Article image
في الأعلى: صورة حقيقية لدوران الجزء المتحرك من المحرك الجزيئي مأخوذة عبر مجهر المسح النفقي. في الأسفل: محاكاة حاسوبية لبنية المحرك تظهر كيفية دوران جزأه المتحرك (باللون الرمادي).
مصدر الصورة: المختبر الفدرالي السويسري لعلوم المواد والتقنية (EMPA)



عرض باحثون في سويسرا محركاً يتكون من 16 ذرة يمكن التحكم به حرارياً وكهربائياً ويبدي خصائص تجمع بين الفيزياء الكلاسيكية والكمومية.

2020-06-24 17:03:03

24 يونيو 2020

عبر جهدٍ بحثيّ مشترك بين المختبر الفدرالي السويسري لعلوم المواد والتقنية (EMPA) والمعهد العالي التقني الفدرالي في لوزان (EPFL)، تم الكشف عن إنجازٍ علميّ وتقنيّ بارز: تصنيع أصغر محرّك في العالم، حيث تم تصنيعه من 16 ذرة مختلفة، في إنجازٍ هام من شأنه فتح أبواب جديدة في مجال تقنيات التصنيع النانوي ضمن الأبعاد الجزيئية والذرية.

المحرك عبارة عن جهاز تحويل طاقة؛ حيث يستقبل طاقة من مصدرٍ ما، ومن ثم يحوّلها إلى حركة. المحركات الكهربائية مبنية على استغلال طاقة التيار الكهربائي والحقل المغناطيسي الناتج عنه من أجل إنتاج حركة مفيدة. يمكن أيضاً استثمار الطاقة الحرارية من أجل تحريك الجزء الدوار من المحرك أو حتى طاقة الرياح. هذا المبدأ البسيط -أي القدرة على تحويل الطاقة من شكلٍ إلى آخر- هو تماماً ما عمل عليه الباحثون في سويسرا من أجل إنتاج محرّكهم الجزيئي فائق الصغر. أيضاً، وبشكلٍ مشابهٍ للمحركات الكهربائية التي نجدها حولنا كل يومٍ في العديد من التطبيقات، يتكون المحرك الجزيئيّ الجديد من قسمين أساسيين: الجزء الثابت والجزء الدوار. يؤمّن الجزء الثابت قاعدة تثبيت تضمن بقاء الجزء الدوار ثابتاً في محل غياب مصدر الطاقة الذي سيؤدي إلى توليد الحركة، كما أن تصميم الجزء الثابت يلعب دوراً في معرفة كمية الطاقة اللازمة من أجل تحريك الجزء الدوار، أي الطاقة اللازمة للتغلب على عطالة الجزء الدوار.

صمم الفريق المحرك الجزيئيّ الجديد بطريقةٍ تضمن حركة الجزء الدوار باتجاهٍ محدد، حيث استخدمت 6 ذرات بالاديوم و6 ذرات جاليوم لصناعة الجزء الثابت، وتم هيكلة كل منها لتأخذ شكل مثلث، ووضعت فوق بعضها البعض بشكلٍ متناظر بالنسبة لجهة الدوران، وبالنسبة للجزء الدوار فقد تم بناؤه من جزيء الأسيتلين الذي يتكون من 4 ذرات. يستطيع المحرك الجزيئي الجديد أن يدور ضمن 6 مواقع مختلفة ضمن هذه البنية.

فيديو قصير يظهر محاكاةً حاسوبية لبنية المحرّك وحركته.
مصدر الفيديو: قناة يويتوب للمختبر الفدرالي السويسري لعلوم المواد والتقنية (EMPA)

بالإضافة للحجم فائق الصغر، يتميز هذا المحرك بقدرته على تحويل الطاقة من مصدرين مختلفين؛ الحرارة والكهرباء. يمكن تزويد المحرك بالطاقة الكهربائية عبر تيارٍ يمر إليه من رأس مجهر مسح نفقي، الذي سيُساهم في تدوير الجزء المتحرك منه بشكلٍ موّجه، أي في اتجاهٍ واحد إما مع أو عكس عقارب الساعة، في حين أن تزويد المحرك بطاقةٍ حرارية سيؤدي لدورانٍ ذي جهةٍ غير محددة وبشكلٍ عشوائيّ وبترددٍ مرتفع يبلغ عدة ملايين الدورات في الثانية الواحدة. 

فضلاً عن كل ما سبق، وطبقاً للمشاهدات التي أجراها الباحثون حول سلوك المحرّك الجزيئيّ الجديد، فإنهم تمكنوا من رصد سلوكٍ يتبع قوانين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمية، وبشكلٍ أدق وبحسب تعبيرهم، فإن سلوك الحركة الخاص بهذا المحرّك يقع على الحافة ما بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمية.

بشيءٍ من التفاصيل، وجد الباحثون أنه يمكن الحصول على سلوكٍ حركيّ يمكن التنبؤ به للمحرك عندما يعمل عند درجة حرارة قدرها 17 كلفن (أي حوالي -256 درجة مئوية)، ولكن عند درجة حرارة أقل من ذلك رصد الباحثون حركةً موحدة الاتجاه للمحرك. كما رصدوا أيضاً بعض الظواهر الفريدة عند مراقبة المحرك، حيث تنص فيزياء الكم على أنه يمكن لجسيم تجاوز حاجزٍ ما حتى لو لم تكن طاقته الحركية أكبر من الطاقة العطالية للحاجز، وهو ما يعرف باسم التأثير النفقي الكمي (Quantum Tunneling)، وفي حالة المحرك، فإن هذا يعني أن الجزء المتحرك سيدور حتى لو لم تكن طاقته الحركية كافية لذلك، وهو ما حدث، ولكن الغريب أن المحرك حافظ على جهة حركة واحدة باحتماليةٍ مرتفعة قدرها 99% بخلاف التوقع النظريّ الذي يشير إلى أنه في هذه الحالة يجب أن تكون احتمالية الدوران بأحد الاتجاهين متساوية.

لا يزال الباحثون في مرحلة دراسة أسباب هذه الظواهر وتفسيرها، وأحد التفسيرات المقترحة حالياً هي حدوث فقدان طاقة أثناء الحركة “النفقية”؛ لأنه في حال عدم حصول فقدان للطاقة فإن جهة الدوران يجب أن تكون عشوائية بالكامل، ولكن طالما أنهم يحصلون على جهة حركة واحدة في كل الحالات تقريباً، فهذا قد يعني أن هنالك فقداناً للطاقة أثناء الحركة النفقية.

تم نشر ورقة بحثية حول المحرك الجديد والدور الذي يمكن أن يلعبه كأداة تحويل طاقة على المستوى الذري تجمع بين خصائص الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمية في مجلة “تقارير الجمعية الوطنية الأميركية للعلوم PNAS”.


شارك