Article image
منظر لكوكب الزهرة تم التقاطه بواسطة المركبة المدارية فينوس إكسبريس.
مصدر الصورة: وكالة الفضاء الأوروبية/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للطيران والفضاء، م. بيريز أيوكار و س. ويلسون‎



تمثل الشكوك حول وجود غاز الفوسفين على المريخ -وهو يمثل دلالة بيولوجية- جزءاً من المسار الطبيعي لإجراء الاختبارات المتعلقة باكتشاف مذهل.

2020-11-02 10:44:18

02 نوفمبر 2020

يحمل التقرير الذي صدر الشهر الماضي حول احتمال وجود غاز الفوسفين في سحب الزهرة نتيجة محتملة مذهلة: الحياة الفضائية. فعلى الأرض، ينتج الفوسفين كيميائياً عن بعض أنواع البكتيريا التي تعيش في بيئات فقيرة بالأكسجين. واكتشافه على الزهرة -الذي أعلن عنه فريق بقيادة جين جريفز من جامعة كارديف- قد أثار العديد من التساؤلات حول وجود الحياة على كوكب لطالما نظرنا إليه على أنه من أسوأ البيئات في النظام الشمسي بالنسبة للحياة، فهو مغطى بطبقة كثيفة من سحب حمض الكبريت، ويتألف غلافه الجوي بنسبة 96% من ثاني أكسيد الكربون، أما الضغط الجوي على السطح فيبلغ حوالي 100 ضعف من الضغط الجوي على الأرض. وإذا تجاهلنا كل ما سبق، فإن الحرارة على السطح تصل إلى 471 درجة مئوية، أي ما يزيد عن درجة ذوبان الرصاص.

ولكن منذ أن طُرح التقرير الأولي، بدأت الشكوك تحيط بصحة هذا الاكتشاف؛ حيث تقول ثلاثة أبحاث مختلفة في مرحلة ما قبل النشر (لم تُنشر أي منها في مجلة تخضع لمراجعة الأقران، على الرغم من أن أحدها حاز على الموافقة للنشر) إنها لم تتمكن من العثور على نفس الدليل على وجود الفوسفين على الزهرة.

قد يبدو للوهلة الأولى أن التقارير الجديدة تشير إلى أن الفريق الذي توصل إلى النتائج السابقة ارتكب خطأ فادحاً، أو أنه يعاني من ردة فعل سلبية بسبب الضجيج الذي رافق هذا الاكتشاف. ولكن هذه الدراسة كانت مُحكمة، فقد تم الإعلان عن النتائج الأصلية بعد أن اكتشفت جريفز وفريقها آثار الفوسفين في قراءات بالمجال تحت الأحمر إلى الميكروي للغلاف الجوي للزهرة باستخدام تلسكوب جيمس كليرك ماكسويل (JCMT) في هاواي، ومصفوفة أتاكاما العملاقة المليمترية وتحت المليمترية ألما (ALMA) في تشيلي. “لقد كان المؤلفون واضحين للغاية. فقد قدموا مستوى راقياً من العمل عندما أكدوا أنهم لم يكتشفوا الحياة، بل وجدوا شيئاً يتعلق بالحياة على الأرض ولا يوجد تفسير حالي لوجوده على الزهرة”، وفقاً لستيفاني أولسون، وهي عالمة كواكب في جامعة بوردو، ولم تشارك في أي من هذه الدراسات. بل إن الفريق قام حتى بنشر بحث في مجلة أستروبيولوجي (Astrobiology) لدراسة الأسباب الطبيعية المعروفة لوجود الفوسفين على الزهرة، واستبعادها.

تكرار وراء تكرار

ليست قصة فوسفين الزهرة الشهير مجرد حالة عابرة لاكتشاف مثير يتعرض للنقض بعد التدقيق. وفي الواقع، فإن اندفاع الأبحاث اللاحقة أمر رائع ومرحب به، ودليل على سير العمل العلمي بالشكل السليم. وهو أمر صحيح على وجه خاص عندما يتعلق الأمر بالبحث عن الحياة الفضائية، ولا شك في أن المزاعم الاستثنائية تتطلب إثباتات استثنائية.

يقول بول بيرن، وهو عالم كواكب في جامعة نورث كارولاينا الحكومية، ولم يشارك أيضاً في أي من الدراسات السابقة: “أعتقد أن هذه الحالة تُعد مثالاً رائعاً حول سير العملية العلمية. ومن المنطقي بالتأكيد أن تظهر دراسات أخرى تحاول الإجابة عن هذا السؤال”.

يحمل البحث الأول الذي يشكك في البحث الأصلي طابعاً خاصاً، فقد شاركت جريفز نفسها في كتابته. فبعد الفشل في حجز المزيد من الوقت على التلسكوبات لتأكيد النتائج الأولية للفريق، وذلك بسبب الوباء الذي جعل الوصول إلى التلسكوبات صعباً للغاية ومستحيلاً في بعض الحالات، قررت مع فريقها اللجوء إلى أرشيف من عمليات الرصد بالأشعة تحت الحمراء في 2015، ولم تجد أية دلالة على وجود الفوسفين.

يقول بيرن: “لقد كانت نتيجة محبِطة طبعاً، ولكن غياب الدليل على وجود مادة ما لا يمثل دليلاً على عدم وجودها. فقد يعني ببساطة أن المسألة أكثر تعقيداً مما كنا نعتقد”، فمن المحتمل أن الفوسفين غير موجود على الزهرة حقاً، أو أن وجوده يتغير مع الزمن. كما يُحتمل أيضاً أن عمليات الرصد التي نتجت عنها البيانات المؤرشفة التي قامت جريفز بتحليلها لم تسبر السحب بشكل عميق بما يكفي.

في الواقع، تمثل مسألة تكرار النتائج مشكلة شائعة في هذا النوع من الدراسات. وعلى سبيل المثال، فإن تصورنا حول الميثان على المريخ ما زال قيد نقاش حاد؛ حيث تحمل عربة كيوريوسيتي الجوالة من ناسا تاريخاً حافلاً في كشف ارتفاعات حادة في تراكيز الميثان على سطح الكوكب، في حين أن المسبار المداري لدراسة آثار الغاز من إيسا، الذي صُمم لدراسة الغازات على المريخ بحساسية أعلى بكثير من أجهزة كيوريوسيتي، لم يكتشف أي شيء من هذا القبيل. وينطبق نفس الأمر على فوارات المياه على سطح أوروبا، التي اكتشفها التلسكوب الفضائي هابل، ولكن الدراسات اللاحقة لم تتمكن من اكتشافها.

قيد المعالجة

أما المشكلة الأخرى التي تعاني منها النتائج المتعلقة بوجود الفوسفين فهي معالجة البيانات؛ حيث يقول البحثان الآخران إن الفريقين البحثيين حاولا إعادة معالجة البيانات الأصلية التي استخدمتها جريفز وفريقها، وذلك لحسم الشكوك حول وجود أخطاء في التحليل الأصلي. إن استخلاص الإشارات من بين المقادير الهائلة من الضجيج في البيانات التلسكوبية يمثل تحدياً كبيراً في أغلب الأحيان. وقد استخدم الباحثون في الدراسة الأصلية طريقة حساب أفضل الخطوط البيانية عن طريق كثيرات الحدود، التي يُفترض بأن تزيل الضجيج الخلفي المحيط بالمنطقة الطيفية التي يجب أن تظهر إشارات الفوسفين فيها. ولكن، وكما تفيد ناشيونال جيوغرافيك، فإن أسلوبهم في تطبيق هذه الطريقة يحتمل أن يؤدي إلى ظهور إشارات فوسفين زائفة.

لقد تضمن كلا البحثين عملية إعادة معالجة البيانات من الصفر، ولكن من دون استخدام طريقة جريفز. وقد ركز أحد البحثين فقط على بيانات ألما، ولم يتمكن من العثور على الفوسفين. أما البحث الآخر فقد درس كلتا مجموعتي البيانات. ولم يجد الباحثون أي إشارات للفوسفين في بيانات ألما، واكتشفوا إشارة في بيانات (JCMT) قد يمكن تفسير وجودها بغاز ثاني أكسيد الكبريت.

إضافة إلى ذلك، فإن مرصد ألما اكتشف مؤخراً وجود خطأ في نظام المعايرة الذي استُخدم لجمع البيانات التي عملت عليها جريفز وفريقها. ولكن هذا لا يقتضي بالضرورة وجود خطأ من البداية. يقول بيرن: “حتى لو كانت بيانات ألما خاطئة، فما زلنا في حاجة إلى تحديد صحة الاستنتاجات القائمة على بيانات (JCMT). ولا أعتقد أن بإمكاننا أن نجزم قطعاً بوجود الفوسفين أو عدم وجوده”.

“كما لا يمكننا أن نحدد بلا شك الطريقة الأكثر صحة، ولا توجد وصفة معتمدة أو مجموعة محددة من القواعد حول ما يجب فعله عند دراسة الإشارات البيولوجية”، كما تقول أولسون. وبالفعل، تُعزى الكثير من الإنجازات العلمية إلى استخدام مجموعات بحثية مختلفة لأساليب مختلفة في التعامل مع مشكلة ما، ما يؤدي بكل طرف إلى كشف معلومات وأدلة لم يتوصل إليها الطرف الآخر.

لا غنى عن الشفافية. يقول بيرن: “مهما كانت الطريقة المستخدمة، فإن الأمر الهام فعلاً هو أن تكون موثقة وقابلة للتطبيق وقابلة للتكرار، وهو ما رأيناه في بحث جريفز والأبحاث اللاحقة”. ولا تمثل الاختلافات مشكلة، طالما أنها تُناقَش بشكل مفتوح، وهو أسلوب جيد في العمل العلمي.

بعد التأكد

حتى لو أجمع الباحثون على وجود الفوسفين على الزهرة، فهذا لا يقتضي بالضرورة وجود الحياة على الكوكب. يقول بيرن: “من المؤكد أن الفوسفين إشارة بيولوجية محتملة، ولكنه ليس إشارة بيولوجية وحسب”. ينتج الفوسفين على الأرض عن البكتيريا التي تعيش في مياه الصرف الصحي، والمستنقعات، والأهوار، وحقول الأرز، وأمعاء الحيوانات، ولكننا نعلم أيضاً أنه ينتج عن بعض التطبيقات الصناعية، وعلى الكواكب الغازية مثل زحل والمشتري، حيث يُعتقد أن وجود الحياة مستحيل. أما بالنسبة لما يحدث على الزهرة، فنحن لا نعرف ما يكفي عن الكوكب حتى نستبعد بشكل كامل وجود بعض الظواهر الكيميائية الغريبة التي لم نرَها من قبل. 

وينطبق نفس الشيء على إشارات بيولوجية محتملة أخرى اكتشفناها في النظام الشمسي. يقول بيرن: “لا أستطيع تحديد مركب واحد يمكن قياسه بسهولة ويشير بشكل مؤكد إلى وجود الحياة”. ينتج الميثان على الأرض عن العديد من أنواع البكتيريا، بما فيها تلك التي تعيش في المواشي، ولكنه أيضاً ينتج عن البراكين التي تنفثه في الهواء. أما الأكسجين الصالح للتنفس فقد نتج لأول مرة عن البكتيريا الزرقاء في بداية ظهورها على الأرض، ولكن بعض التفاعلات الغريبة التي تتضمن ضوء الشمس ومادة معدنية تسمى (تيتانيا) يمكن أن تنتج الأكسجين أيضاً على كواكب أخرى.

أما فيما يتعلق بكوكب الزهرة، “فستكون هذه المسألة محور جدل سيتواصل لعدة سنوات مقبلة”، كما تقول أولسون. ويعود هذا إلى أنه يستحيل أن يشكل دليلٌ واحد إثباتاً قاطعاً على وجود الحياة، ما لم نرسل بعثة إلى الكوكب نفسه لإجراء تجارب وعمليات رصد مباشرة.

يضيف بيرن: “في هذه الأثناء، توجد أشياء أخرى يمكن أن نقوم بها. ولكن حتى نذهب إلى هناك، ستبقى المسألة أكاديمية بحتة، ولا توجد طريقة حقيقية للإجابة عن هذه الأسئلة إلا بالذهاب إلى هناك”.