أفضت أبحاثه لتطوير تطبيقاتٍ واستخداماتٍ مبتكرة وأصيلة للإشارات اللاسلكية، مثل الرؤية عبر الجدران والتحسس اللاسلكيّ تحت الماء.

Article image
مصدر الصورة: جامعة إم آي تي

توطئة: العلم، وتحويل الخيال لحقيقة
عندما أراد فاضل أديب إلقاء مُحاضرةٍ ضمن منتديات TEDx الشهيرة ليشرح ما أنجزه بمجال الاتصالات اللاسلكية، بدأ حديثه وبشكلٍ غريب عن الأبطال الخارقين وما يمتلكونه من قدراتٍ قد تبدو لنا اليوم مُستحيلة، مثل الإبصار خلف الجدران، إلا أنه عبر مُحاضرته ومن خلال سردٍ مُبتكر بعيدٍ عن التّعقيد، وضّح كيف يُمكن استغلال العلم لتحويل الخيال لحقيقة: لقد تمكن مع زملائه في جامعة إم آي تي من تطوير أول نظامٍ يُتيح مُشاهدة الأشخاص خلف الجدران. وفي مقابلةٍ أخرى مع مجلة IEEE Spectrum الشهيرة، ختم فاضل أديب المُقابلة بشرحٍ مُقتضب حول الاتجاهات المستقبلية للتقنيات اللاسلكية، حيث يعتقد أنه ينبغي علينا التفكير في قُدرات الأبطال الخارقين لنعرف ما الذي ستوفَره لنا التقنية غداً. 

مسيرة فاضل أديب هي قصة نجاح رائعة لشابٍ تمكن خلال فترةٍ زمنية قصيرة وبعمرٍ صغير من حفر اسم مرموقٍ في مجال علوم الاتصالات والحاسب، وآمن بأن القدرات الخارقة التي نقرأ عنها في قصص مارفيل ليست سوى أمورٌ لا نفهمها اليوم، وأنه باستخدام العلم سنستطيع الحصول عليها غداً. 

النشأة والدراسة
ولد فاضل أديب سنة 1989 في مدينة طرابلس اللبنانية، حيث نشأ وتلقى تعليمه المدرسيّ. انتقل بعد ذلك إلى مدينة بيروت ليدرس هندسة الاتصالات والحواسيب في الجامعة الأميركية وحصل منها على شهادة الإجازة سنة 2011، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية ليتابع تعليمه العالي ويحصل على شهادة الماجستير من جامعة إم آي تي سنة 2013 وأتبعها بشهادة الدكتوراه سنة 2016 باختصاص الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسب. 

يعمل فاضل أديب حالياً أستاذاً مُساعداً في جامعة إم آي تي ضمن مختبر الوسائط المتعددة MIT Media Lab، كما أنه مؤسس ومدير مجموعة بحثية في مجال حركية الإشارات Signal Kinetics. تشمل المجالات البحثية التي يركز عليها البروفيسور أديب وفريقه البحثيّ تمييز وتفسير الإشارات اللاسلكية Wireless Perception، والشبكات والحساسات مع توّجهٍ في تطبيقات إنترنت الأشياء في أوساط تحت البحار Subsea IoT، والطب الرقميّ والتحسس الدقيق للأنظمة الروبوتية، وذلك اعتمادًا على أدواتٍ وتقنياتٍ من مجالات الشبكات الحاسوبية، ومعالجة الإشارة، وتعلم الآلة وتصميم العتاد.

العمل البحثيّ والأكاديميّ
لم ينتظر فاضل أديب حتى انتهاء تحصيله العلميّ ليترك بصمته، فقد تمكن عبر أطروحة الدكتوراه الخاصة به من تقديم تقنيةٍ فريدة تمثلت بالقدرة على استغلال إشارات الاتصال في معيار واي فاي من أجل الإبصار والرؤية عبر الجدران. تعود القصة لعام 2012 عندما بدأ فاضل أديب بالعمل تحت إشراف البروفيسورة دينا القتابي بهدف تحسين تدفق البيانات باستخدام معيار واي فاي. لاحظ فاضل أديب ومُشرفته بذلك الوقت وجود ضجيجٍ ناتجٍ عن تواجد أشخاص آخرين أثناء إجرائهم لتجاربهم، وبدلاً من التركيز على إزالة الضجيج، تم طرح تساؤلٍ أدى لاحقاً إلى تحقيق إنجازٍ هام: ماذا لو تم العمل على تفسير الضجيج نفسه؟ بمعنى آخر، لماذا لا يتم العمل على تحديد ماهية مصادر الضجيج، بحيث تصبح مصدراً جديداً للمعلومات يوّفر إدراكاً جيداً حول البيئة المُحيطة؟ هل يمكن استخدام جهاز يعمل بمعيار واي فاي ومن ثم توجهيه لحائط ومعرفة ما إذا كان أحدهم موجوداً ويتحرك خلف الحائط؟ 

تم إنجاز هذا الأمر سابقاً باستخدام الأمواج الراديوية وتقنياتٍ مُعقدة جداً تتطلب وجود شبكةٍ كبيرة من الهوائيات، ولكن ما أراده فاضل أديب هو أمرٌ آخر: استخدام جهاز واي فاي بسيط -كجهاز التوجيه (الراوتر) المُستخدم في المنازل– لتنفيذ هذه المهمة، وهذا ما تم، فعبر استخدام شبكةٍ بسيطة من مُرسلات ومستقبلات إشارات واي فاي، قام فاضل أديب ومشرفته بإجراء تجارب مكثفة تضمنت إرسال إشارةٍ من جهازٍ متوضعٍ في غرفة بعد توجيه الجهاز للحائط المقابل، ومن ثم قياس الإشارة المرتدة والناتجة عن ارتطام الإشارة الأصلية بالأجسام والأشياء المتواجدة في الغرفة المقابلة.

أكبر المشاكل هنا تمثلت في الضجيج الناتج عن ارتطام الإشارة المرسلة بالجدار المقابل، حيث تمثّل الجدران أكبر مصدر تخميدٍ للإشارات اللاسلكية أثناء انتشارها من غرفةٍ إلى أخرى، كما أنها تجعل من عملية تحديد أيّ ارتدادٍ للإشارة من أجسام في الغرفة المقابلة خلف الجدار أمراً صعباً. لهذا السبب قام فاضل ومُشرفته أولاً بعزل ضجيج الجدران في الإشارة المرتدة، ومن ثم تحديد الإشارات المُرتدة عن الأجسام المتوضعة خلف الجدار. وعبر استخدام مبدأ التّعديل المُستمر للموجة الترددية (الذي يقوم بقياس المَسافات عبر ملاحظة الفرق في تردد الإشارات المُرسلة والواردة)، تمكن فاضل من تحديد وجود شخصٍ خلف الجدار، بل حتى مكانه ضمن الغرفة نفسها. 

بهذه الصورة، تمكن فاضل أديب والفريق البحثيّ الذي يعمل ضمنه من توفير نظامٍ قادرٍ على تحديد وجود أشخاصٍ في غرفةٍ مجاورة عبر استخدام تقنيةٍ متواجدة في كل منزل، وهي الاتصال اللاسلكيّ عبر معيار واي فاي. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تابع فاضل والفريق عملهم لتطوير التقنية لتكون قادرةً على تشكيل صورةٍ ظليلة للإنسان المتواجد خلف الجدار، وذلك اعتماداً على فكرة أن أعضاء الجسم المُختلفة ستقوم بتوليد انعكاساتٍ مُتباينة للموجات اللاسلكية القادمة إليها. القدرة على تشكيل صورةٍ ظليلة تظهر شكل الإنسان وأعضاؤه الأساسية قادت لتطوير نظامٍ قادر على التعرّف على بعض المُحددات الحيوية مثل التنفس ونبض القلب؛ حيث استثمر فاضل بعض الخصائص الميكانيكية الحيوية المرتبطة بعمل عضلة القلب وربطها بتفاعل الإشارات اللاسلكية معها: عندما يقوم القلب بضخ الدم إلى الجسم سيتم توليد قوى تؤدي لاهتزاز أعضاء الجسم المختلفة، وعلى الرّغم من أن هذه الحركة صغيرة جدًا، إلا أنهم تمكنوا من استخلاصها من البيئة عالية الضجيج المحيطة بها، ومنها كانوا قادرين على استنباط مُحددات حيوية هامة مثل نبض القلب والتنفس. توّفر هذه التقنية وسيلة مراقبة فعالة في العديد من التطبيقات الطبية، مثل مراقبة حالة الأطفال حديثي الولادة في المستشفيات أو حتى المنازل، بدلاً من الاعتماد فقط على تقنيات المراقبة الفيديوية التي قد لا توفر معلوماتٍ فعالة حول الحالة الحيوية. 

دفعت الإنجازات السابقة فاضل وفريقه لطرح سؤال آخر: إن كانت تقنيتهم قادرة على معرفة بعض المحددات الحيوية كالنبض والتنفس، وعلى اعتبار أن الحالة النفسية للإنسان ترتبط بشكلٍ وثيق بمحدداته الحيوية، هل سيكون بالإمكان معرفة مشاعر الشخص عبر استخدام إشارات واي فاي؟ هذا السؤال كان الدافع للإنجاز الجديد الذي تمثّل في تطوير نظامٍ قادرٍ على التعرّف على الحالة النفسية للأشخاص عبر تحليل متقدم ومعقد للإشارات اللاسلكية المرتدة عنهم، فقد تمكن فاضل أديب من استخلاص تغيراتٍ من رتبة المللي ثانية بين المجالات المختلفة لنبض القلب، حيث يتغيّر نبض القلب بحسب الحالة النفسية للفرد، وبالتالي عند النظر لقيم نبضات القلب طوال فترةٍ زمنية ما، فإنه يمكن تقسيمها لمجالاتٍ مُختلفة تُمثل كلٍ منها حالةً نفسية معينة. عند مراقبة التغيرات في نبض القلب وانتقاله مثلاً من ترددٍ بطيء إلى ترددٍ سريع سيكون بالإمكان معرفة الحالة النفسية للفرد. الخطوة التالية كانت تطوير خوارزمية مبنية على طرق تعلم الآلة تقوم بتصنيف الأفراد بحسب حالتهم النفسية إلى أربع أصناف: حزن، وغضب، وسرور، وفرح. وقد أظهرت النتائج دقةً كبيرة، حيث تمكنت التقنية من تحديد مشاعر الأشخاص بشكلٍ صحيح في 87% من الحالات عندما تم إجراء عمليات التدريب والاختبار على نفس الأشخاص، وبلغت الدقة 73% عندما تم إجراء عمليات التدريب والاختبار على أشخاصٍ مختلفين. 

بعد إنهائه لأطروحة الدكتوراه بما تضمنته من إنجازاتٍ هامة بمجال الاتصالات اللاسلكية، انضم فاضل أديب لجامعة إم آي تي ليعمل باحثاً ضمن مختبر الوسائط المتعددة ويُؤسس مجموعة بحثية جديدة ستُساهم في تطويراتٍ كبيرة بمجال الاتصالات اللاسلكية، ولكن ضمن عالمٍ آخر: الأوساط المائية. المُعضلة الأساسية التي أراد فاضل أديب إيجاد حلٍ لها هي مشاكل التواصل بين الأجهزة تحت الماء والعالم الخارجيّ، إذ إنه يمكن تأمين اتصال تحت الماء عبر استخدام الأمواج الصوتية وتقنية السونار، إلا أن هذه الأمواج غير قادرة على الانتشار في الهواء، وبشكلٍ مُشابه، لن تستطيع الأمواج اللاسلكية النفاذ ضمن الماء. أولى إنجازات فاضل أديب كانت بتطوير نظامٍ يقوم بتفسير إشارات السونار المُرسلة من الأجهزة المتواجدة تحت سطح الماء. عند وصول إشارة السونار إلى سطح الماء سيتشكل اهتزاز يتم التقاطه من قبل الجهاز على السطح ومن ثم تفسير الاهتزاز لفهم الرسالة المرسلة. 

قاد هذا العمل لإنجازٍ آخر تمثل بتطوير أول نظام تواصل يعمل من دون بطارية في الماء، يتألف من مرسلٍ للأمواج الصوتية ومستقبلٍ يعتمد على حساسٍ كهروضغطي. يُساهم هذا النظام في توفير حلٍ لمُشكلة متطلبات الطاقة العالية التي تتطلبها الحساسات العاملة تحت الماء، حيث اعتمد التصميم الجديد الذي قدمه فاضل أديب على استغلال خاصية البلورات الكهروضغطية التي تولد شحناتٍ كهربائية عند حدوث تغيرٍ في بنيتها، وبالتالي عند استقبال إشارةٍ صوتية فإن بنية البلورة ستتغير، مما يؤدي لتشكل شحنةٍ كهربائية، وهو ما يمكن ترميزه على أنه واحد منطقي، بينما في حال كانت البلورة تُخزن طاقة كهربائية واستقبلت إشارةً صوتية، فإن الطاقة المُخزنة ضمنها ستستخدم لتوليد إشارةٍ (موجة) صوتية، وهو ما يمكن ترميزه على أنه صفر منطقيّ. 

استخدام المنطق الثنائيّ المبنيّ على الأصفار والواحدات هو أساس عمل الحواسيب في معالجة الإشارات وكل شيء من حولنا، وبالتالي سيكون هذا النظام الجديد قادراً على تحسس معلوماتٍ مُختلفة وإرسالها باستهلاكٍ مُنخفضٍ جدًا للطاقة. قام فاضل أديب وفريقه بتجريب النظام الجديد وتمكنوا من إرسال البيانات الرقمية بمعدل 3 كيلوبت بالثانية من حساسين مُختلفين وبنفس الوقت عند مسافةٍ قدرها 10 أمتار بين المرسل والمستقبل. بهذه الصورة، سيكون بالإمكان استغلال النظام الجديد في الدراسات البيئية وجمع البيانات من البحار والمحيطات لتوفير فهمٍ أفضل للعديد من القضايا الملحة، مثل التغير المناخيّ وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات. 

إنجازات وتكريمات
تم اعتبار أبحاث البروفيسور أديب في مجال الرؤية عبر الجدران واحدةً من 50 طريقة ساهمت بها جامعة إم آي تي في تطوير علوم الحاسب، وتم استخدام الطرق التي طوّرها بمجال التحسس اللاسلكيّ في مجال الدراسات الطبية ضمن أكبر المُستشفيات في الولايات المتحدة الأميركية. حصل البروفيسور أديب على جائزة مبتكرون دون 35، وجائزة مجلة فوربس لأفضل 30 مُبتكراً تحت سن 30، وجائزة المنظمة الوطنية للعلوم في أميركا للسيرة المهنية المُتميزة NSF Career Award، وجائزة الباحث الشاب من مكتب الأبحاث البحرية ONR Young Investigator Award عن أبحاثه في مجال الاتصالات اللاسلكية عبر أوساط الماء والهواء. 

عرض فاضل أديب وفريقه نتائج عملهم المُرتبط بتقنية الرؤية خلف الجدران على الرئيس الأميركي باراك أوباما سنة 2015، وتلقى جائزة أفضل ورقة بحثية في مؤتمر سيجكوم SIGCOMM عن تطوير نظام التواصل ضمن الماء غير المُعتمد على البطاريات.