Article image




تداعيات وباء كوفيد-19 على منظومة ريادة الأعمال ومستقبل الاستثمار في الشركات الناشئة، والتحديات الحالية والمستقبلية التي تواجهها هذه الشركات.

2020-05-27 13:17:28

18 مايو 2020

في إطار تغطيتنا المستمرة لأزمة كورونا وللمواضيع المتعلقة بالشركات التقنية الناشئة، وفي ظل التغيرات التي نشهدها في سوق العمل وفي الاقتصاد العالمي بشكل عام، استضافت منصة إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية التي تصدر بالشراكة مع مؤسسة دبي للمستقبل نقاشاً مع كل من عمر المجدوعي، الشريك المؤسس في رائد للاستثمار، وحسن حيدر، الشريك الإداري في Startups 500. وقد أدارت الحوار آية صدّر، وهي متحدثة في TEDx العالمي وتمتلك خبرة في منظومة ريادة الأعمال من عدة جوانب، حيث عملت في مسرِّع الانطلاق التابع لشركة طيران الإمارات، ومُرشدة في Startups 500، وحالياً تعمل على إطلاق شركة ناشئة جديدة.

وتمت في هذا الحوار مناقشة مستقبل الاستثمار والشركات الناشئة في المنطقة العربية والتأثيرات التي فرضها وباء كوفيد-19 على ريادة الأعمال.

آية صدَّر: كيف غيّر كوفيد-19 من شكل منظومة ريادة الأعمال في العالَم العربي والعالَم؟

حسن حيدر: هناك جانبان يجب التركيز عليهما، أولاً جانب المستثمرين؛ فقبل كوفيد-19 كان هناك 20 صندوق رأس مال جريء تم إطلاقه في الشرق الأوسط خلال سنة أو سنتين فقط. لذا كان يتوافر التمويل أكثر من أي وقت سابق. وأخذ تقييم الشركات في المنطقة يرتفع، حيث كنا نستثمر في البداية في الشركات التي تبلغ قيمتها السوقية ما بين 2-3 مليون دولار في مرحلة التمويل الأولي (Seed stage) ثم انتقلنا إلى الاستثمار في الشركات التي تبلغ قيمتها السوقية 4-5 مليون دولار.

لكن اليوم بعد أزمة كوفيد-19، تراجعت قيمة الشركات إلى ما كانت عليه قبل إطلاق هذه الصناديق. ولاحظنا أن بعض المستثمرين قد أوقفوا استثماراتهم في أثناء هذه الأزمة. وأنا لا أؤيد هذه الطريقة في التفكير، لأني أعتقد أن الاستثمار في الوقت الحالي هو من أفضل الاستثمارات. فقد شهدنا نشوء أفضل الشركات أثناء أزمة 2008 – 2009 وهي شركات وادي السيليكون، وفي 2001 حدث الأمر نفسه. وهذه الدورة تتكرر كل 10 سنوات تقريباً.

أما الجانب الثاني فهو رواد الأعمال: أعتقد أن الرواد الذين ينطلقون في الوقت الحالي هم من أفضل رواد الأعمال لأنهم يبدؤون في أوقات صعبة. ومن الجانبين نشهد تحسيناً في التقييمات من طرف المستثمرين ورواد الأعمال.

ما رأيك عمر فيما يقوله حسن بأن تقييم الشركات كان مرتفعاً ثم انخفض، برأيك ما سبب هذا التغير في تقييم الشركات، ولماذا انخفض الآن؟

عمر المجدوعي: أعتقد أن هناك انكماشاً في السوق الآن، وهناك خوف من جانب المستثمرين، وهو ما يؤدي إلى ندرة في السيولة والمبالغ الجاهزة للاستثمار. وهذا يؤثر مباشرة على العرض الموجود ويؤدي إلى كثرته. ومثل أي سلعة أخرى، يعتمد الاستثمار في الشركات الناشئة جزئياً على العرض والطلب؛ فإذا كان هناك الكثير من الطلب على الشركات الممتازة سيكون هناك ارتفاع في سعر الشركة وليس في قيمتها بالذات.

وعلاوة على ذلك، هناك صعوبة في تخمين المستقبل؛ فقد كنت أقول قبل 3-4 شهور إن إحدى الشركات يكفيها 500 ألف دولار للبقاء على قيد الحياة لمدة 6 أشهر أو 10 أشهر، لأنها ستكون قادرة على جمع المال من السوق والاستمرار في النمو. لكن في الوقت الحاضر، تخاف الشركات بسبب عدم اليقين حول مدة الأزمة، لذا سيضطرون إلى جمع أموال أكثر من السابق وهذا يرفع الطلب على المال.

فاليوم تريد الشركات مثلاً أن تجمع 3 مليون دولار عوضاً عن 1.5 مليون دولار كي تحافظ على ما يبقيها على قيد الحياة لمدة 18 شهراً.

وفي هذه الحالة، هناك عاملان يؤثران على قيمة الشركات، وهما: حاجتها إلى المال بسبب ضبابية المستقبل، وندرة المال المتوافر للاستثمار. وهذا سيؤدي إلى انخفاض أسعار الشركات، ما يمثل فرصة للمسستثمرين كي يبدؤوا التفكير في هذا المجال.

فقبل الأزمة، كنا نقول إن مجال التقنية هو مجال واعد، أما بعد الأزمة فقد أصبح واعداً جداً؛ بسبب ازدياد الحاجة إلى التقنية وأهميتها، فتحولت من كماليات إلى أمر ضروري، ومن رغبة إلى حاجة أساسية. وأنا أعتقد أنه كلما ركزنا أكثر على التقنية زاد تركيزنا على توفير حياة أفضل للبشر.

آية صدَّر: هل هناك نقطة تحوّل نجمت عن الجائحة في منظومة الشركات الناشئة؟

عمر المجدوعي: طبعاً، هناك نقاط تحوّل ما زلنا في مرحلة استكشافها وتلمّس التغيرات الحاصلة؛ إذ إن هناك صناعات تأثرت بشكل كبير جداً بسبب جائحة كورونا، وقد برزت هذه التأثيرات بشكل واضح في تقنيات السفر والترفيه وتقنيات نقل الركاب.

لكن إلى متى سيستمر هذا التأثر؟ وهل ستعود هذه الصناعات بسرعة على شكل (V) أو (U) أو (L)؟ لا أحد يملك إجابة عن هذا السؤال، وهذه خطورة الاستثمار في بعض المجالات الآن.

هناك مجالات في التقنية واعدة جداً مثل التجارة الإلكترونية وما يدعمها من أدوات وتقنيات، وكل ما يخص تقنيات الصحة والتوصيل وتقنيات الدفع الإلكتروني، هذه مجالات كلها واعدة جداً. أما عندما يتعلق الأمر بقطاعات السفر والترفيه ونقل الركاب، فلا يمكن أن نخمّن متى ستعود الأمور إلى طبيعتها ربما خلال 6 أشهر أو سنة أوسنتين، أو ربما أكثر.

آية صدَّر: كيف تأثرت سلاسل الإمداد وكيف تتوقعون تغيرها في المستقبل؟

حسن حيدر: يعتقد البعض أن سلاسل توريد البضائع من الصين ستتوقف، لكن أعتقد أن هناك تغيرات أخرى، إذ سيكون هناك عملية إعادة توطين. حيث نشهد شروع الشركات في مختلف أنحاء العالم بالعمل في الصناعة بشكل أكبر من السابق، ولا أعتقد أن الميزة التنافسية وفوائد العولمة والبضائع القادمة من الصين ستتوقف، بل ستستمر كما هي لكن يمكن أن يتم توطين بعض السلع.

وأعتقد أن سلاسل التوريد في الدول العربية ستتحسن؛ نظراً لارتفاع الطلب على البضائع عبر التجارة الإلكترونية والتوصيل. فإذا ازداد الطلب واستمرت سلاسل التوريد كما كانت قبل كورونا، فإن كل شركات التجارة الإلكترونية التي تعتمد على هذه السلاسل لن تتمكن من الاستمرار مع نفس قاعدة المستهلكين. فقد شهدنا تداعيات ذلك على تجربة المستهلك، وعلى سبيل المثال، استغرق توصيل أحد الطلبات في البحرين مدة أسبوع، مما يدفع المستهلك إلى عدم الطلب عبر نفس المنصة أو التطبيق في المستقبل. 

آية صدَّر: هذه مسألة مهمة قبل كوفيد-19 وبعده، هل تعانون سيد عمر في المملكة العربية السعودية من هذه المشكلة في التوصيل؟

عمر المجدوعي: بصراحة، صرت أفضّل أن أطلب من شركات خارح السعودية لأنها توصل البضائع بشكل أسرع، وهو أمر غريب.

وأشير هنا إلى نقطة مهمة، لم تستثمر الشركات الناشئة في مجال التجارة الإلكترونية في الخليج في مجال تلبية الطلبات، وفي أحسن الأحوال هو استثمار ضعيف مقارنة بالاستثمار في التسويق وتحفيز الشراء. أي أنها لم تستثمر في بناء منظومة لتلبية الطلبات قادرة على مواكبة أي نمو طارئ في الطلب كما يحدث الآن.

أما الشركات خارج المنطقة فهي فعالة جداً في توصيل الطلبات، رغم أنها تلبي طلبات المستهلكين من جميع أنحاء العالم.

آية صدَّر: إذن ينبغي تشجيع الشركات الناشئة على الاستثمار في البنية التحتية لمنظومة تلبية الطلبات. بالنسبة للاستثمارات في المملكة العربية السعودية، هل يمكن عمر أن توضح لنا ماهية التغيرات الناجمة عن كوفيد-19، هل ترون اعتماداً أكبر على التكنولوجيا المحلية؟

عمر المجدوعي: نعم طبعاً، نشهد انتقالاً إلى التكنولوجيا المحلية وتسارعاً في استخدام التكنولوجيا في كل مجالات الحياة. وفي المملكة العربية السعودية، توجد منصة تشبه شوبيفاي لدعم التجار الذين ينتقلون إلى البيع عبر التجارة الإلكترونية، وتضم هذه المنصة أكثر من 125 ألف تاجر سعودي. ولم يأتِ هذا الانتقال إلى التجارة الإلكترونية من فراغ، وإنما بسبب حاجة التجار إلى البيع. فقد أصبح البيع بالطريقة التقليدية صعباً ومكلفاً جداً، ولا خيار أمام التجار إلا البيع عبر الإنترنت. وقد أصبح هذا النوع من المنصات المحلية فعالاً جداً، ولن يتمكن لاعب عالمي مثل شوبيفاي أن يوفر نفس الخدمات بنفس الجودة والفاعلية التي تقدمها شركة محلية ممتازة ومرتبطة بكل أدوات الدفع وخدمات التسويق. وهذا يعطي ميزة قوية للشركات المحلية في تقديم قيمة مضافة لأي مستخدم في المملكة العربية السعودية.

وعلى سبيل المثال هناك أكثر من 40 أو 45 ألف تاجر في السعودية اعتمد على منصتي سلّة وزِد في تأسيس صفحات للتجارة الإلكترونية. وهذا يمثّل تحوّلاً سريعاً سمح للتجار بالانتقال إلى التجارة الإلكترونية وتحقيق الأرباح عبرها.

آية صدَّر: كيف تأثر التمويل بوباء كوفيد-19؟ بالنسبة لمرحلة التمويل الأولي ومرحلة التمويل أ؟ وحبذا لو ذكرتما بعض الأمثلة.

حسن حيدر: في مرحلة التمويل الأولي، لقد أتممنا الاستثمارات التي كانت موجودة قبل كوفيد-19. هناك شركات صندوق رأس مال جريء توقفت تماماً، وهناك شركات أخرى تستغل الفرصة وتستثمر أكثر في شركات ذات قيمة أقل.

كما أننا نستمر في الاستثمار في المرحلة اللاحقة. ونشهد مستثمرين يساعدون الشركات التي يستثمرون فيها على الخروج من مرحلة كوفيد-19 حتى تستمر وتنجو من الأزمة.

نحن استثمرنا في أكثر من 170 شركة حالياً، وقد شهدنا اختلافاً في استجابة رواد الأعمال لحالات الطوارئ؛ إذ إن منهم مَن اتخذوا احتياطاتهم منذ اليوم الأول وانتقلوا من النمو إلى الصمود والتعادل، بينما هناك آخرون تأخروا في التحرك. وبالمختصر، إذا اتخذ رائد الأعمال الإجراءات الصحيحة فإننا نستثمر معه. وهناك رواد أعمال في شركات من المفترض أن تستفيد من الظروف الحالية لكنهم لم يتحركوا لاتخاذ الإجراءات المناسبة وتحقيق الاستفادة.

آية صدَّر: ما رأيك عمر؟

عمر المجدوعي: لم ألاحظ تغيراً في رغبة مستثمري رؤوس الأموال الجريئة حتى الآن. وفي الوقت الحالي، أبرمنا صفقتين خلال شهري أبريل وماي، وكان هناك ازدحام شديد من رؤوس الأموال للدخول والحصول على حصة في هذه الشركات.

لذا أعتقد أن هناك تنامياً في رغبة الاستثمار في الشركات الممتازة أكثر من السابق. كما بدأ الناس يلاحظون تأثير التقنية في الاقتصادات وكل مجالات الصناعة، وأصبحت التقنية مهمة جداً لنمو الصناعات، مما دفع الناس إلى التفكير في الاستثمار في التقنية، متوقعين عوائد جيدة على المدى المتوسط والبعيد، عوضاً عن وضع أموالهم في سوق أسهم أو عقارات يصعب تخمين مستقبل الاستثمار فيها.

وعلى سبيل المثال، هناك نوعان للعقارات التجارية: المحلات والمكاتب. ومن غير الواضح ما إذا كانت قيمتها ستنمو أم تنكمش خلال الخمس سنوات المقبلة. ورغم اعتقادي أن العقارات السكنية لن تتأثر، لكن يصعب تخمين مستقبل العقارات التجارية. وهذا ما يدفع الناس إلى تفضيل الاستثمار في مكان أقل خطورة مثل التقنية التي كانت خطورتها أكبر قبل الأزمة.

لذا لا بد من دراسة الشركات ومجالات النمو في قطاعات التقنية على المدى المتوسط والبعيد حتى يكون الاستثمار فيها قائماً على العلم.

آية صدَّر: هل يمكن أن تستعرضوا أمثلة من الشركات التي استثمرتم فيها، كيف حال هذه الشركات في ظل كورونا؟

حسن حيدر: لدينا شركات تعمل في مجال التجارة الإلكترونية، وقد حققت الكثير منها استفادة نتيجة فرض حظر التجول في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ لأن التجارة الإلكترونية كانت الخيار الوحيد. كما استفادت الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا المالية من أزمة كوفيد-19، نتيجة إدراك الناس لمفهوم الدفع أونلاين وفائدته عوضاً عن التعامل بالأموال النقدية التي يمكن أن تنقل عدوى كوفيد-19. وفي المقابل، تأثرت الشركات التي تعمل في مجال السفر والسياحة والمطاعم بشدّة بكوفيد-19.

عمر المجدوعي: هناك ثلاثة أنواع من الشركات: شركات استفادت بشكل كبير في الأزمة، وشركات تكيفت بعض الشيء واستفادت بشكل متوسط أو حافظت على مستواها، وأخرى تضررت بشدّة.

ولنذكر أمثلة على بعض الشركات التي استفادت في الأزمة: هناك شركة “مرسول” التي نمت بشكل كبير جداً وأصبحت الأولى في توصيل السلع الأساسية في المملكة العربية السعودية، غير أنها عانت بسبب تغيير السياسات من قِبل الحكومة؛ ففي أبريل، حققت الشركة أعلى رقم وأدنى رقم في تاريخها، ويعود السبب إلى تدخل الحكومة لضبط مجال توصيل البضائع وفرض رقابة عليه بسبب سوء استخدامه من قِبل بعض الجهات. وهناك شركة “سلة” التي تساعد التجار في الحصول على محلاتهم التجارية الافتراضية خلال 10 دقائق فقط. وهناك أيضاً شركة “ساري” التي تساعد تجار الجملة في الوصول إلى زبائنهم بشكل سريع. بالإضافة إلى شركات أخرى مثل “تراكر” التي تساعد الشركات الأخرى في الوصول إلى سائقي الشاحنات بأسرع وأرخص ما يمكن.

ومن الأمثلة على النوع الثاني من الشركات التي استمرت في النمو رغم حدوث هبوط طفيف في المبيعات هي شركة “فوديكس” التي تركّز على البيع للمطاعم والمقاهي قبل كوفيد-19. وعندما تفشى الوباء أطلقوا خدمة البيع في مجال البقالة وحافظوا إلى حد ما على مستوى دخل جيد. بالإضافة إلى أنهم الآن يساعدون المطاعم على البيع مباشرة للزبون النهائي أونلاين من دون أن يستخدم تطبيقات وسيطة. مثال آخر هو شركة “يونيفونيك”، وهي عبارة عن شركات اتصالات سحابية تخدم القطاع البنكي والحكومي والتجارة الإلكترونية والشركات الناشئة، حيث توفر خدمات الاتصالات مثل الرسائل القصيرة. وعندما تأثر القطاع البنكي والحكومي بأزمة كوفيد-19، قامت الشركة بالانتقال إلى قطاع خدمات التجارة الإلكترونية والشركات الناشئة الكبيرة وتمكنوا من الحفاظ على المبيعات.

وهناك النوع الثالث من الشركات التي تضررت بشدة مثل شركة “سويفل”، وهي شركة تتولى نقل الأشخاص بالباصات في كل من مصر وكينيا وباكستان. وقد وصل عدد ركابها اليومي إلى 150 ألف خلال أول أسبوعين من مارس، ثم بعد كوفيد-19، جاءت الإجراءات الحكومية لمواجهة الوباء بالإضافة إلى خوف الناس الذي دفعهم إلى البقاء في منازلهم. وقد دخلت هذه الشركة في مرحلة الحفاظ على بقائها حية رغم بعض المحاولات للانتقال إلى توصيل الطرود لكنها لا تغني عن توصيل الأفراد. ومثال آخر على هذا النوع من الشركات التي تأثرت بشدّة هو شركة “إفينتس” في مصر، التي توفر خدمات الأحداث والمناسبات. وتحاول مؤسِّستا الشركة اليوم أن تجدا حلاً من خلال الانتقال إلى تقديم خدمات المناسبات الافتراضية.

آية صدَّر: هل تتوقع مستقبلاً أفضل للمحلية؟

عمر المجدوعي: بالتأكيد، تزداد قيمة المحلية وأهميتها، لأن الخدمات التقنية أصبحت منتشرة بشكل كبير. فإذا لم تكن هذه الخدمات مرتبطة ببعضها، سيكون من الصعب توفير خدمة ممتازة بشكل مستمر. ومن الصعب على الشركات العالمية أن تدخل إلى الأسواق المحلية وترتبط بالنظام البيئي كما تفعل الشركات المحلية.

لقد فرض كوفيد-19 تغيراً سريعاً وطارئاً، وأعتقد أن الكثير من الشركات العالمية فشلت في تحقيق هذا التغير. بينما كان للشركات الناشئة المحلية الدور الأكبر في خدمة المجتمع بشكل أسرع، واستطاعت التكيف بشكل أفضل وأكثر كفاءة من أي شركة عالمية.

آية صدَّر: برأيكم، ما أهم التوجهات للشركات الناشئة وفي أي قطاعات؟

حسن حيدر: من خلال ما شهدناه في الشهرين الماضيين، فإن أكثر الشركات التي تستفيد من الوضع الحالي هي شركات التجارة الإلكترونية والدفع الإلكتروني والتكنولوجيا المالية.

آية صدَّر: في ظل تواجد عدد كبير من الأشخاص أونلاين، وحاجتهم إلى من يضمن أمنهم على الإنترنت، هل تعتقد أنه يجب الاستثمار في الأمن السيبراني؟

حسن حيدر: إنه أمر مهم، لكننا لا نشهد التكنولوجيا العميقة التي نحتاجها في منطقتنا، وهناك عدد قليل من البرمجيات التي تحمل قيمة حقيقية.

وعلى الرغم من توافر فرصة للاستثمار في هذا المجال، لكن لا تتوفر لدينا القاعدة المعرفية اللازمة. نعم تحقق تقنيات الرعاية الصحية -مثل الطب عن بعد وتقنيات توصيل الأدوية- بعضَ الاستفادة، ولكن ليس بنفس درجة الاستفادة التي تحققها في سنغافورة وأميركا وأماكن أخرى.

آية صدَّر: ألا تعتقد أن شركات التجارة العالمية سوف تبتلع الشركات المحلية في نهاية المطاف؟

عمر المجدوعي: للأسف هذا حدث سابقاً في المنطقة العربية. ويبدو أن هذا التوجه مستمر. وبالتالي فإن الشركات العالمية تمتص القيمة التي ينتجها رواد الأعمال في المنطقة.

وعلى الرغم من أنه لدينا شركات رائدة في مجالاتها، لكنها تُغفل تماماً النظر إلى الشركات الناشئة باعتبارها مصدر نمو وثروة مستقبلية؛ حيث نلاحظ أن أكبر 5 أو 6 عمليات استحواذ في المنطقة قامت بها شركات عالمية، باستثناء “دبي مولز” عندما استحوذت على “نمشي”. وأنا متأكد لو سألنا “دبي مولز” إن ندموا على شراء “نمشي”، سيكون جوابهم بالتأكيد: لا.

وللأسف، فإن الشركات القائمة في السوق تهلك نفسها ومستقبلها في المنطقة. وأنا أعتقد أنه لن يكون هناك عودة للخدمات التقليدية والطلب التقليدي. وعندما يغفل الجميع عن هذا الأمر بحجّة أنها مكلفة وتستهلك وقتاً، لكنها كلفة إجبارية يجب تحملها الآن من أجل النجاح في المستقبل.

وللأسف أيضاً، ما زالت أغلب الاستحواذات خارجية حتى الآن. وأتمنى أن نرى شركات شجاعة داخلية ترى المستقبل ولا تحاول أن تبني مستقبلاً بنفسها؛ لأن هذا أمر شبه مستحيل، بسبب الاختلافات في طبيعة التسويق والإدارة بين الشركات الناشئة، لذا لا بد من عمليات الاستحواذ.

آية صدَّر: ماذا عن الاستثمارات المستقبلية في الشركات الناشئة؟ هل ستكون الاستثمارات في قطاعات معينة أكثر من غيرها؟

عمر المجدوعي: يفكر الناس في الترفيه بشكل أحادي على أنه الحفلات والمسارح، لكن الترفيه المستقبلي يتمثل في الألعاب الفيديوية والرياضة عبر الإنترنت والترفيه الافتراضي وغيرها. هذا ما يجب على رواد الترفيه أن يفكروا فيه، ولا بد أن يكونوا واعين للتغير الذي يحدث في هذا المجال. وعلى سبيل المثال مجموعة “إم بي سي” أدركوا مؤخراً أهمية الأمر وأطلقوا منصة “شاهد” الجيدة جداً.

وأنا أعتقد أن من الصعب على المجموعات الإعلامية الأخرى أن يستمروا بالشكل الحالي، ولا بد أن يجدوا منصات يدخلوا معها في شراكة إستراتيجية أو يستحوذوا عليها. في المستقبل لن يركِّب أحد صحن استقبال، أعتقد أن ذلك سيختفي قريباً مع وصول شبكات الجيل الخامس. وأشعر بخيبة أمل من أداء الشركات الكبرى في استجابتها لهذه المتغيرات.

آية صدَّر: نسمع الكثير عن تخصيص أموال لمساعدة قطاع الشركات الناشئة، كيف ترون ترجمة ذلك على أرض الواقع؟

حسن حيدر: قامت الحكومات بإطلاق برامج دعم لمساعدة رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا وغيرها من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تأثرت بكوفيد-19. وعلى سبيل المثال، تقوم حكومة البحرين بدفع معاشات 3 أشهر، وتم تأجيل سداد القروض لمدة 6 أشهر. كما تم تطبيق برامج دعم مماثلة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وأعتقد أن ذلك أمر مهم للغاية؛ لأن أكبر تأثير لكوفيد-19 على الاقتصاد يأتي من ارتفاع البطالة. وهذه الخطوات التي تدعم مباشرة المعاشات والتوظيف أمر مفيد.

أما من طرف صناديق رأس المال الجريء، فقد تم منذ عامين إطلاق صناديق استثمار مثل “جدا” في السعودية و”الواحة” في البحرين، وهما مستمران ولهما دور هام؛ لأنه من دون المستثمرين في الصناديق، سيتم إغلاقها. وعند ذلك ستغلق السبل في وجه رواد الأعمال.

آية صدَّر: سمعنا عن زيادة الضرائب في المملكة العربية السعودية إلى 15%، هل يمكن أن تساعدنا في فهم سبب هذه الزيادة وكيف تتعاملون معها؟

عمر المجدوعي: ليس هناك توضيح حتى الآن بهذا الخصوص، والجميع متفاجئ ومستغرب. ربما يكون السبب مقنعاً، لذا ننتظر حتى يأتي التوضيح.

أعتقد أن الدعم الحكومي في المملكة العربية السعودية جيد جداً حتى الآن، ويركز على الأفراد وتأخير سداد الديون. وهناك صندوق رأس مال جريء وهو سعودي فينتشر كابيتال كومباني، الذي يتضمن برنامجاً ممتازاً لدعم الشركات التقنية الناشئة من خلال توفير قروض سريعة واستثمارات. ويبدو أنه قد تمت دراسته بشكل جيد جداً وسيتم طرحه خلال أسبوع أو أسبوعين. وهذا من شأنه أن يساعد الشركات التقنية في السعودية على الصمود والاستمرار حتى تعود الأمور إلى طبيعتها.

آية صدَّر: هل ترون شركات جديدة تؤسسها سيدات رائدات أعمال؟

حسن حيدر: لدينا بعض الشركات التي أسستها رائدات أعمال وتبلي أحياناً بلاء أفضل من الشركات التي يؤسسها الرجال. ومن بين شركاتنا هناك 25% منها أسستها رائدات أعمال. وخلال السنة الحالية، بدأنا نشهد مؤسِّسات نساء بشكل أكبر في السوق.

عمر المجدوعي: لدينا 4 شركات أسستها رائدات أعمال، منها شركة واعدة، وأداء رائدات الأعمال فيها جيد جداً، وهي شركة إفينتس. وفي المرحلة التي رأت مؤسِّساتها سوق المناسبات يتأثر بالأزمة، فكَّرْن بسرعة في الانتقال إلى منصات المناسبات الافتراضية. وأنا واثق من أنهن سيخرجن بشيء مميز، وربما يحققن نمواً أكبر من السابق.

آية صدَّر: أين الفجوة التي تجدونها في سوق الاستثمارات الجريئة وخصوصاً في الخليج؟

عمر المجدوعي: لو سألتني قبل أربع سنوات، لكان جوابي أن الفجوة في مرحلة التمويل الأولي؛ حيث كان هناك نقص كبير في التمويل في هذه المرحلة.

لكن الآن أصبح هناك وفرة من المستثمرين في مرحلة التمويل الأولي، وهناك رقم لا بأس به من المستثمرين في مرحلة التمويل أ. لكن تبدأ المشكلة في مرحلة التمويل بي؛ إذ إن هناك شركات ممتازة لكن النقص في عدد رؤوس الأموال الجريئة في مرحلة التمويل بي وما بعدها جعل الشركات تواجه الإغلاق. وهذا تطور طبيعي؛ فقبل 5-6 سنوات كان القطاع كله غير موجود أو ضعيف. وأتوقع أنه إذا استمر أداء الشركات بامتياز سوف تنتقل المشكلة إلى مرحلة التمويل سي أو دي بعد سنة أو سنتين.

وهذا نمو طبيعي ونتمنى أن يستمر الأداء بشكل ممتاز وأن نصل إلى مرحلة يتوافر فيها مستثمرون لمساعدة الشركات على الوصول إلى الطرح العام، وهو ما أتوقع الوصول إليه في غضون خمس سنوات.

حسن حيدر: أتفق مع ما قاله عمر، هناك مشكلة في مرحلة التمويل بي في المنطقة كلها. وهو أمر طبيعي؛ فقد بدأ جميع المستثمرين في مرحلة التمويل الأولي وانتقلوا إلى مرحلة التمويل أ. وبدأنا في المنطقة نشهد دخول شركات جديدة في تمويل المرحلة أ. ولكن حتى الآن يركز المستثمرون على مرحلة التمويل الأولي. كما تزايد المستثمرون من فئة Angel في المنطقة، وربما هذه ليست أفضل طريقة لجمع التمويل؛ لأن المستثمرين من هذه الفئة لا يستطيعون مساعدة الشركات في إجراء التعديلات اللازمة للحصول على المزيد من التمويل من صناديق رأس المال الجريء. وأتفق مع عمر في وجود نقص كبير في مرحلة التمويل بي، بينما هناك عدد كبير من الصناديق التي تركز على مرحلة التمويل أ.

ما التحديات التي ستواجه الشركات الناشئة وقدرتها على جذب الاستثمارات؟ وما النصائح التي تقدمونها للشركات والمستثمرين؟

عمر المجدوعي: هناك 3 أنواع من الشركات اليوم: الأول شركات تحقق النمو، والثاني شركات متعادلة، والثالث شركات تعاني من الأزمة.

بالنسبة للنوعين الثاني والثالث، فإن الأمر الأهم هو السيولة التي تعتبر أهم مقياس لصحة الشركة. وكما ينصح المستثمرون العالميون، يجب على هذه الشركات أن تحاول الإبقاء على ما يعادل 12 أو حتى 18 شهراً من السيولة الكافية لها حتى تستمر على قيد الحياة وتتفاعل مع عودة الحياة بشكل صحي.

والسبب وراء هذه النصيحة يعود إلى حقيقة أنه حتى لو توصلنا إلى اللقاح خلال 12 شهراً، فستكون الأسواق في وضع متأزم نتيجة حدوث كساد. وفي هذه الحالة ستحتاج الشركات إلى مبالغ معينة حتى تبقى على قيد الحياة وتستمر في النمو.

النصيحة الثانية للنوع الأول من الشركات التي تحقق نمواً الآن، هي ألا ينخدعوا بالنمو الحالي لأنه قد يكون وهمياً؛ فالنمو الحقيقي ينتج عن الطلب الطبيعي في ظروف طبيعية، لكن الظروف الآن غير طبيعية، وما إن اختلفت الظروف وعادت إلى طبيعتها وكان الاقتصاد ضعيفاً فأعتقد أن الكل سيعاني في الاقتصاد الضعيف. ولذلك من الأفضل الحرص على النقد حتى في الظروف الممتازة للنمو، لأن من الممكن في أية لحظة أن يحدث انكماش ويتراجع الطلب.

حسن حيدر: أتفق مع عمر في أهمية السيولة، فلا أحد يعلم متى سنحصل على اللقاح ومتى تعود الحياة إلى طبيعتها.

ومنذ أن اندلع الوباء في الشرق الأوسط، قام جميع رواد الأعمال لدينا باتخاذ إجراءات فورية للحفاظ على السيولة وتخفيض التكاليف.

وأعتقد أن الشركات التي تتبنى عقلية “النمو بأية تكلفة” و”اقتصاد الوحدات السالبة” لن تنجح في جمع التمويل. أما الشركات التي تركز على “النمو المستدام” و”اقتصاد الوحدات الموجبة” فهي التي ستنجح في الصمود والاستمرار بعد هذه الأزمة. وعلى سبيل المثال، حتى كبرى الشركات مثل أوبر التي كانت تتبنى عقلية “النمو بأية تكلفة” بدأت تخفض مصاريفها وتتحرك باتجاه النمو المستدام.

عمر المجدوعي: لدي نصيحة إضافية، أعتقد أن من غير المناسب خلال العام أو العامين المقبلين أن تركز الشركات على المنتج النهائي الفاخر، وربما يجب أن ينصبّ تركيزها على حاجات الناس الأساسية. بالإضافة إلى التركيز على العلاقة المباشرة مع الزبون، هذا يخفض بشكل كبير من تكلفة سلاسل الإمداد ويخفض سعر المنتج في نهاية المطاف.