ساهمت دراسته للطب ومن ثم التاريخ في تسليط الضوء على جانبٍ مهمل من تاريخ العصور الوسطى.

Article image
مصدر الصورة: موقع كلية اللاهوت في جامعة هارفرد

توطئة: الحاجة لإعادة فهم التاريخ
عند الحديث عن الرّفاهية التي نمتلكها اليوم بفضل التطور العلميّ والتقنيّ فإن الفكرة الأولى التي تتبادر للأذهان هي أسماء العلماء والتقنيين الذين عاشوا في أوروبا -ولاحقاً أميركا- خلال فترة التنوير والنهضة العلمية. وفي حين أن لا جدل على دورهم الكبير فيما وصلت إليه البشرية من تقدمٍ اليوم، إلا أن هنالك حلقةً مفقودة في السياق التاريخيّ المُرتبط بتطور العلوم: أثر الحركة العلمية التي ازدهرت خلال فترة الحضارة الإسلامية. حتى حين يُذكر دور علماء الحضارة الإسلامية في تقدم العلوم الحديثة، فإن التركيز ينصب دوماً على سيرتهم العلمية دون التطرّق للجوانب الاجتماعية والدينية الأخرى التي لعبت أيضاً دوراً هاماً في تبلوّر سلوكياتهم ونتاجهم. 

يتطلب فهمنا للتاريخ إدراكاً دقيقاً لكافة النواحي المرتبطة به، وعندما نريد فهم كيفية ظهور الممارسات والاكتشافات العلمية فإن الأمانة تفرض علينا إحاطةً أفضل بالظروف السائدة ضمن الحقبة التاريخية التي ظهرت بها الاكتشافات وعاش ضمنها العلماء. في عالم اليوم، يبرز اسم الباحث المصري-الأميركي أحمد رجب كأحد الذين يُعيدون تسليط الضوء على فترة العصور الوسطى والحضارة الإسلامية، وأثر الإسلام كدينٍ وثقافة على المُمارسات والاكتشافات الطبية في تلك الفترة، بما أفضى لتقديم صورةٍ أفضل لنا عن العوامل التي ساهمت في تطور هذه العلوم وانتقالها لاحقاً لأوروبا، ونشوء فترة التنوير والنهضة العلمية، مروراً بالثورة الصناعية، ووصولاً لعصرنا الرّقمي الحاليّ. 

الدراسة والتحصيل الأكاديمي
ولد أحمد رجب ونشأ في القاهرة، عاصمة مصر، ودرس فيها حتى حصوله على درجة الإجازة في الطب البشريّ من جامعة القاهرة عام 2005، ومن ثم تابع دراساته العليا في فرنسا ليحصل على درجة الدكتوراه عام 2010 من الجامعة الفرنسية للعلوم المُتقدمة باختصاصٍ في مجال التاريخ، وفلسفة العلم والتاريخ الإسلاميّ. 

انتقل الدكتور رجب عام 2011 ليعمل في جامعة هارفارد الأميركية العريقة ضمن كلية اللاهوت أستاذاً مُساعداً، وليقوم عام 2012 بافتتاح المساق الدراسيّ الجديد “العلم، والدين والثقافة” الذي لا يزال يديره حتى يومنا هذا. خلال فترة عمله بجامعة هارفارد قام رجب بإصدار مجموعةٍ من الكتب والأبحاث الأصيلة التي تتمحور حول قضايا تاريخ العلم في فترة العُصور الوسطى وتأثّر المُمارسات الطبية ونظم الرعاية الصحية بالثقافة الدينية السائدة آنذاك. علاوةً على ذلك، اهتم الدكتور رجب بالبحث في القضايا المُرتبطة بالاختلافات الجنسية والمفاهيم الجنسية في العصور الوسطى والحقبة الحديثة للشرق الأوسط، ودراساتٍ مُرتبطة بالعلم والدين في حقبة ما بعد الاستعمار. 

أهم الكتب والمنشورات
صدر للدكتور رجب عدة كتب ومنشورات في مجال تاريخ العلوم الطبية إبان فترة العصور الوسطى والحضارة الإسلامية، إلا أن كتابه “المُستشفى الإسلامي في العصور الوسطى: الطب، والدين والأعمال الخيرية The Medieval Islamic Hospital: Medicine, Religion and Charity” الصادر عن جامعة كامبريدج عام 2015 هو أشهر ما قدّمه في هذا السياق. يُعتبر هذا الكتاب أول دراسةٍ مُعمقة تتطرق لتاريخ المُستشفيات الإسلامية عبر تحليل هذه المؤسسات في مصر ومنطقة الشرق الأوسط خلال الفترة ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر الميلادي. بحث الدكتور رجب في كيفية تطور المُستشفيات وارتباطها ببيئاتها المحلية من جهة، وبالمفاهيم الخيرية النابعة من الثقافة الإسلامية من جهةٍ أخرى، فضلاً عن ارتباطها بالمشاريع السياسية. ركز الدكتور رجب أيضاً ضمن كتابه على أثر الأفكار الدينية في تطور المُمارسات الطبية خلال تلك الحقبة التاريخية. 

ثاني الكتب الشهيرة للدكتور رجب هو “الصبر والتقوى في إسلام العصور الوسطى Piety and Patienthood in Medieval Islam” الصادر عن دار روتلدج، لندن عام 2018. يتناول الدكتور رجب في هذا الكتاب مفهوم القناعات والأفكار الدينية وأثرها على الطب المُمارَس، وسلّط فيه الضوء على كيفية اختبار المُسلمين للأمراض وتلقيهم للعلاج من منظور مفاهيم التقوى والنصوص الدينية، خصوصاً تلك النابعة عن الخبرات الشخصية لنبي الإسلام. بهذه الطريقة، يتعقب الكتاب مراحل تطور أدبيات الطب النبوي ويُسلّط الضوء على سلوكيات رجال الدين، والأطباء والمرضى وارتباطها بالصحة والمرض، وكيفية وصف مفاهيم الصحة والمرض على أنها خبرة ذات ارتباطاتٍ اجتماعية، ودينية وجنسية. 

في كتابه الثالث الشهير “الطب والدين في حياة رجل دين عثماني Medicine and Religion in the Life of an Ottoman Sheikh” يستعرض الدكتور رجب سيرة أحمد الدمنهوري الذي تولى رئاسة جامعة الأزهر في مصر بدءاً من عام 1768، وهو أحد أكثر المناصب احتراماً ونفوذاً إبان الحكم العثمانيّ السائد في تلك الفترة. يمتلك الكتاب أهميةً من ناحية سرده لسيرة الدمنهوري كعالمٍ لم تُنصِفه كتب التاريخ، وذلك عبر استعراض مَخطوطةٍ هامة في مجال التشريح قام الدمنهوري بإنجازها عام 1778. على صعيدٍ آخر، يَستعرض الكتاب تقاطع الأفكار الطبية مع المعرفة الدينية في مصر خلال القرن الثامن عشر الميلادي، وهو بذلك يفتح نافذةً جديدة لفهم حقبةٍ تاريخية لم تنل قسطاً كافياً من الدراسة وسببت الكثير من الجدال. 

يعمل الدكتور رجب في الوقت الحاليّ على كتابين جديدين. الأول سيحمل عنوان “مُجتمعات المعرفة: العلم في أوروبا خلال فترة العصور الوسطى Communities of Knowledge: Science in Medieval Europe and Islamdom” بالمشاركة مع البروفيسورة كاثرين بارك من جامعة هارفارد. ويدرس الكتاب تاريخ تطور العلوم إبان فترة العصور الوسطى والمرحلة الأولى من الحقبة العلمية الحديثة، وذلك من وجهة نظر الحدود التقليدية التي فصلت أوروبا عن العالم الإسلامي. الكتاب الثاني سيحمل عنوان :” حول الساعة: الزمن في الثقافات السريرية لإسلام العصور الوسطى Around the Clock: Time in Medieval Islamic Clinical Cultures” الذي يبحث في فكرة الزمن كمفهومٍ معرفيّ وثقافيّ ضمن الأدبيات والمُمارسات الطبية، حيث ينظر إلى كيفية توضيح الزمن ضمن سياقاتٍ مُتنوعة مثل فهم التغيرات الموسمية، والتغيّرات الفلكية، والتقدم بالعمر وتطور الأمراض. 

تمتد المجالات البحثية التي يعمل ضمنها الدكتور رجب لتشمل مفاهيم العلم والتقنية والطب خلال المرحلة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية بمنطقة الشرق الأوسط، حيث يناقش ضمن أبحاثه الجدليات الحاصلة بتلك الفترة الزمنية والمتعلقة بالتطوير والإصلاح الطبي والعلمي خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين وارتباطها بظهور طبقة النخبة العلمية، كما أنه عمل على إظهار كيفية نشوء أفكار ومفاهيم حديثة مثل “الحقبة الذهبية للحضارة الإسلامية” عبر عمليات اختيار وتعديلٍ حصلت خلال القرن التاسع عشر على النصوص الإسلامية من فترة العصور الوسطى. 

أعمالُ ثقافية أخرى
لم تقتصر إسهامات الدكتور رجب على التأليف في المجال الأكاديميّ، إذ سبق له وأن شارك في السلسلة الوثائقية “قصة الله The Story of God” من إعداد ناشيونال جيوجرافيك وتقديم الممثل مورغان فريمان الذي تم عرضه عام 2016. وقد تمت مشاركة الدكتور رجب عبر حواراتٍ في الحلقات التالية من السلسلة: من هو الله، والخلق، وقوّة المعجزات. 

إرثٌ وشعبية بين الطلاب
أصبح الدكتور رجب في دائرة الأضواء ضمن جامعة هارفارد عام 2019 لأسبابٍ لا تتعلق بأعماله البحثية والأكاديمية، وإنما بسبب رفض طلبٍ تقدم به لإدارة الجامعة يتمحور حول حصوله على تثبيتٍ كأستاذٍ دائم في الجامعة بدلاً من منصبه الحاليّ كأستاذٍ مُساعد، وعندما قوبل طلبه بالرّفض، عمل طلاب الجامعة على تنظيم عريضةٍ احتجاجية تضمنت أكثر من 5000 توقيع لمُطالبة إدارة الجامعة بإعادة النظر في طلب التثبيت الخاص بالدكتور رجب نظراً لأهميته كباحثٍ مَرموق في كلية اللاهوت. لا يوجد أي معلوماتٍ واضحة حول إمكانية إعادة النّظر بطلب التثبيت الخاص بالدكتور رجب، وحتى ساعة إعداد هذا المقال، فإن صفحته الرسمية على موقع جامعة هارفارد تُشير إلى أنه لن يستمر بعمله فيها بعد العام الدراسيّ 2019-2020، مما يشير إلى احتمالية رحيله وانتقاله لمؤسسةٍ أكاديميةٍ أخرى.