف الأوهام، ويصفها بفكاهة لطيفة بأنها “حاسوب ظريف من السبعينيات”. أما بوتيرين، الشاب الغامض الذي أسس إيثيريوم، فهو يستخدم مقارنة أقل انتقاصاً من قدرها، ويصفها بأنها “هاتف ذكي من العام 1999 يحتوي أيضاً على لعبة الأفعى”.

وقع الكثير من المستثمرين ورواد الأعمال في فخ المبالغة في تقدير إمكانات شبكة البلوك تشين التابعة لإيثيريوم، وأقنعوا الآخرين باستثمار المليارات في مشاريعهم. يقول بيتس ضاحكاً: “كانوا يفكرون بأشياء مثل: “يمكنني أن أبني شركة طبية على نظام البلوك تشين لإيثيريوم، ويمكن للطبيب أن يذهب إلى أي مكان وستقوم سماعته الطبية بالتواصل مع جهاز آيباد أو ما شابه باستخدام البلوك تشين”، أليس كذلك؟ لقد أدت القطط المشفرة إلى إخافتهم بعض الشيء”.

ساعدت القطط المشفرة المستثمرين على إدراك خطئهم، وذلك بكشف الضعف الكامن في الشبكة. وفجأة، أصبحوا أكثر اهتماماً بالمسار التكنولوجي الذي ستتخذه إيثيريوم. يقول بيتس: “إنهم يحاولون الآن التأثير على ما سيحدث لاحقاً”.

لهذا السبب، كانت مسألة الحوكمة هامة للغاية في براغ. حيث أن حمى 2017 التي تجسدت بارتفاع أسعار العملات المشفرة بشكل جنوني وتزاحم المستثمرين عليها، زادت من تعقيد خريطة أصحاب المصالح في إيثيريوم. وبسبب فضيحة القطط المشفرة، وعدد آخر من المشاكل اللاحقة، أصبح من الواضح أنهم بحاجة جميعاً إلى أسلوب أفضل للعمل معاً لحل المشاكل التكنولوجية في إيثيريوم.

في عصر اليوم السابق لجلستي مع بيتس، قام بالاشتراك مع هادسون جيمسون، والذي يعمل أيضاً في المنظمة، بالمساعدة في قيادة حوار رصين حول كيفية صياغة شكل أفضل لعملية اتخاذ القرار.

مدراء الحوار يتحدثون خلال جلسة عن الحوكمة. من اليسار إلى اليمين: بوريس مان، متطوع في إيثريوم ورائد أعمال في مجال البلوك تشين، سارة فريند، فنانة ومصممة برامج تعمل لصالح منظمة إيثيريوم، وموظفا المنظمة جايمي بيتس وهادسون جيمسون (الذي يرتدي زياً تنكرياً للهالوين، على شكل شخصية من برنامج ساتورداي نايت لايف)

درس جيمسون علوم الحاسوب أكاديمياً، ويتميز بلهجة ودودة من تكساس، ويقوم حالياً بإدارة أهم منتدى لاتخاذ القرار في إيثيريوم حالياً، وهو الاتصال نصف الشهري بين مطوري المجموعة الذين يعتبرون نفسهم أساسيين. وقد يتضمن الاجتماع ما بين 15 و 30 شخصاً، وفقاً لإشكالية بنود الاجتماع.

غالباً ما يبدي جيمسون صبراً مثيراً للإعجاب خلال هذه الاتصالات التي تبث على يوتيوب. ولكن في براغ، كان صوته يحمل مسحة من الحنق أثناء مخاطبته لجمهور مؤلف من حوالي 100 شخص. ويقول أن الأسئلة التكنولوجية المعقدة تحمل نظام الحوكمة في إيثيريوم، والذي ما زال في منتهى البساطة، أقصى حدود استطاعته: “في الواقع، ليس لدينا ما يكفي من الأشخاص لمساعدتنا في هذه المسائل”. هذا يعني أن نفس الأشخاص هم من يتخذون القرارات مراراً وتكراراً، وتحتاج المجموعة إلى منتديات أفضل ويمكن الوصول إليها بشكل أسهل، وذلك لإدارة النقاشات التكنولوجية واتخاذ القرارات.

ولكن ما شكل نظام الحوكمة في إيثيريوم حالياً؟ يوجه جيمسون السؤال بشكل بلاغي قبل الانتقال إلى الشريحة التالية في عرضه على باوربوينت، والتي تتضمن رسماً لبوتيرين بحجم هائل على خلفية كونية، وهو يحمل سيارة لامبورجيني في يديه (أصبحت هذه السيارات رمزاً للثراء الناتج عن العملات المشفرة). ويقول بسخرية باردة: “إنه فيتاليك يحمل سيارة لامبورجيني”، مثيراً ضحك بعض الحضور.

لا شك في أن هذه مجرد مزحة من جيمسون على الأغلب. ولكن الجميع يعرفون أن بوتيرين ما زال الموجه الأساسي لإيثيريوم، على الرغم من كل طموحاتها في اللامركزية. فعندما واجهت إيثيريوم المصاعب من قبل، كان الجميع يعتمدون عليه بشكل كبير حتى يرشدهم. يقول بيتس: “لقد أثر تفكير فيتاليك علينا إلى حد بعيد. مزاجه ونظرته إلى الحياة وغيرها، وتواضعه وصرامته. هناك الكثير من النواحي المتعلقة به، حتى روح الفكاهة لديه، التي أثرت على الجميع هنا، وجذبت إليه الكثيرين ممن يحملون نفس القيم”.

كان بوتيرين صبياً موهوباً وعاشقاً للعلم، غادرت عائلته روسيا إلى كندا عندما كان في السادسة، وقد اكتشف بوتيرين البيتكوين عندما كان مجرد مراهق يمارس ألعاب الفيديو في تورونتو، وقد أثارت البلوك تشين والعملات المشفرة إلهامه إلى درجة أنه ترك الجامعة حتى يركز عليها. وعلى الرغم من إعجاب بوتيرين بالبيتكوين، فقد رأى أنها محدودة. ولهذا قرر أن يصمم نظام بلوك تشين يمكن أن يقوم بأشياء أكثر من مجرد إدارة مخزن للقيم الرقمية.

في التاسعة عشرة، نشر بوتيرين ملخصاً أولياً حول إيثيريوم. وضمن هذا الملخص، شرح كيف يعتقد أنه يمكن استخدام بعض الأفكار من بيتكوين لبناء منصة حوسبة لامركزية. ونظراً لأن هذه المنصة لا تحوي أي عنصر يمكن أن يؤدي عطله إلى إصابتها بالشلل الكامل، وعدم وجود أي وسيط مركزي يتحكم بها، فمن المستحيل إغلاقها. وبالنسبة لبوتيرين، يعني هذا الحرية على الإنترنت من الرقابة والمراقبة وغيرها من أنماط النفوذ المركزي.

من الواضح أن شخصاً يحمل رؤية كهذه لن يكتفي بالدمى الرقمية. حيث أن مهمة إيثيريوم، كما يراها بوتيرين، هي الوصول إلى 1.7 مليار شخص بالغ حول العالم ممن ليس لديهم حساب بنكي أو جهة تؤمن خدمات الدفع الإلكتروني. وفي ديسمبر الماضي، عندما كانت أسعار الإيثر في ذروتها وكانت القيمة الإجمالية لجميع العملات الرقمية أكثر من 500 مليار دولار، أخذ بوتيرين يتحدى مطوري البلوك تشين على تويتر بأسئلته: “كم شخصاً ساعدنا ممن يفتقرون إلى الخدمات البنكية؟ ما هو حجم التجارة الإلكترونية المقاومة للرقابة التي قدمناها للأشخاص العاديين؟ أقل من اللازم”.

إيثيريوم 2.0

بدا بوتيرين على منصة ديفكون مبتهجاً ومتفائلاً بمستقبل إيثيريوم. كان نحيلاً للغاية ويرتدي ملابس سوداء، وكان يلوي يديه ومعصميه النحيلين أثناء حديثه بشكل يكاد يبدو طفولياً، أما حركاته الأخرى فكانت أقرب إلى حركات الروبوتات. غير أن هذا الجمهور المؤلف من حوالي 3,000 من المطورين ورواد الأعمال، ومعظمهم رجال في العشرينات والثلاثينات من العمر، كان يصغي بسكون وانتباه شديدين. كانوا مؤمنين برؤيته.

ركز بوتيرين في خطابه المليء بالمصطلحات والاختصارات الغامضة على إيثيريوم 2.0. ويشير هذا الاسم إلى “تركيبة من الميزات المختلفة التي كنا على مدى عدة سنوات نتحدث عنها ونجري الأبحاث حولها ونقوم ببنائها، والتي ستتكامل معاً في بنية واحدة متماسكة”، كما يزعم بوتيرين.

أما المشكلة التي أمضى بوتيرين وبعض من زملائه الموثوقين عدة سنوات لحلها فهي ذلك الضعف الأساسي في إيثيريوم، والأسباب التي أتاحت لمجموعة من القطط المشفرة التسبب بانهيار الشبكة، والتي تنبع جميعها من الطريقة التي بنيت بها تقريباً كل العملات المشفرة الموجودة حالياً.

لبناء تطبيق على إيثيريوم، يجب أن تستخدم لغة برمجة خاصة لكتابة ما يسمى بالعقود الذكية. وهي برامج تعمل بشكل آلي عند تحقق شروط معينة، مثل نزول سعر شيء ما تحت قيمة محددة. ويقوم نظام البلوك تشين في إيثيريوم بتتبع حالة جميع العقود الذكية المخزنة عليه.

لتشغيل العقود الذكية، يجب على المستخدمين دفع رسم التشغيل بالإيثر، والمسمى بالوقود. وفي الواقع، فإن هذا الوقود هو ما يبقي النظام بأسره في حالة عمل، حيث أن هذه الرسوم تؤول في نهاية المطاف إلى مالكي العقد التي تقوم بالتنقيب، تلك العملية المكلفة (بسبب الاستهلاك الكبير للكهرباء) التي تتضمن إجراء الحسابات الضرورية لإضافة البيانات إلى البلوك تشين.

تمثل القطط المشفرة مثالاً جيداً على طريقة العمل الفعلية. حيث أن ابتكار قطتك الفريدة من نوعها يتطلب منك في البداية شراء قطة عن طريق موقع اللعبة على الويب. ويتم نقل ملكية القطة إليك بشكل ثابت لا يمكن تغييره عن طريق تعامل على البلوك تشين. وحتى تستطيع “مزاوجة” قطتك مع غيرها، يكفي أن ترسل ما يكفي من الوقود إلى عقد ذكي على البلوك تشين. وتقوم اللعبة ذاتياً بمزج “الدنا” للوالدين، ما يؤدي إلى إنتاج قطة جديدة، وتخزين برهان يدل على أنك مالكها الوحيد على البلوك تشين عن طريق تعامل آخر.

تستطيع منصة إيثيريوم معالجة حوالي 15 من هذه التعاملات في الثانية الواحدة وسطياً فقط. واعتماداً على ازدحام الشبكة، قد يتطلب استكمال التعامل فترات طويلة من الزمن. وللمقارنة، نذكر أن شبكة بطاقات فيزا للدفع الإلكتروني تعالج وسطياً 2,000 تعامل بالبطاقات الاعتمادية في الثانية، وتستطيع أن تعالج عشرات الآلاف. ويعود هذا البطء إلى بنية إيثيريوم. حيث أن تخزين ومعالجة كل تعامل على كل عقدة يجعل من الصعب للغاية تشويش أو إيقاف هذه التعاملات، أما الناحية السلبية فهي أن سرعة النظام محدودة بسرعة أبطأ العقد فيه.

كان ديفكون يضج بالنقاشات النشطة حول الأفكار المطروحة لحل المشاكل التكنولوجية في إيثيريوم. وكانت هناك ثلاثة مصطلحات على وجه الخصوص تتردد على الدوام في كل حديث تقريباً: “تكسير sharding” و”بلازما Plasma” و”كاسبر Casper“. من المقرر أن تكون هذه الأساليب جزءاً من طريقة عمل إيثيريوم 2.0، وتحمل وعداً بزيادة ضخمة في قدرة النظام على معالجة التعاملات بدون التضحية بصفاته الإيجابية، إضافة إلى تخفيض كبير في الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تنامي شبكة إيثيريوم من الحواسيب النهمة للكهرباء.

تقوم طريقة التكسير، كما يُفترض، على تجزئة بيانات البلوك تشين. وبدلاً من تخزين ومعالجة كل عقد ذكي، تقوم مجموعات جزئية من العقد بمعالجة كميات أصغر من كامل كتلة البيانات.

أما البلازما فهي نظام يسمح للمستخدمين بإجراء التعاملات فيما بينهم بشكل مباشر بدون الحاجة الدائمة إلى المرور بنظام البلوك تشين الرئيسي. وبشكل أساسي، يتم الاتفاق على فتح قناة اتصالات خاصة وآمنة لاستخدامها من أجل أشياء مثل تبادل العملات الرقمية أو المشاركة في لعبة ما. وعند الانتهاء، تتم إضافة جميع التحديثات إلى البلوك تشين في تعامل واحد فقط.

كاسبر، الشبح اللطيف

أما المشروع الأكثر طموحاً فهو كاسبر، والذي يترأسه بوتيرين وزميله الباحث في إيثيريوم فلاد زامفير، على مدى عدة سنوات. ويهدف إلى إعادة ابتكار أسلوب إجماع الحواسيب على شبكة البلوك تشين العامة.

حتى تعمل العملة المشفرة في شبكة لامركزية لا يسيطر عليها كيان واحد، تحتاج إلى بروتوكول إجماع، أي العملية التي تعتمدها عقد شبكة البلوك تشين حتى تتفق فيما بينها، مراراً وتكراراً، على صحة معلومات البلوك تشين. وبالنسبة لإيثيريوم وبيتكوين وأغلب العملات الرقمية الأخرى، فإن خوارزمية برهان العمل عنصر أساسي في بروتوكول الإجماع.

تعمل خوارزمية برهان العمل بشكل مشابه للسباق. حيث تكرس الحواسيب المصممة للتنقيب في العملات المشفرة نسبة كبيرة من استطاعة الحوسبة فيها حتى تخمن بشكل متكرر حلاً لأحجية رياضية. ويقوم أول حاسوب يحل الأحجية بإضافة كتلة “بلوك” جديدة من التعاملات الصحيحة إلى سلسلة “تشين” من الكتل السابقة (ومن هنا أتى مصطلح البلوك تشين) ويتلقى مكافأة بالعملة المشفرة. أما سبب الاعتماد على برهان العمل فهو أن المهاجمين سيرتدعون بسبب التكاليف الباهظة للعتاد الصلب المطلوب للتنقيب والمقادير الكبيرة من الكهرباء المطلوبة للتلاعب بالسجل العام.

لا يعود اختراع برهان العمل إلى مبتكر البيتكوين، ساتوشي ناكاموتو، ولكنه استخدمها بشكل بارع كطريقة لفتح المشاركة في شبكة البلوك تشين أمام العامة. حيث يستطيع أي شخص يمتلك التجهيزات المناسبة، إضافة إلى ما يكفي من الكهرباء، أن يقوم بتنقيب البيتكوين والإيثر وغيرها من العملات المشفرة، بدون الحاجة إلى أي إذن.

كان بروتوكول الإجماع الذي وضعه ناكاموتو ابتكاراً ثورياً، ولكنه “سيء إلى درجة الفظاعة من أية وجهة نظر تأخذ الأداء بعين الاعتبار”، كما يقول إيمين جون سيرير، وهو عالم حاسوب وخبير بالعملات المشفرة في جامعة كورنيل. إنه لا يعمل ببطء مؤلم وحسب، بل يبتلع مقادير هائلة من الكهرباء.

يتابع سيرير قائلاً: “إن الطاقة المُستهلكة تبلغ أضعافاً مضاعفة من الطاقة المطلوبة فعلياً لبناء البلوك تشين”. وعلى الرغم من أن إيثيريوم تستهلك أقل بكثير من بيتكوين، فإن التقديرات الحديثة تشير إلى أنها تستهلك من الكهرباء ما يعادل احتياجات دولة صغيرة، على حين أن بيتكوين تستهلك بقدر دولة كبيرة نوعاً ما. تتغير المقادير باستمرار بطبيعة الحال، ولكن عندما كُتبت هذه المقالة، كان استهلاك إيثيريوم يعادل استهلاك كوستا ريكا، على حين أن بيتكوين تعادلت بشكل تقريبي مع بنجلاديش.

يعترف بوتيرين بأن هذا يجب أن يتغير، وقد أخبرني عندما رأيته في ديفكون: “هناك عواقب اجتماعية وخيمة لاستهلاك كل هذه الموارد”. حيث يتم “هدر” مليارات الدولارات على برهان العمل، مما يؤدي إلى “ضياع في الموارد عند كل مستخدم للعملات المشفرة، وعند كل شخص في المجتمع بشكل مباشر، عن طريق الآثار البيئية”. كما أن هذا الهدر ضار باسم العملة المشفرة أيضاً: “تعني هذه المسألة الفرق بين أن يكون كل شخص محب للبيئة صديقاً لك، أو خصماً يحاول إيقافك”.

اختار بوتيرين وأتباعه خوارزمية أخرى لتحل محل برهان العمل، وهي برهان الرهن. تعود جذور هذه الطريقة إلى تطبيقات ظهرت لأول مرة في الثمانينيات، وتعتمد على مجموعة من “المصادِقين”، وهم أعضاء في الشبكة يقومون بالمصادقة والتأكيد على صحة التعاملات المضافة إلى السلسلة، بكل بساطة. أما الحافز الذي يدفعهم إلى الابتعاد عن الغش فهو أنهم يجب أن يودعوا، أو “يرهنوا” مبالغ مالية كبيرة (تبلغ وفق الخطة الحالية 32 إيثر، أي ما يعادل 2,800 دولار عند كتابة المقالة). وعندما تنتهي فترة عملهم كمصادقين، يمكنهم أن يستردوا أموالهم، وفي حال ارتكاب مخالفة، فقد يخسرونها.

يجب أن تتضمن الخوارزمية آليات اختيار المصادقين الذين سيضيفون كتلاً جديدة إلى السلسلة، ومعاقبتهم على المخالفات. كما أن تحقيق هذا الأمير بشكل عادل ومستدام يتطلب حل معضلات في نظرية الألعاب والاقتصاد وعلوم الحاسوب. هناك أيضاً مسألة كيفية تصميم نظام قادر على التعامل مع أعداد كبيرة من المصادقين بدون أن ينهار. وأخيراً، فإن شبكات برهان الرهن معرضة لهجمات خبيثة معينة لا تستطيع اختراق شبكات برهان العمل (والعكس صحيح)، وما زال باحثو إيثيريوم يحاولون لتحديد أفضل طريقة للتصدي لها.

بدأ السعي نحو استبدال برهان العمل منذ سنوات على شكل تحركات ومبادرات متفرقة ومتقطعة. وقد تخلى الفريق عن الكثير من الأفكار الواعدة، كما تم تأجيل الكثير من المواعيد النهائية. وقد يكون هذا جزءاً من السبب الذي جعل خطاب بوتيرين المتفائل والحماسي في ديفكون خالياً من أي جدول زمني فعلي لاستكمال التحديث.

يقول سيرير أن الكثير من المشاكل التي تحير مطوري إيثيريوم كانت معروفة منذ أكثر من عقد من الزمن، ويشير إلى أن هذا قد يكون السبب الذي دعا ناكاموتو إلى ابتكار طريقة مختلفة للبيتكوين، ويقول: “إن عجزهم عن إطلاق بروتوكول كامل حتى اللحظة يقول لي أنهم يواجهون مشكلة صعبة للغاية. إضافة إلى هذا، فلم يتمكن أي شخص آخر من تحقيق هذا الأمر، بما فيهم الأكاديميون”.

مخلوقات خرافية وأقواس قزح

يقول بوتيرين أن إيثريوم 2.0 ستكون قادرة على معالجة حجم تعاملات أكبر بألف مرة من النسخة الحالية، ما يمكنها فعلاً من التحول إلى الحاسوب العالمي الذي تخيله. وقد رأيت على المسرح، ولاحقاً عندما التقيته شخصياً، الثقة العارمة التي يتمتع بها بوصفه عاشقاً للتكنولوجيا، وكيف أن هذه الثقة توحي بأن المشكلة سُتحل بدون شك، وأن المسألة مسألة طريقة ليس إلا.

لم يُبدِ أي من موظفي المنظمة ومطوريها وغيرهم من الحضور الذين تحدثت معهم أي شك في بوتيرين، أو مستقبل إيثيريوم 2.0، غير أن البعض كانوا أكثر تحفظاً إزاء التحديات.

أكد لين ريتينج، والذي يعتبر نفسه أحد المطورين الأساسيين في إيثيريوم، على مخاوف جيمسون بخصوص الحاجة إلى أنظمة أفضل لاتخاذ القرارات، قائلاً: “إن الأشياء التي نحتاج إلى حلها أكثر تعقيداً. وقد بدأت مشكلة التنسيق بالتفاقم، وذلك مع توسع الشبكة لتشمل المزيد من الأشخاص والمنظمات والبرمجيات”. وأضاف ريتينج، الذي تألق على المنصة بسروال بيجاما أسود مزين برسومات أقواس قزح ومخلوقات خرافية لطيفة ملونة بالأبيض والوردي، أن إمكانية التوسع التكنولوجي ضرورية، ولكن من الضروري بنفس الدرجة لمجموعة إيثيريوم تحقيق “إمكانية التوسع الاجتماعي”.

يقول بيتس أن أحد المشاكل التي تواجهها إيثيريوم هي أن عملية تطبيق التغييرات البرمجية غير محددة بشكل كامل. ولحل هذه المشكلة، يعمل مع المطور الرئيسي جريج كولفين على تأسيس منظمة جديدة باسم “أخوية سحرة إيثيريوم”، وهي على غرار “قوة المهمات الهندسية للإنترنت”، المنظمة المفتوحة التطوعية لمعايير الإنترنت.

غير أن هذا يبدو كبداية مؤسسة تقليدية ذات قواعد وتراتبية. ألا تناقض هذه المبادرات مبادئ اللامركزية لإيثيريوم؟

قد يكون هذا صحيحاً، ولكن للفوز في ما يسميه جيمسون “حروب البلوك تشين”، فقد يكون من الضروري بناء هيكلية أكثر صلابة، ويعترف ريتينج قائلاً: “هناك الكثير من التناقضات، حيث أنك بحاجة إلى عملية مركزية لابتكار آلية حوكمة لامركزية”.

إضافة إلى هذا، قد يقول الكثيرون أن إيثيريوم أصبحت مركزية أكثر مما يجب. وكما في حالة بيتكوين، تتحكم بضعة مجموعات من المنقبين بالنسبة العظمى من استطاعة التنقيب في الشبكة. ناهيك عن الاعتماد المستمر على إرشادات بوتيرين، على الرغم من إنكاره لهذه المسألة عندما سألته إذا كان يمثل نقطة مركزية في إيثيريوم، قائلاً بإصرار: “لقد تناقص الاعتماد عليّ بدون شك”.

في المحصلة، يبدو أن ما يجمع حضور ديفكون ليس بوتيرين أو فكرة مجردة ما حول اللامركزية. بل إيمان حقيقي بأن تكنولوجيا إيثيريوم قادرة على إحداث تغيير جذري في طريقة تنظيم البشر لأنفسهم، وعلى مستوى عالمي، ويجب أن تحقق هذا الأمر فعلاً. أما السؤال الذي يطرح نفسه فهو كم يجب على داعميها أن يصمدوا، خصوصاً مع استمرار تناقص الحماس إزاء العملات المشفرة. وفي النهاية، فإن شجاعة الطموحات والمثاليات التي تجسدت في براغ تواجه نفس السؤال الذي تواجهه إيثيريوم: هل هي قادرة على النمو والتوسع، أم أن الأمر ليس أكثر من قطط مشفرة ومخلوقات خرافية وأقواس قزح؟