Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر بيكسلز



تعتقد تيليباث أن بإمكانها أن تعيد صياغة التواصل الاجتماعي عبر حظر الأطراف المسيئة، ولكن الخبراء ليسوا متأكدين من نجاح هذا المسعى.

2020-10-13 13:08:36

13 أكتوبر 2020

في المدرسة المتوسطة والثانوية، قامت نورا تان بالانضمام إلى المنصات الثلاثة الكبيرة للتواصل الاجتماعي. وقد كان هذا أمراً طبيعياً لفتاة مثلها. تقول تان، وهي الآن مديرة منتجات في سياتل: “لقد كبرت في فترة شهدت الانطلاق الفعلي للتواصل الاجتماعي”. وتواصل: “سجلت حساباً على فيسبوك في 2009، وعلى إنستقرام في 2010، وعلى تويتر عندما كنت في الثانوية”.

ولكن عندما أصبحت تان في الجامعة، بدأت تشكك في صواب قرارها. وتقول: “لقد فكرت في الأسلوب الذي يجب أن يطبق في مراقبة المحتوى، وكيف يتم استغلاله في الحملات السياسية ولتحقيق بعض الأهداف”. شعرت تان بالقلق إزاء ما اكتشفته؛ فحذفت حسابها على تويتر، واستخدمت إنستجرام فقط لمتابعة الحسابات الخاصة بأصدقائها المقربين والمناظر الطبيعية، واستخدمت امتداداً لمتصفح كروم بحيث تتلقى إشعارات من أصدقائها فقط عندما تكتب كلمة Facebook في محرك البحث.

ولهذا، اتخذت موقفاً “متهكماً للغاية” عندما تلقت دعوة من أحد الأصدقاء إلى المشاركة في اختبار خاص أولي لمنصة جديدة للتواصل الاجتماعي، تيليباث (Telepath)، في مارس من عام 2019. وكانت تشعر على وجه الخصوص بالكثير من الشكوك؛ نظراً لكونها امرأة ذات بشرة غير بيضاء تعمل في القطاع التكنولوجي. ولكن، وبعد 18 شهراً، أصبحت هذه المنصة الوسيلةَ الوحيدة للتواصل الاجتماعي لدى تان.

شارك مارك بودنيك، وهو رئيس سابق لموقع كورا (Quora)، في تأسيس تيليباث، وهو ما يبدو واضحاً في هيكلية هذه المنصة التي تذكر بهيكلية موقع كورا ببعض الطرق. يعمل هذا التطبيق بسياسة الانضمام بعد توجيه الدعوة إلى المستخدم فقط، ويسمح للمستخدمين بمتابعة أشخاص أو مواضيع. تجمع الحوارات ما بين سرعة تويتر وميزة التلاشي لمنشورات سناب تشات.

قد لا يبدو هذا مثيراً للاهتمام إلى هذه الدرجة، غير أن النقطة التي تركز عليها تيليباث لتسويق نفسها هي وجود فريق لمراقبة المحتوى ضمن المنصة، ويقوم هذا الفريق بفرض طابع اللطافة على الجميع، كما أن المستخدمين ملزمون بعرض أسمائهم الحقيقية.

تهدف سياسة أسماء المستخدمين في تيليباث إلى تركيز جهود فريق مراقبة المحتوى على مكافحة الإساءات، بدلاً من إضاعة الوقت والجهد في ملاحقة الحسابات مؤقتة الاستخدام. كما أنها تضفي طابعاً إنسانياً على الحوار. تقول تاتيانا إستيفيز، وهي مديرة المجتمع والأمان في المنصة: “نطلب من المستخدمين أرقام هواتف حقيقية مع عملية مصادقة، بحيث لا يكون مجرد رقم مؤقت على جوجل فويس. وعادة ما تكون الحسابات الوهمية المتعددة أهم منبع لأقذر وأسوأ الممارسات على المنصات الأخرى”.

 

أثارت هذه السياسة منذ الآن بعض الانتقادات من المراقبين الذين يشعرون أنها قد تشكل خطراً على النساء والمجموعات المهمشة.

يقول ناثان ماتياس، وهو أستاذ جامعي ومؤسس مختبر المواطن والتكنولوجيا في جامعة كورنيل: “هناك اعتقاد واسع الانتشار بأن استخدام الاسم القانوني في البيئات الاجتماعية سيدفع بالناس إلى تحسين سلوكهم، لأن الآخرين يستطيعون تحديد هويتهم، وهو ما قد يعني وجود عواقب اجتماعية لأفعالهم. وعلى الرغم من وجود بعض الأدلة المبكرة التي تدعم هذا الاعتقاد في بداية الثمانينيات، فإن هذه الأدلة لم تشمل مجموعات متنوعة من الأشخاص، كما أنها لم تأخذ بعين الاعتبار الحالة التي وصلت إليها الإنترنت اليوم بالنسبة للناس”.

وفي الواقع، فإن الكثيرين ممن يستخدمون أسماء مستعارة ينتمون إلى مجموعات أكثر تهميشاً وعرضة للمشاكل، ويفعلون هذا تجنباً للمضايقات أو استغلال المعلومات الشخصية لأهداف خبيثة.

يمثل استخدام المعلومات الشخصية على الإنترنت لأهداف خبيثة، مثل التهديد والمضايقات، مسألة خطيرة يمكن أن تصل إلى التهديد المباشر للأرواح بالنسبة للكثير من المهمشين، وقد كانت بالنسبة لهم مصدر قلق وإزعاج متواصل على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، وقد تعرضت هذه المنصات للكثير من الانتقادات بسبب عدم تأمين الحماية لهذه المجموعات، على الرغم من أن كلتا المنصتين حاولتا إصلاح الوضع لاحقاً، وذلك بحذف التغريدات التي تروج للمعلومات الخاطئة، على سبيل المثال. تقول إستيفيز إنها، وعلى الرغم من “تعاطفها الشديد” مع هذه المسألة، وعلى الرغم من أن المتحولين جنسياً يُسمح لهم باستخدام الأسماء والضمائر التي يختارونها بأنفسهم، فإن التعريف المرتبط بثنائية الهاتف والاسم وهيكلية الاشتراك بالتطبيق المقتصر على توجيه الدعوات أمران ضروريان لمنع الإساءات.

هذا الخوف من ثقافة العدائية تجاه الآخرين ينبع من أسس واقعية وحقيقية، وعلى سبيل المثال، فإن تطبيق التواصل الاجتماعي الذي يعتمد على الصوت بشكل أساسي، كلوب هاوس -الذي يستخدمه الكثيرون من ذوي الصلات بوادي السيليكون- انطلق في وقت سابق من هذه السنة ونال الكثير من الإعجاب والاستحسان، غير أنه انحدر بسرعة متحولاً إلى بيئة سامة معادية للنساء، بشكل مماثل لما نشهده في كل ركن من الإنترنت. وقد تعرض منذ فترة قريبة إلى انتقادات حادة تتهمه بمعاداة السامية.

حتى الآن، تتكون أغلبية مستخدمي تيليباث من العاملين في وادي السيليكون والصحافيين، وغيرهم من ذوي التأثير خارج نطاق التطبيق. إنه ليس بجمهور متنوع، وتقول إستيفيز إن فريق المنصة يدرك ذلك. وتقول: “لا يقتصر الأمر على مجرد دعوة الناس، كما لا يقتصر على مجرد دعوة النساء وذوي البشرة السمراء، بل يهدف إلى بناء تجربة جيدة للنساء وذوي البشرة السمراء، بحيث يستطيعون أن يتعرفوا على أمثالهم، من دون التعرض إلى التقريع الذكوري أو التصرفات العدوانية المتكررة”.

إنه توازن حساس؛ فمن جهة، نجد أن الالتزام بسياسة الاقتصار على المشتركين المدعويين -في هذا المجتمع المكون من ذوي الأفكار المتشابهة- يسمح للمنصة بالتحكم في عدد المنشورات والأعضاء الواجب مراقبتهم. ومن جهة أخرى، يمكن لهذه البيئة أيضاً أن تصبح مرتعاً للأفكار المكررة التي لا تتحدى المعايير السائدة، ما يبطل الهدف الأساسي من الحوار في المقام الأول، ويمكن أن يؤدي إلى تعامل عدائي مع أي شخص من الخارج.

تقول تان، وهي من أوائل المستخدمين، إن الأشخاص الذين تتعامل معهم يمكن تصنيفهم من دون شك ضمن فئة معينة، فهم يساريو التوجه وذوو ميول تكنولوجية. وتضيف، مشيرة إلى مؤسسي المنصة: “تمت إضافة أوائل المستخدمين من قبل مارك بودنيك أو ريتشارد هنري. ولهذا، نجد نسبة كبيرة من المختصين في مجال التكنولوجيا”. وعلى الرغم من هذا، تقول تان إن الحوارات على التطبيق متنوعة وواسعة المجالات، وقد شكل لها “مفاجأة سارة” أن لمست عمق النقاشات الجارية.

وتضيف: “يمكن لأي موقع للتواصل الاجتماعي أن يتحول إلى مرتع للأفكار المكررة، وذلك وفقاً لمن تتابع”.

وفي المحصلة، تجد تيليباث نفسها في موضع تجاذب بين عوامل متضاربة: فهل يمكن تشجيع حوارات حيوية وراقية في نفس الوقت على المنصة من دون أن تتحول إلى كراهية وإساءات؟ يفترض معظم المستخدمين أن التواجد على الإنترنت يقتضي تلقي مقدار ما من الإساءة، خصوصاً بالنسبة للنساء والمجموعات المهمشة. ولكن، يفترض ألا يكون الوضع كذلك في الحالة المثالية.

يتعين على المنصات أن تلتزم بالعمل على مكافحة الإساءة، لا أن تكتفي بتقديم دعم شكلي حول “اللطافة”، كما تقول سيترون. وتضيف: “غالباً ما تطلق الشركات منتجاتها في المرحلة التجريبية، ومن ثم تبدأ بالتفكير في الآثار السلبية، غير أن الأوان يكون قد فات وانتهى الأمر. وللأسف، هذه هي قصة الإنترنت بأكملها” هذه هي الحالة الشائعة، ولكن قد يمكن تغيير هذا الأمر.

مصدر الصورة: تقدمة من تيليباث

أمضت إستيفيز سنوات كمراقبة محتوى تطوعية في كورا، قبل قيادة فريق مراقبة المحتوى، وقد نقلت الشعار الأساسي لمحتوى كورا إلى تيليباث، الذي يقول: كن لطيفاً، كن محترماً. وتقول: “يستجيب الناس بشكل ممتاز للمعاملة الجيدة، وتبدو عليهم السعادة، وينجذبون بشكل واضح إلى المجموعات والأماكن التي تتيح لهم قول ما يشاؤون من دون التعرض للسخرية”.

أبدى فريق تيليباث دقة عالية في استخدام مصطلحات محددة لتوضيح هذه الفكرة. يقول بودنيك: “لقد اتخذنا قراراً باستخدام كلمة (لطف) بدلاً من كلمة (تحضُّر)؛ لأن كلمة (تحضّر) توحي بوجود قاعدة لها حد معين يمكن الوصول إليه دون أن يتم انتهاكها، كأن تقول (إنك فضولي) أو (أنت تكثر من الأسئلة) وحسب”، أما اللطافة، فنعتقد أنها وسيلة جيدة لتوصيف النية الطيبة، ومحاولة تصديق بعضنا البعض، وعدم الدخول في خصومات شخصية. نأمل بأن قدرتنا على إجراء هذه التقييمات ستجتذب المستخدمين”.

تقول دانييل سيترون -وهي أستاذة قانون في كلية القانون بجامعة بوسطن، ولديها مؤلفات حول مراقبة المحتوى، وتقدم استشارات لمنصات التواصل الاجتماعي- إن المنصات كانت على مدى تاريخها تفضل عدم فرض قواعد أساسية لسلامة المستخدمين، ناهيك عن فرض اللطافة. تقول سيترون: “ليست اللطافة بالفكرة السيئة”.

 

“غير أنها أيضاً غامضة جداً وبعيدة للغاية عن الموضوعية، خصوصاً عندما تتطلب حماية البعض أحياناً انتقاد البعض الآخر. إن التشكيك في وجهة نظر ما، حتى بطريقة قد تبدو ناقدة أو غير لطيفة، أمر ضروري في بعض الأحيان”؛ حيث يتوجب إبلاغ من يرتكبون إساءات صغيرة متكررة بالمشكلة التي تتسبب فيها أفعالهم. كما يتوجب التعامل مع من يكرر مصطلحاً مسيئاً بشكل مباشر، وتوعيته بالخطأ الذي يرتكبه. تمر الولايات المتحدة بسنة انتخابية شهدت أحداثاً عرقية غير مسبوقة منذ السبعينيات، إضافة إلى وباء كاسح يأتي مرة واحدة كل جيل، وانتشار رهيب للمعلومات المزيفة بشكل زاد من الآثار السلبية لهذا الوباء، ولهذا قد تكون اللطافة غير كافية.

كيف ستحل تيليباث هذه المعضلة؟ هذا من اختصاص فريق مراقبة المحتوى في المنصة، الذي يتلخص عمله بفرض “اللطافة” على المنصة.

لن تكون هذه مهمة سهلة بالضرورة. فلم نبدأ باستيعاب الآثار السلبية لمراقبة المحتوى إلا منذ وقت قريب، وذلك بفضل سلسلة من المقالات من كيسي نيوتن الذي كان يعمل في موقع ذا فيرج، والذي كشف الظروف الصعبة التي يرزح تحتها مراقبو المحتوى، الذين يعملون وفق عقود تعود عليهم بالحد الأدنى من الأجور. وحتى لو حصل هؤلاء العاملون على أجور أفضل، فإن المحتوى الذي يتعامل معه الكثيرون منهم مدمر بلا شك. يقول ماتياس: “ما زال المجتمع يحاول التوصل إلى طريقة تجعل إدارة المحتوى أسهل بالنسبة للبشر”.

وعند سؤال إستيفيز عن هذه المسائل، أكدت على أن مراقبة المحتوى في تيليباث ستكون “شاملة” وأن هذا العمل سيكون أقرب إلى حياة مهنية حقيقية. وتقول: “نحن لا نبحث عن أشخاص للقيام بهذا العمل لبضعة أشهر ومن ثم المغادرة. وليس لدي مخاوف كبيرة”.

يعتقد منظمو تيليباث أن نموذج الاقتصار على الدعوة سيساعد في هذه المسألة، ومن الجدير بالذكر أن المنصة تدعم حالياً ما يقارب 3000 شخص. تقول إستيفيز: “سنجعل بيئة المنصة أفضل بالنسبة لنا، وذلك بالحد من نموها إلى درجة ما”.

ولكن هذا النموذج يطرح مشكلة أخرى. يقول ماتياس: “يمثل التنوع واحدة من أكثر المشاكل انتشاراً في الكثير من المنصات التي تم إطلاقها في الولايات المتحدة. فإذا بدأت بمجموعة غير متنوعة، يمكن أن تنتشر في الشبكة ثقافات لا ترحب بالمهمشين، بل تتعامل معهم بعدائية أحياناً”.