Article image
حقوق الصورة: جيتي



بحثٌ جديد يثبت رياضياً أن قوى المدّ والجزر هي عبارة عن موجاتٍ ثقالية منخفضة التردد. ورغم أن الفكرة فنيةٌ إلى حدٍّ ما، لكنها مثيرةٌ للاهتمام.

2019-12-25 15:00:47

25 ديسمبر 2019

في فبراير من عام 2016، أعلن فريقٌ دولي من علماء الفيزياء أولَ رصدٍ مباشر للأمواج الثقالية. وقد نجمت هذه الأمواج عن الاصطدام الهائل بين ثقبين أسودين، تبلغ كتلة كلٍّ منهما حوالي 30 ضعفاً من كتلة الشمس، وقد كان التصادم عنيفاً لدرجة أنه أصدر تموّجاتٍ في نسيج الزمكان.

كان هذا الاكتشاف انتصاراً لمجتمع الباحثين في مجال الفيزياء؛ فقد عرفوا منذ زمنٍ طويل أن نظرية النسبية العامة لأينشتاين تشير إلى إمكانية نشوء التموجات في نسيج الزمكان، وتضغط هذه التموجات الحيّزَ المكاني وتُمدِّده بأبعادٍ أصغر من قطر البروتون. ومن أجل التقاطها، قام الفيزيائيون ببناء شبكةٍ من أجهزة الكشف فائقة الحساسية التي تفوق تكلفتها المليار دولار؛ لذا كان اكتشاف الأمواج الأولى في عام 2016 بمثابة ارتياحٍ ونجاحٍ كبير على حدٍّ سواء.

واليوم يقول اثنان من علماء الفيزياء إن الأمواج الثقالية كانت مختبئةً على مرأى من الجميع طوال الوقت؛ حيث إن كلاً من ريتوبارنو جوسوامي من جامعة كوازواو ناتال وجورج إليس من جامعة كيب تاون -وكلتا الجامعتين في جنوب أفريقيا- يقومان باستخدام نوعٍ من الأساليب الرياضية لإثبات أن قوى المد والجزر ما هي إلا أمواجٌ ثقالية، وهذه القوى هي نفسها التي تسبِّب ارتفاع مستويات مياه البحر وانخفاضها مع حركة القمر حول الأرض؛ حيث يقول الباحثان: “إن قوى المد والجزر هي في الحقيقة شكلٌ مُستتِر من الأمواج الثقالية”. ولنبدأ ببعض المعلومات الأساسية عن هذا الموضوع.

تقوم نظرية الجاذبية التي وضعها نيوتن على فكرة أنَّ جميع الكتل تولِّد قوةً ثقالية جاذبة، مما يفسِّر حدوث الكثير من الظواهر المتنوعة، مثل مسار سقوط تفاحةٍ وحركة الكواكب حول الشمس وغيرها.

كما تفسِّر نظرية نيوتن ظاهرة المد والجزر؛ فهي نتيجةٌ لاختلاف القوى الثقالية مع اختلاف المسافة؛ حيث يتعرَّض جانب الأرض المواجِه للقمر لقوة سحبٍ ثقالية أكبر بقليلٍ من الجانب الآخر البعيد. وينتج عن ذلك نوعٌ من التمدد الذي يَسحب المحيطات جيئةً وذهاباً مع دوران الأرض حول نفسها. 

ويبدأ جوسوامي وإليس بحثهما بالإشارة إلى أن نظرية نيوتن لا تأخذ بالاعتبار قانوناً هاماً في الفيزياء، وهو الذي ينصُّ على أنه لا يمكن لأيّ شيءٍ أن ينتقل بسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء، وهذا القانون ينطبق بالطبع على القوى الثقالية. إذن، تستغرق قوى الثقالة القمرية بعض الوقت قبل أن تصل إلى الأرض. ويقول الفيزيائيان: “لا يوجد أيّة قوةٍ مؤثِّرة تنتقل بسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء، وبالتالي لا يمكن لقوى المد والجذر أن تكون لحظية”.

وقد صاغ أينشتاين في البداية هذا الحدَّ الأقصى للسرعة الكونية في نظريته النسبية الخاصة، ثم أدرجها لاحقاً في نظريته النسبية العامة المشهورة التي وصَّفت الثقالة على أنها نوعٌ من الانحناءات في نسيج الزمكان. وقد قاد هذا مباشرةً إلى فكرة أن هذا النسيج يمكن أن يدعم نشوء تموجاتٍ شبيهة بالأمواج.

يقول جوسوامي وإليس إن قوى المد والجزر هي شكلٌ من الإشعاع الثقالي. ولكن لكي تكون أمواجاً، يجب على هذه القوى أن تتباين مع مرور الوقت بطريقةٍ خاصة تُمليها نظرية النسبية العامة. ويتابع الفيزيائيان ليثبتا رياضياً أن قوى المد والجزر تتمتع بهذه الخصائص بالضبط، وإنْ كان على نطاقٍ أصغر بكثير من الأمواج الناتجة عن اصطدامات الثقوب السوداء. ورغم أن نتيجة البحث تعتبر فنيةً إلى حدٍّ ما، إلا أنها نتيجةٌ مثيرة للاهتمام.

خلاصة الدراسة باختصارٍ تقول إنَّ قوى المد والجزر هي عبارةٌ عن موجاتٍ ثقالية منخفضة التردد. وتقدِّم هذه النظرية بعض التوقعات المختلفة عن مفهوم نيوتن للثقالة، فعلى سبيل المثال، يشير جوسوامي وإليس إلى أنه ينبغي أن تستغرق قوى المد والجزر حوالي 1.3 ثانية لكي تنتقل من القمر إلى الأرض. ويضيفان: “لو كان عمق المحيط منتظماً في كلّ مكانٍ دون وجود القارات، فسيكون المد والجزر متأخراً عن موقع القمر في السماء بمقدار 0.66 ثانية من القوس (أي 0.66 جزءاً من 3600 درجة)”. وهذا يكافئ تقريباً قطر عملةٍ معدنية عندما ننظر إليها من مسافة 2 كيلومتر.

قد يكون من الممكن قياسُ تأثيرٍ كهذا، رغم أن جوسوامي وإليس لا يوسِّعان تحليلهما لإيضاح كيفية القيام بذلك، ولكن هذا يعني أن اكتشاف آثار الأمواج الثقالية أسهل بكثيرٍ مما كنا نعتقد. الآن، هل ترغبون في قضاء يومٍ على شاطئ البحر لمراقبة الأمواج الثقالية؟

المرجع: arxiv.org/abs/1912.00591
قوى المد والجزر هي عبارة عن أمواجٍ ثقالية.


شارك