Article image
مصدر الصورة: إم إس تك / صور جيتي، أنسبلاش



أطلق إيلون ماسك، مؤسس شركة نيورالينك المختصة بعلم الأعصاب، مجموعةً كبيرة من الوعود أثناء إعلانه عن زرعته الدماغية، ولكن هل سيتمكن من الوفاء بها؟

2020-09-01 16:09:44

01 سبتمبر 2020

تسلُّق الصخور بلا خوف. تشغيل الموسيقى داخل رأسك. رؤية خارقة. اكتشاف طبيعة الوعي. شفاء فقدان البصر والشلل والصمم والأمراض العقلية. ليست هذه سوى بعض من التطبيقات التي يعتقد إيلون ماسك -وموظفو شركته نيورالينك المختصة بعلم الأعصاب (التي أسسها قبل أربع سنوات)- أن الواجهات التخاطبية بين الدماغ والحاسوب ستتمكن من تحقيقها يوماً ما.

غير أن جميع هذه التطبيقات ما زالت حالياً بعيدة المنال، بل من المرجح أن بعضها لن يتحقق على الإطلاق. غير أن هذا لم يمنع إيلون ماسك من بث “تحديث إخباري حول المنتجات” بشكل مباشر على يوتيوب منذ فترة وجيزة، حيث انضم ماسك -وهو مؤسس سبيس إكس وتسلا موتورز- إلى عدد من أفراد طاقم شركته الذين يرتدون أقنعة سوداء، وذلك لمناقشة عمل الشركة التي تحاول بناء زرعة دماغية موثوقة ومعقولة الثمن، والتي يعتقد ماسك أن مليارات المستهلكين سيسعون للحصول عليها في المستقبل.

وقد قال ماسك: “يمكن أن نشبه هذه الزرعة، ومن أكثر من ناحية، بجهاز مراقبة نشاط الجسم أثناء الرياضة، ولكنه ضمن الجمجمة مع أسلاك صغيرة”.

على الرغم من أن هذا الحدث الذي نُظم بشكل مباشر على الإنترنت وُصف بأنه استعراض للمنتجات، فإنه لم يتضمن فعلياً أي شيء يمكن شراؤه أو استخدامه من نيورالينك. (ولعل هذا من مصلحة الجميع، لأن معظم المزاعم الطبية التي أطلقتها الشركة ما زالت أقرب إلى التخمينات). غير أن الشركة من ناحية أخرى تعمل على تصميم تكنولوجيا أقطاب عالية الكثافة لاختبارها على الحيوانات.

ليست نيورالينك أول مؤسسة تعتقد أن الزرعات الدماغية يمكنها أن تعزز أو تستعيد القدرات البشرية؛ فقد بدأ الباحثون بوضع المسابر في أدمغة المصابين بالشلل منذ أواخر التسعينيات حتى يبينوا وجود إشارات تسمح بتحريك الأذرع الروبوتية أو المؤشرات الحاسوبية، كما أن الفئران التي تحمل زرعات بصرية تستطيع فعلاً رؤية الأشعة تحت الحمراء.

وبناء على هذا العمل، تقول نيورالينك إنها تأمل بأن تتوسع في تطوير هذه الواجهات التخاطبية بين الدماغ والحاسوب إلى مرحلة يصبح فيها من الممكن تركيبها في عيادة الطبيب خلال أقل من ساعة. قال ماسك عن الأشخاص الذين يتحكمون في الحواسيب بالإشارات الدماغية: “هذه الطريقة ناجحة فعلاً. ولكنها ليست بالأمر الذي يستطيع شخص عادي استخدامه بفعالية”.

خلال الحدث، تملص ماسك ببراعة من إعطاء أية مواعيد أو الالتزام بأي جدول زمني عند الإجابة عن أسئلة مثل موعد اختبار نظام نيورالينك على البشر.

وفي الواقع، وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على تأسيس نيورالينك، فإنها لم تقدم أي دليل على أنها تستطيع (أو حتى أنها حاولت) معالجة الاكتئاب والأرق أو غيرها من الأمراض التي ذكرها ماسك أثناء عرضه التقديمي. من أهم المشاكل الفنية التي يجب على الشركة أن تتعامل معها هي تطوير أسلاك ميكروية تستطيع تحمل التآكل في بيئة الدماغ لفترة عقد كامل، وهي مشكلة قد يحتاج حلها إلى عدة سنوات.

غير أن الهدف الرئيسي لهذا البث المباشر كان إثارة الحماس، وتشجيع المهندسين على الانضمام إلى الشركة (التي تتضمن حالياً حوالي 100 شخص)، وبناء قاعدة شعبية من المعجبين الذين هللوا لإنجازات ماسك الأخرى، والذين ساعدوا على رفع أسعار أسهم تسلا إلى درجة كبيرة.

خنازير داخل الماتريكس

خلال تغريداته التي سبقت الحدث، وعد ماسك معجبيه باستعراض مذهل للعصبونات التي تطلق السيالات العصبية داخل دماغ حي، ولكنه لم يحدد نوع الكائن الحي. وبعد مرور بضعة دقائق على بداية البث، سحب المساعدون ستارة سوداء كاشفين عن ثلاثة خنازير صغيرة ضمن حظائر مسيجة، وهي تمثل فئران التجارب للشركة.

كان دماغ أحد الخنازير يحتوي على زرعة، وأطلقت مكبرات صوت مخفية مجموعةً من النغمات التي قال ماسك إنها تسجيلات للعصبونات وهي تطلق سيالاتها العصبية في الزمن الحقيقي. وبالنسبة لمن ينتظرون “الماتريكس ضمن الماتريكس” (نسبة إلى فيلم الخيال العلمي الشهير)، كما ألمح ماسك على تويتر، فإن هذا الفاصل الترفيهي مع هذه الحيوانات لم يكن على مستوى آمالهم على الإطلاق. أما بالنسبة لعلماء الأعصاب، فلم يحمل هذا العرض أي جديد؛ حيث إن مختبراتهم تضج منذ عقود بأزيز وقرقعة النبضات الكهربائية التي تُسجل من داخل أدمغة الحيوانات (وبعض البشر).

قدمت نيورالينك منذ سنة روبوتاً يشبه آلة الخياطة، ويستطيع غرس ألف قطب رفيع للغاية ضمن دماغ أحد القوارض. كانت هذه المسابر هي ما يقيس الإشارات الكهربائية التي تصدرها العصبونات، وتمثل سرعة وأنماط هذه الإشارات في المحصلة أساساً للحركة والتفكير واستعادة الذكريات.

شكل توضيحي لآلة الخياطة العصبية التجريبية، مع خوذة لتثبيت رأس المريض.
مصدر الصورة: ووك استوديو

خلال البث المباشر، ظهر ماسك بجانب نموذج تجريبي محدث من روبوت الخياطة، وذلك ضمن خوذة بلاستيكية ملساء بيضاء اللون. يعتقد ماسك أن مليارات المستهلكين سيضعون رؤوسهم طوعاً ضمن هذه الخوذة الجراحية يوماً ما، ويستسلمون لمنشار آلي سيحدث فتحة دائرية في عظام الجمجمة، وروبوت يغرس الأقطاب في الدماغ.

قامت شركة التصميم الصناعي ووك استوديو في فانكوفر ببناء هذا الهيكل ذي الطابع المستقبلي. ويقول المصمم الرئيسي في الشركة، أشفين ميهين، إنه حاول صنع هيكل خارجي “بسيط وعصري، وفي نفس الوقت يحمل مسحة ودية تجاه المستخدم”؛ حتى يُستخدم مع هذا العمل الذي يتضمن عملاً جراحياً طوعياً محتوم المخاطر.

بالنسبة لعلماء الأعصاب، فإن أكثر التطورات التي عرضت في البث المباشر إثارةً للاهتمام قد يكون ما أطلق عليه ماسك اسم “الوصلة”، وهي عبارة عن قرص بحجم عملة معدنية كبيرة يحتوي شرائح حاسوبية، وتقوم هذه الوصلة بضغط وبث الإشارات لاسلكياً التي تسجلها الأقطاب الكهربائية. تعادل سماكة الوصلة سماكة الجمجمة البشرية تقريباً، وقال ماسك إنها يمكن أن تتوضع على سطح الدماغ عبر فتحة مثقوبة في الجمجمة، ويمكن إغلاق الفتحة بمادة غروية شديدة الالتصاق.

قال ماسك: “قد يكون لدي نيورالينك داخل رأسي في هذه اللحظة دون أن تدروا بذلك”.

إيلون ماسك يحمل “الوصلة”، وهي جهاز دائري مليء بالشرائح الحاسوبية، خلال عرضه التجريبي. تقوم هذه الوصلة بجمع وبث الإشارات الدماغية لاسلكياً.

يمكن شحن الوصلة لاسلكياً عبر وشيعة تحريضية، وقد أشار ماسك إلى أنه يمكن للناس في المستقبل أن يبدؤوا عملية شحن زرعاتهم قبل أن يخلدوا للنوم. يعتقد ماسك أن الزرعة يجب أن تكون أيضاً سهلة التركيب والانتزاع، بحيث يحصل الناس على زرعات جديدة مع تطور التكنولوجيا؛ فلن يرغب أحد في أن تعلق زرعة دماغية من إصدار أولي في رأسه إلى الأبد. وفي الواقع، فإن تقادُم التجهيزات العصبية ضمن أجسام الأشخاص يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة للأبحاث الحالية.

تمتلك الزرعة التي تختبرها نيورالينك على الخنازير 1,000 قناة، ومن المرجح أنها ستحصّل قراءاتها من عدد مماثل من العصبونات. يقول ماسك إنه يسعى إلى زيادة هذا الرقم بمقدار “100، ثم 1,000، ثم 10,000 ضعف”، وذلك لتحقيق قراءة دماغية أكثر تكاملاً.

غير أن هذه الأهداف المتضاعفة على نحو هائل على الصعيد التكنولوجي لا تتوافق بالضرورة مع حاجات طبية بعينها. وعلى الرغم من مزاعم ماسك حول قدرة زرعاته على “علاج الشلل والعمى والصمم”، فإن المطلوب في أغلب الأحيان ليس مضاعفة عدد الأقطاب عشر مرات، بل المعرفة العلمية الكافية حول ما يؤدي إليه اختلال التوازنات الكهركيميائية في المقام الأول، مثل الاكتئاب.

وعلى الرغم من طول قائمة التطبيقات الطبية التي قدمها ماسك، فإن نيورالينك لم تثبت جاهزيتها للالتزام بأي منها. وخلال الحدث، لم تفصح الشركة عن أي خطط للبدء بالتجارب السريرية، الأمر الذي يُعد مفاجأة لمن اعتقدوا أنها الخطوة الطبيعية التالية.

ولكن ماثيو ماكدوجال، وهو جراح عصبي يعمل مع الشركة، قال إن الشركة تدرس تجربة الزرعة على المصابين بالشلل، على سبيل المثال، للسماح لهم بالكتابة على الحاسوب أو تشكيل الكلمات. غير أن ماسك ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، قائلاً: “أعتقد أنه يمكن، في المدى البعيد، استعادة القدرة الحركية للجسم بالكامل”.

ليس من الواضح مدى جدية الشركة في معالجة الأمراض على الإطلاق؛ فقد حاول ماسك طوال الوقت الابتعاد عن المواضيع الطبية والتركيز على “جهاز موجه للعموم” يحمل طابعاً مستقبلياً، وهو ما وصفه بأنه الهدف “العام” للشركة. ويعتقد ماسك أن الناس يجب أن يتصلوا بالحواسيب مباشرة من أجل مجاراة الذكاء الاصطناعي.

فقد قال: “على صعيد النوع البشري، من الأهمية بمكان أن نعرف كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي المتطور، حتى نحقق معه نوعاً من التعايش المشترك، بحيث يخضع المستقبل إلى الإرادة الجمعية لكل سكان الأرض. قد يكون هذا أهم شيء يحققه جهازٌ كهذا”.

ولكن ماسك لم يقل كيف يمكن للزرعات الدماغية أن تؤسس لهذا العقل العالمي الإلكتروني الجمعي. من يدري؟ قد يخبرنا في بث لاحق.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.