قد تقدم نظرية المعلومات فرصاً جديدة واعدة لتحسين إدراكنا عن البعد الفردي لتكويننا البشري، وما أحوجنا إلى مثل هذا في ظل الأزمة الحالية.

2020-04-28 13:50:27

28 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: فرجينيا تودورانسي عبر أنسبلاش

مع انتشار مرض كوفيد-19 حول العالم، الذي يسببه فيروس كورونا، ظهر واضحاً أن التعامل مع وباء معدٍ لا يجب أن يكون في إطار فردي. فقد تبين لنا جميعاً أن أحد أهم الأشياء التي ينبغي للمواطنين في كل بلد أن يقوموا بها هو تطبيق إجراءات مثل الابتعاد الاجتماعي والحجر الذاتي، حتى وإن كنا لا نشعر بأي توعك أو أعراض شديدة للمرض، وكل ذلك بهدف تسطيح المنحني، وهو المصطلح الذي يستخدمه علماء الأوبئة للتعبير عن إبطاء التطور الطبيعي لتفشي الوباء.

لا شك أن هذا يعني التحول من التفكير الفردي الذي يضع مصلحة الفرد قبل كل شيء، إلى التحلي بالروح المجتمعية التي تضع المصلحة الجماعية فوق كل اعتبار. وبطبيعة الحال، ليس من السهولة بمكان أن يترجم كل الناس مثل هذا التحول الجذري بشكل أو بآخر إلى سلوك يومي، خاصة في غياب الإرشادات التوجيهية العامة.

بل إن هناك عطالة أظهرتها بعض الحكومات من ناحية السياسة المتبعة في مواجهة الوباء مثل المملكة المتحدة، كما أظهرتها بعض المجتمعات لإحداث تحول ذاتي بمثل هذا المستوى من السلوك مثلما رأينا في كل من إيطاليا وإسبانيا. ولا شك أن هذه العطالة كانت تتعلق بشكل كبير بغياب خطاب مشترك عابر للحدود يفيد بأن الإجراء الصعب الذي يجب القيام به هو أن يحدّ كل واحد منا مما يفعله لكي يساعد الآخر، أو ربما ألا يفعل شيئاً على الإطلاق، وأن يبقى في المنزل أطول فترة ممكنة (حتى لو كان غير معلوم متى ستنتهي هذه المدة).

يقول أستاذ علم الاجتماع آرثر فرانك في كتابه الراوي المكلوم (The Wounded Storyteller) إن الجسم المريض ليس وحيداً، بمعنى أنه ليس وحدة بيولوجية مكتفية بذاتها، على الرغم من أن نظام الرعاية الصحية بشكل عام مبني على هذا التصور؛ حيث إن أسرّة المستشفيات فردية، ويعيش المريض إحساس العزلة بسهولة بمجرد دخوله في مرحلة الاستشفاء. لكن جسم المريض يرتبط بالآخرين، خاصة في حالات الأمراض المعدية، وتُظهر الأبحاث -على سبيل المثال- أن مرضى السكري يحققون نتائج أفضل عند التعامل مع أطباء متعاطفين معهم أكثر من نظرائهم الذين يعاملهم الأطباء بشكل فظ، فالجسم -وفقاً لمنظور فرانك- يمثل حالة من “الالتحام الاجتماعي”، لا مجرد وعاء نصب فيه فرديتنا المفرطة.

من جهته، يقول الشاعر والكاهن الإنجليزي جون دون الذي وُصفت مواعظه بأنها أفضل مواعظ القرن السابع عشر: “لا يوجد إنسان معزول عن محيطه وكأنه جزيرة قائمة بذاتها؛ فكل إنسان هو جزء من القارّة (النسيج الاجتماعي الكلي المحيط به)، إنه جزء من الكل… إن موت أي إنسان سينتزع بعضاً مني، لأنني متماهٍ في الجنس البشري، ولذلك لا ترسل أحداً لتستعلم من الذي تُقرع له أجراس الموت، فهي تُقرَع لك أنت”.

لا شك أن ظروف الحياة وثقافة مواجهة الأمراض على اختلاف البلدان التي نعيش فيها قد دفعتنا على مر السنين إلى الاعتقاد بأن العلاج من الأمراض يقع على عاتق الأفراد وحدهم، أكثر مما يقع على عاتق المجتمع؛ لكن كوفيد-19 شكل تذكيراً صارخاً بأن المجتمع ربما هو خط الدفاع الأول، وأن تناقل المعلومات الموثوقة للحد من الغموض بين أفراد المجتمع له دور حاسم في تعزيز مقومات الصمود. وهذا يحيلنا إلى التساؤل الذي من أجله أعددنا هذا المقال: كيف يمكننا تحسين إدراكنا لمفهوم الفردية من وجهة نظر المعلومات؟

فردية وأفراد

من المستحيل علينا أن نتخيل علم الأحياء من دون وجود مفهوم الأفراد؛ فهناك على سبيل المثال كائنات حية متواجدة على شكل أفراد، وخلايا نجدها على شكل أفراد، كما أن هناك جينات متواجدة على شكل أفراد. ولكن ماذا عن النملة العاملة التي لا تتكاثر على الإطلاق، والتي يستحيل عليها البقاء على قيد الحياة بعيداً عن المستعمرة؟ هل التريليونات من الكائنات الحية الدقيقة المتواجدة ضمن ميكروباتنا البشرية -والتي تفوق عدد خلايانا البشرية بشكل كبير- تشكل جزءاً من تكويننا الفردي؟

هنا يأتي دور باحثين من كل من معهد “سانتا في” بالولايات المتحدة، ومعهد فرانكفورت للدراسات المتقدمة، ومعهد ماكس بلانك للرياضيات في ألمانيا؛ حيث يرون أنه على الرغم من وجود فرضية قريبة من التعميم لتعريف الفردية في علم الأحياء، إلا أنه ليس هناك اتفاق واسع حول ماهية الأفراد، وهناك عدد قليل من الطرائق الكمية الصارمة التي تساعد على تحديد ماهيتها.

يشير الباحثون في الورقة البحثية إلى أن المشكلة مشابهة لتحديد ماهية شكلٍ ما بناءً على خلفيته (التي تظهر وراءه) في إحدى الرسومات المنسوبة للمدرسة الجشطالتية في علم النفس (Gestalt Psychology)، كما في الصورة الشهيرة التي يظهر فيها اثنان من الوجوه حيث ترسم خطوطهما الخارجية شكلَ إناء (ما يعرف بإناء روبن)، فإن النموذج الفردي من الحياة وبيئته المحيطة يكوّنان “كُلّاً” أكبر من مجموع أجزائه.

إناء روبن.
مصدر الصورة: ويكيبيديا

منظور نظرية المعلومات

يشير البحث إلى وجود طريقة لحل هذا اللغز يعود منشؤها إلى نظرية المعلومات (تهتم نظرية المعلومات بدراسة القياس الكمي للمعلومات وتخزينها ونقلها)؛ فبدلاً من التركيز على السمات التشريحية، مثل جدران الخلية، يبحث مؤلفو هذا البحث في المعلومات المنظمة التي تتدفق بين نظام معين والبيئة التي يتواجد فيها، حيث يزعمون أنه من الأفضل التفكير في الأفراد (الكيانات الفردية) من منظور العمليات الديناميكية، وليس باعتبارها أشياء ساكنة.

إن تعريف الفرد من منظور الأفعال يقوم على طرح السؤال التالي: ما العمليات التي تُنتج هويةً متمايزةً بذاتها؟ يشدد الفريق على أن هذا المنظور يسمح لمفهوم الفردية بأن يتصف بالاستمرارية بدلاً من أن يأخذ قيمة ثنائية (فرد أو جزء)، وأن يكون متداخلاً، وأن يتحقق على أي مستوى من المستويات. تقوم نظرية المعلومات الخاصة بمفهوم الفردية بوصف القوى (الكيانات العاملة) الناشئة على نطاقات مختلفة، ومع شبكات اتصال موزعة، كما هي الحال عند وصف النمل والمستعمرات في آن واحد على سبيل المثال.

إستراتيجيات موجّهة بالمعلومات

في الورقة البحثية، يستخدم المؤلفون نموذجاً يقترح 3 أنواع من الأفراد، يتوافق كل منها مع مزيج مختلف من التنظيم الذاتي والتأثير البيئي. إن تفكيك المعلومات على هذا النحو يطرح نطاقاً من التدرج يتراوح من الأشكال القائمة على مقومات بيئية بالكامل مثل الدوامات المائية، مروراً بالأشكال المستعمراتية القائمة على مقومات بيئية جزئياً، مثل الشعاب المرجانية وشباك العناكب، وصولاً إلى الأفراد العضوية التي تكونها البيئة المحيطة بها، ولكنها تتمتع بدرجة عالية من التنظيم الذاتي.

تمثل كل إستراتيجية مما سبق إستراتيجية لنشر المعلومات نحو المستقبل عبر الزمن، ما يعني أن الفردية تتعلق بالحد من الارتياب الزمني. وبالتالي يظهر التناسخ والتضاعف هنا كإحدى الإستراتيجيات العديدة المتاحة أمام الأفراد لطلب المعلومات في المستقبل، وهذا يمنحنا الحرية للتساؤل عن ماهية الدور الذي يلعبه التناسخ في تخفيض مستوى الارتياب الزمني من خلال تكوين المزيد من الأفراد. وهو سؤال قريب من التساؤل التالي: لماذا نبحث عن الحياة أساساً؟

ربما يكمن الأثر الأكبر لهذا العمل البحثي في الكيفية التي يضع بها المراقب في صميم نظرية التطور. تماماً كما يحدث في ميكانيك الكم؛ حيث تعتمد حالة النظام الكمي على عملية القياس، فإن عمليات القياس التي نسميها الاصطفاء الطبيعي تفرض الشكل المفضل للأفراد. وعندما نطرح السؤال التالي: من الذي يُجري عملية القياس هذه؟ فإن الإجابة التي نتوصل إليها تعتمد على ما يستطيع المراقب أن يراه.

في الختام

لا شك أن ما نواجهه بشكل استثنائي على مستوى بلدان العالم بسبب وباء فيروس كورونا، جعلنا نتلمس بوضوح كم نحن متباعدون كأفراد عن بعضنا لدرجة أن هناك من اعتقد أن الوباء لا يعنيه طالما أنه لم يَجتز حدود بلده، أو بلدته أو حتى حيّه السكني، وكم نحن متقاربون بشدة كأفراد لدرجة أننا صرنا (على امتداد الدول البعيدة عن الصين) نهتم بتجارب الدول التي طبقت إجراءات ناجحة مكّنتها من السيطرة على انتشار الوباء بشكل فعال (مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة)؛ لكي نُسهم في صمود مجتمعاتنا المحلية.

المرجع الأساسي: dx.doi.org/10.1007/s12064-020-00313-7
الكينونة الفردية من منظور نظرية المعلومات.